أحدث الأخبار
الثلاثاء 07 كانون أول/ديسمبر 2021
رفض زواج الابنة الصغرى قبل الكبرى يكرس الضغينة داخل الأسر المصرية!!
بقلم : أحمد حافظ ... 19.08.2021

**رغم تطور المستويين الاجتماعي والثقافي لأغلب الأسر المصرية، إلا أن الكثير منها مازال يرفض زواج الفتاة الصغرى قبل الكبرى وذلك تمسكا بالأعراف والتقاليد وخشية من نظرة الناس وخصوصا المحيط العائلي. ويرى خبراء العلاقات الأسرية أن هذا السلوك يفرز أنواعا مختلفة من الشقاق والصراع بين الأخوات داخل الأسرة الواحدة، وهو ما يصعب علاجه خاصة لو كان الرفض لأسباب واهية.
القاهرة - عندما أبلغت مريم محمد، وهي طالبة مصرية جامعية، والدتها بأن زميلها في الكلية يرغب في التقدم لخطبتها من أسرتها اصطدمت برد فعل الأم التي رفضت بشكل قاطع وأبلغتها بأن أختها الكبرى لم تتزوج، وهذه من الأمور المعيبة في مصر بأن يتم عقد قران الابنة الصغرى قبل شقيقتها التي مازالت غير متزوجة.
حاولت الفتاة إقناع والدتها بأن الشاب ذو أخلاق رفيعة وظروفه المادية ميسورة ولدى والده شركة خاصة، أي أن هذه فرصة ثمينة للارتباط بشخص مناسب بغض النظر عن زواج أختها الكبرى من عدمه، لكن الأم تمسكت برأيها وهددتها بتصعيد الأمر لوالدها الذي قد يحرمها من الذهاب إلى الجامعة مرة أخرى ومقابلة الشاب والتحدث معه.
لجأت مريم إلى شقيقتها الكبرى وروت لها الموقف وفوجئت بموافقتها على زواجها ولا يجب أن تتعطل زيجتها من شاب مناسب بسببها، لكن الأم لم تغير موقفها وقررت إبلاغ الأب الذي كان رأيه متناغما مع كلام زوجته، بأن تزويج الصغرى قبل الكبرى يرتقي إلى مرتبة الفضيحة، لأن الناس لن تنظر إلى فتاة فاتها قطار الزواج وتزوجت شقيقتها الصغرى قبلها.
ما يلفت الانتباه أن والدي مريم حاصلان على تعليم جامعي، أي أنهما يمتلكان من الوعي ما يكفي للتبرؤ من العادات الأسرية والاجتماعية البالية المرتبطة بالزواج، ويقرران حياة أولادهما بعيدا عن التقاليد والتدخلات الخارجية في حياة الأسرة، لكن يبدو أن الأمر أبعد ما يكون عن التعليم بقدر ما يرتبط بتقديس الأعراف ولو كانت مدخلا لتعاسة الأبناء.
ومازال رفض الكثير من الأسر في مصر تزويج الفتاة الصغرى قبل الكبرى ظاهرة مستمرة، وليست مجرد وقائع فردية يمكن علاجها، فهذه الشريحة من الأسر تخشى نظرة الناس في المحيط العائلي، وتحاول إبعاد التلميحات السلبية والمحبطة عن الأخت التي لم تتزوج قبل الصغرى دون اكتراث بتأثير ذلك على علاقة الفتيات ببعضهن.
وإذا كانت الشقيقة الكبرى تتعامل أحيانا مع زواج الصغرى بأريحية دون تذمر أو امتعاض، فإن وقوف الأسرة نفسها أمام سعادتها لمجرد أن الأكبر سنا منها لم تتزوج، يكون مدخلا لزراعة ضغائن بين الفتيات واتهام كل واحدة للأخرى بأنها السبب في تعاستها والوقوف في وجه زواجها من الشخص الذي تراه مناسبا لها.
ويترتب على ذلك بث أنواع مختلفة من الشقاق والصراع بين الأخوات داخل الأسرة الواحدة، وهذا يصعب مداواته خاصة لو كان التنافر سببه تعطيل إحداهن زواج الأخرى لأي سبب كان، والمعضلة أن أرباب العائلات لا يقدمون للفتاة الصغيرة مبررات مقنعة حول رفض تزويجها قبل أختها، وغالبا ما يتم اللجوء إلى حجة تلميحات الناس والأحكام التي تطال سمعة الفتاة الكبرى وتعتبرها تبدو مليئة بالعيوب.
ولا تدرك الكثير من الأسر في مصر أن رفضها تزويج الأخت الصغيرة قبل شقيقاتها الأكبر سنا لأسباب ترتبط بالعنوسة وتجنب كلام الناس قد يعرضهن لأذى معنوي ويفقدهن الثقة في أنفسهن، مهما حاولن إخفاء ذلك، حيث يشعرن بصعوبة زواجهن بسهولة أو لا يمتلكن ملامح إيجابية تجذب الشباب للارتباط بهن وأن تعطيل زواج الصغيرة هو المدخل لسعادتهن.
تقدم أحد الشباب لخطبة شقيقة الفتاة أمل عيسى التي تقيم بإحدى قرى محافظة البحيرة شمال القاهرة، لكن والدها صرخ في وجه أختها لمجرد أنها أبدت موافقة على الزواج منه، وكانت تريد تخطي ترتيب شقيقتها الكبرى، وحينها قال الأب “إما تتزوج الكبيرة أولا أو تواجها العنوسة معا”، وهي عبارة لم تنسها أمل بسهولة وشعرت بإهانة بالغة.
وتدرك الفتاة أن أختها أكثر منها جمالا وأناقة بحكم عملها معلمة بإحدى المدارس وتختلط بالناس، في حين هي لا تخرج من المنزل ولا تهتم بنفسها بالقدر المعقول لأنها حاصلة على شهادة تعليم متوسط، أي من الطبيعي أن يتقدم لخطبتها أكثر من شاب، لكن الأب رفض كل محاولات زواج الصغيرة لدرجة جعلت بعض الأقارب يلمحون إلى أنها (أي الصغيرة) بها أيضا عيوب.
وقالت أمل لـ”العرب” إن الفتاة الصغيرة عندما تكون جميلة ومقبولة عند الشباب كزوجة وتمر عليها سنوات دون زواج تطاردها عبارات سيئة واتهامات تطعن في سلوكها، دون اكتراث بأن الأسرة هي من ترفض زواجها قبل أختها الكبيرة، ولأن الناس لا ترحم خاصة في البيئات الريفية والشعبية، فإنهم يطلقون إشاعات وأحكاما تطال من سمعة الصغيرة والكبيرة.
ومشكلة الكثير من الأهالي أنها عندما تقرر أسر بعينها تزويج الفتاة الصغيرة قبل الكبيرة فإنهم يطلقون المقارنات بين الأخوات؛ هذه أكثر جمالا وخلقا والأخرى عانس بسبب عيوب كثيرة، وتتعدد مداخل الأزمة بين كلام الناس وبين توتر العلاقة بين الأخوات، وتتعمق المشاعر السلبية على غرار اللوم والغيرة وأحيانا الكراهية لإحساس إحداهن بأن الثانية تقف أمام سعادتها.
وقالت هالة منصور أستاذة علم الاجتماع والباحثة في الشؤون العائلية بالقاهرة، إنه مهما كانت دوافع الأسرة نبيلة عندما ترفض زواج الصغيرة قبل الكبيرة، فإنها لا تدرك مخاطر ذلك على العلاقة بين الأخوات مستقبلا، خاصة إذا تعطل زواج الأخت الأقل سنا هي الأخرى فتصبح هناك فجوة نفسية بين الشقيقات قد تستمر لفترة طويلة ويصعب على الأبوين علاجها.
وأضافت لـ”العرب” أن اهتمام الأسر بشكل مبالغ فيه بنظرة الناس إلى طقوس الزواج يتسبب في مشكلات عائلية كبيرة، فقد يكون الأب والأم غير مقتنعين بفكرة زواج الابنة الكبيرة أولا، لكنهما يسيران أمورهما الأسرية وفق عادات وتقاليد قديمة ليست من الشرع في شيء ولا يؤمنان بها، بل يحتكمان للعرف تحت دوافع غريبة مثل العنوسة، مع أن هذا المسمى لا يجب إطلاقه.
وأشارت إلى أن المشكلة الأكبر تكمن في إمكانية قبول الأخت الكبيرة لأي شخص يتقدم لخطبتها ولو لم تكن راضية على الزواج منه إرضاء لأسرتها وهربا من التلميحات القاسية، ما يعرض حياتها العائلية للخطر، لارتباطها بالشاب غير المناسب لها، وهذا يزيد الأمور تعقيدا، وربما تفشل العلاقة الزوجية سريعا، ويعيش الأب والأم في أزمة أكبر نتيجة الزواج بالترتيب.
وينصح الكثير من الخبراء المهتمين بشؤون الأسرة أن يتم ترك الحرية للأخوات أنفسهن لتقرير مصيرهن مع بعضهن دون تدخلات أسرية من الأب والأم، فإذا كان هناك توافق بين الصغيرة والكبيرة على الزواج بعيدا عن الأسبقية والترتيب، فلا يجب أن تكون هناك رؤى مناقضة من جانب الأبوين على ذلك طالما أن الأخوات اتفقن ولا يوجد ما يستدعي تعطيل زيجة أي منهن.
ويؤكد هؤلاء أن ترك الحرية للبنات داخل الأسرة الواحدة للتوافق حول نمط حياتهن الزوجية واحترام مشاعرهن من دون تدخلات من شأنه تجنيب الغيرة والحقد بينهن، أو نشوب الخلافات التي تصل حد القطيعة بشكل يؤثر على روابط الأخوة داخل الكيان العائلي لتستمر العلاقة قائمة على المحبة والرضا
والمصلحة المشتركة وليس حب الذات والأنانية.

*المصدر : العرب
1