أحدث الأخبار
الثلاثاء 07 كانون أول/ديسمبر 2021
شكراً لكلِّ من حضر وتجشَّم عناء السَّفر…!!
بقلم : سهيل كيوان ... 21.10.2021

لم أحضر تأبيناً لشخصية معتبرة، أو إحياءً لذكرى وطنية، إلا وكانت هذه الجملة سيِّدة الكلمات «يا جماعة الرجاء الاختصار، الجمهور تعبان».
تتصاعد وتيرة هذه الملاحظة، بعد أن يلقي عددٌ من المتحدثين كلماتهم، وينتبه العريف إلى أن جميعهم أو أكثرهم، لم يلتزموا في الوقت المحدَّد لكلِّ خطيب، وما زال أمام الجمهور عددٌ كبير من الخطباء الذين ينتظرون دورهم لإلقاء كلماتهم.
يبدأ احتفال التأبين في قاعة مكتظة بالمئات، وتُستقبل كلمة العريف بإصغاء واهتمام وخشوع، وهكذا الحال مع الخطيب الأول والثاني، ثم رويداً رويداً يتوالى الخطباء، وتتكرَّر العبارات والمواقف نفسها، المعروفة أصلا للجمهور، فيعاد ذكرها مرّاتٍ ومرّات، في صياغات مختلفة، مع تعديلات طفيفة، وتارة في العامية وأخرى في الفصحى، بل أن بعض الخطباء يُترجِم خطابه، يتحدَّث في العربية الفصحى، ثم يرفع رأسه عن الورقة ويُترجِم ما قاله إلى المحكية، كأنه يشكُّ في فهم الجمهور لفصاحته. البعض يفعل العكس، يقدِّم توطئة في العامية، ثم ينظر إلى الورقة، ويترجم المضمون نفسه إلى الفصحى.
« لا أريد الإطالة عليكم، وسوف أختصر بقدر الممكن»؟
هذا التَّنويه، هو إنذار خطيرٌ بأنه سيطيل، الأعجب أن بعض هؤلاء يشرح لماذا لا يريد الإطالة، وبعد أن يطيلَ الشَّرح كأنه يفسر «كهيعص»، يسحب أوراقه من جيبه، ثم يبحث عن نظارته في عبِّه، ويبدأ في إلقاء كلمته على مهله، فيحيي الجمهور مرة أخرى، ولكن عن الورقة هذه المرَّة، ويبدأ من جديد بـ»السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيها الجمهور الكريم، أيها الأخوة والأخوات، أيها الضيوف الكرام الذين توافدوا من كل قرية ومدينة من كل أرجاء الوطن، مع حفظ الأسماء والألقاب».
ثم يرفع رأسه عن الورقة ويخاطب الجمهور: كي لا أنسى أحداً لا سمح الله، لا أريد أن أذكر أسماء البلدان التي جاءت الوفود منها، خشية أن أنسى بلداً وأتورّط، فجميعكم غالٍ وعزيز.
بعد ساعة من بدء الاحتفال تبدأ بوادر تذمُّر مهذّبة، من خلال النظر إلى السَّاعات، أو إلى شاشات الهواتف، والالتفات يُمنة ويُسرة والتساؤل: قديش صارت الساعة؟ كم عدد المتحدِّثين؟ من سيتحدث بعد؟ وهذا التساؤل فيه إيحاء واضح بأن الملل بدأ يلتمس طريقه إلى المستمعين.
يقترب عريفُ الاحتفال من المتقدمين إلى المنصة ليهمس لهم «الرَّجاء الاختصار قدر الممكن، والالتزام في الوقت»!
يرد الخطيب ويقول «بدكم تسمحوا لي بدقيقتين زيادة»، وتتحوَّل الدقيقتان إلى خمس وست وهكذا.
في إحدى مناسبات التأبين التي حضرتها أوصل العريف للمتحدث ورقة «الرجاء الإنهاء، انتهى وقتك».
اكفهر وجه الخطيب وقال بغاية التهذيب: اسمح لي، لا، لن ألتزم في الوقت، ولا أريد الاختصار، من يحبُّ أن يسمعني فأهلاً وسهلاً به، ومن لا يحبُّ فلا أحد يلزمه في البقاء هنا، غيري لم يختصر وأنا لن أختصر، لا يعقل أنَّ من يتحدثون في البداية يحظون بوقت وفير على حساب المتحدثين المتأخرين، هل هذا جزاء من يقبل أن يكون مـتأخِّراً فتلزمونه بالاختصار! أنا لن أختصر» ثم استمر في كلمته.
عقَّبَ الحضورُ على ما قاله بين مؤيِّد مجامل، ورافض لهذا التوجُّه الذي يُهدِرُ الوقت ويهدرُ هيبة الخطيب والمناسبة.
يرتفع اللغط في القاعة، فيرفعُ المتحدِّثُ صوته أكثر، ليكون أقوى من أصوات المتذمِّرين، وفجأة يتوقَّفُ وينظر إلى الجمهور: يا جماعة عيب، والله عيب، بإمكانكم أن تستفيدوا من كلمتي، ليس غروراً ولكن بكل تواضع، أرجو منكم شويِّة احترام ليس لي، ولكن لهذه الذكرى العزيزة على قلوبنا جميعاً.
يسود صمت بالفعل، ولكن هذه المرَّة مع ابتسامات لا تخفى.
كثيرون يضيفون بعد إنهاء كلماتهم «إلى هنا يكفي، ولا أريد التّحدُّثَ أكثر، مع أن في جعبتي الكثير من الذكريات والمواقف عن الراحل الكبير، وجميعكم يعرف مدى عمق علاقتي به، وممكن أن أكتبَ مجلّداً عنه، وعن إبداعه في السِّياسة والأدب ولكن الأهم، عن حياته اليومية».
يبدأ عددٌ لا بأس به من الجمهور في الخروج لقضاء حاجة جسدية مُلِحّة، ثم الفرار من المدخل الخلفي.
البعض يقفون خارج الصالة لتدخين السجائر وتبادل أطراف الحديث، وتُسمع ضحكاتهم إلى داخل القاعة، فيصلهم مبعوث من القاعة لتنبيههم «يا جماعة إما أن تدخلوا أو أن تسكتوا، هذا تصرف غير لائق»، يدخل بعض المهذّبين منهم حياءً، وبعضهم يجدها فرصة للمغادرة «احتجاجاً على الأسلوب»، والبعض يبقى خارج القاعة.
تزداد أعداد الكراسي الفارغة التي كانت ممتلئة قبل قليل، وتبدأ تساؤلات من نوع…أين أبو علي؟ أين الأخ سامي؟ أين ميرفت وبهيج؟ أين الجمهور؟ لماذا يخرجون؟ ولا يعودون؟
بعد أن كنتَ تحاذرُ في حركة ساقيك بسبب احتشاد الصَّف الذي تجلس فيه، أصبح بين كل مقعدين مشغولين ستة أو سبعة مقاعد شاغرة، ولم يبق في الصف الذي أمامك سوى أربعة أو خمسة مشغولة من أصل خمسة وعشرين أو ثلاثين.
تمر ثلاث ساعات بدلاً من ساعتين كانت تكفي وتزيد.
أخيراً يظهر النور في آخر النفق، يقتربُ التأبينُ من نهايته، ولم يبق سوى ثلاثة خطباء، يتجهم العريف ويحاول إقناع شاعر ظهرت موهبته بعد الستين بالتنازل عن إلقاء قصيدته، ولكن هذا يرفض بحزم.
«انظر القاعة باتت فارغة»!
فيرُدُّ الشاعر في تواضع: حتى ولو بقي واحد في القاعة، سوف أحترمه وأسمعه قصيدتي.
أتخيَّل الراحل الكبير الذي كان كبيراً بالفعل في حياته، متذمِّراً من كثرة الخطباء، ومن عدم التزام أكثرهم في الوقت المحدَّد، فكثيراً ما انتقدَ هذه الظاهرة، وها هو يتعرَّض لهذا الأذى في ذكرى تأبينه، أذكره أكثر من مرَّة وقد تنازل عن كلمته في مناسبة وطنية بسبب كثرة المتحدثين والإطالة على الحضور، أتخيّله مبتسماً وينظر إلى الخطباء ويقول بصوته الرقيق، لا حياة لمن تنادي.
يأتي دور مسك الختام، فيلقي قصيدته على من بقوا، وهم ذوو الراحل والعريف وآخر النُّبلاء، مرهقون مستنزفون لا يتوقون لسماع شيء سوى «شكراً لكل من حضر وتجشَّم عناء السّفر لمشاركتنا هذه الذكرى الغالية، والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

1