أحدث الأخبار
الخميس 08 كانون أول/ديسمبر 2022
مساجد في الصومال... احتيال على المتبرعين وتشييد في مناطق غير مأهولة!!
بقلم : أحمد محمود جيسود ... 26.09.2022

يكشف تحقيق "العربي الجديد" الاستقصائي عن احتيال على متبرعين يرغبون في بناء مساجد بالصومال، بعضها تم في مناطق غير مأهولة وأخرى لم يكتمل تشييدها ويتم تصويره من الخارج لخداع واهب المال، في ظل فوضى تمنع مواجهة الظاهرة.
- يرصد موسى أحمد عيسى، نائب المحامي العام للدولة في الصومال، تزايد عمليات الاحتيال عبر ادعاء جمع تبرعات لبناء مساجد، إذ تم تسجيل 440 قضية من هذا النوع و802 تتعلق باحتيال تحت غطاء جمع تبرعات أو ادعاء عمل خيري، من بين 1029 قضية نصب واحتيال منظورة أمام محاكم البلاد، خلال الفترة من يناير/كانون الثاني وحتى يونيو/حزيران الماضي، كما يقول لـ"العربي الجديد"، مضيفا أن :"وسائل التواصل الاجتماعي وإذاعات صومالية، سهلت الوصول إلى متبرعين في الداخل والخارج، وللأسف يستخدم البعض غطاء بناء مساجد، أو تقديم مساعدات للفقراء والمحتاجين لينهب التبرعات".
ويستغل مشهورون على وسائل التواصل قدرتهم في الوصول والتأثير لجمع التبرعات، وبينما قد يكون البعض جادا لكن آخرين يحتالون على المتابعين، وهو ما فعله عثمان طاهر صلاد الملقب بـ"اتوره بد"، وزميله آدم شعبان الملقب بـ"لف ليفو" بعدما جمعا 60 ألف دولار أميركي، لكن نزاعا على المبلغ أسفر عن مقتل الأول على يد الثاني في نهاية أبريل/نيسان 2022 في مديرية هدن وسط مقديشو، حسب تأكيد الناطق باسم قوات الشرطة، العقيد عبد الفتاح آدم حسن لـ"العربي الجديد"، مشيرا إلى أن المذكورين كانا ينتميان إلى الشرطة، واشتركا في تمثيل أفلام كوميدية قصيرة وبثها عبر صفحة على "الفيسبوك" يتابعها 265 ألف شخص، ما أكسبهما شهرة واسعة وسط المجتمع الصومالي ليتمكنا من القيام بحملات تبرعات لأعمال خيرية.
مساجد في مناطق غير مأهولة
تم بناء 896 مسجدا في مناطق غير مأهولة بالسكان، نفذتها جمعيات خيرية وشخصيات تحصل على تبرعات مالية من خارج البلاد، بينها 380 مسجدا لم يكتمل بناؤها، حسبما يقول أبشر محمود عبدي، رئيس قسم المساجد بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية في حكومة ولاية بونت لاند شمال البلاد، مضيفا لـ"العربي الجديد" أن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بحكومة الولاية توصلت إلى هذا الرقم من خلال إجراء تقييم حول بناء المساجد في محافظتي بري شمال شرقي الصومال، وسناج شمالا خلال الفترة من 2015 وحتى 2020.
بناء 896 مسجدا في مناطق غير مأهولة بالسكان
ويتم تصوير المساجد من الخارج على أنها مكتملة، وارسال الصور إلى المتبرعين، كما حدث في حالة مسجد في شمال غربي مدينة هدافتمو في محافظة سناغ شمال الصومال نهاية عام 2016 والذي لم يكتمل بناؤه من قبل علي أحمد عول، المكلف من مدير جمعية دار البر في الصومال، خالد أحمد سعيد المقيم في الإمارات، بالإشراف على المشروع، وفق تأكيد إبراهيم أحمد صالح الذي تبرع والده بالأرض من أجل بناء المسجد، مشيرا إلى أنه تم التقاط صور ومقاطع فيديو للهيكل الخارجي للمسجد، وإرسالها للمتبرع للتأكيد أن البناء صار مكتملا، وتظهر في فيديو صوره معد التحقيق، لافتة مكتوب عليها اسم المشروع (مسجد كنيز إسماعيل يرحمها الله، بإشراف جمعية دار البر الخيرية) مع شعار الجمعية وعلم دولة الإمارات. لكن حتى الهيكل الخارجي لم يكن حقيقيا إذ طار غطاء المسجد المسقوف بفعل الرياح، كما يقول صالح لـ"العربي الجديد".
ويرد المهندس عبدالرحمن عيسى دنكال، مُنفذ مشروع المسجد لـ"العربي الجديد" بأن بناء المسجد تم حسب الشروط والمواصفات المتفق عليها مع علي أحمد عول، مشيرا إلى أن اتفاقية بناء المسجد الذي كلف 9789 دولارا أميركيا، لم تتضمن تسوية الأرضية بالخرسانة وتلبيس الجدران الداخلية وبناء دورات مياه.
ويتكرر الأمر في حالات عدة، إذ يتم بناء الهيكل الخارجي وإرسال الصور للمتبرع، لكن دون أن يكون المسجد مكتملا من الداخل، حسب ما يقول محمد عبدي محمد، عمدة مدينة هدافتمو بمحافظة سناج، مضيفا لـ"العربي الجديد": "كان الأجدر أن تبني جمعية دار البر الخيرية مسجدا واحدا بدلا من ترك مساجد كثيرة غير مكتملة". وبنت جمعية دار البر الخيرية 240 مسجدا في مناطق غير مأهولة بمحافظة سناج خلال الفترة من 2016 حتى 2018، حسب محمد، مشيرا إلى أن 90% من تلك المساجد بنيت دون الأخذ بعين الاعتبار احتياج سكان المدينة للمسجد من عدمه.
ويقر خالد أحمد سعيد، مدير جمعية دار البر، بوقوع أخطاء في عمليات بناء المساجد، مبررا أن هذه المشاريع قديمة وتم توقيف بنائها قبل سنوات، بسبب الظروف المالية واكتفاء البلاد من هذا النوع من المشاريع، حسب قوله لـ"العربي الجديد"، مضيفا: "وضعنا خطة صيانة كاملة للمشاريع القديمة، وقمنا بعرضها على الشركاء ولكن الظروف الاقتصادية مع جائحة كورونا وقبلها الوضع الاقتصادي جمدت ذلك".
وحول عدم تنفيذ مشاريع تعليمية بدلا من المساجد، يقول: "نواجه صعوبة في تنفيذ مشاريع تعليمية وحرفية بدلا عن المساجد من حيث التكلفة تحديدا والتي ستكون مرتفعة مقارنة بالمساجد وكذلك من حيث مدى قبول المتبرع بذلك".
"المؤسف أن بعض المساجد غير المكتمل بناؤها تحولت إلى حظائر للمواشي في مدينة لاسقري بمحافظة سناج" كما يقول سعيد عبدالله آدم، منسق وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمحافظة سناج، مضيفا لـ"العربي الجديد" أن من أهم المعايير والشروط المطلوبة عند بناء المساجد، التنسيق مع وزارة الأوقاف والبلديات، للحصول على تراخيص البناء والتأكد من جدية المشروع لكن في ظل الفوضى لا يتم الأمر بهذا الشكل.
ما هي وسائل جمع التبرعات؟
سهلت إذاعات صومالية موجهة إلى الداخل ولديها صفحات على مواقع التواصل وتستخدم خدمة البث المباشر على "فيسبوك"، عمل المحتالين في الوصول إلى متبرعين تحت غطاء بناء مساجد، وفق ما وثقه معد التحقيق عبر إفادة 3 من مقدمي برامج في إذاعات محلية، لفتوا إلى وجود 15 إذاعة تبث برامج لجمع التبرعات بهدف بناء مساجد أو مدارس لتحفيظ القرآن الكريم، ومن بين هؤلاء المصادر، إسماعيل عبدالرحمن عيسى، وهو مُقدم سابق لبرنامج عن جمع التبرعات في إذاعة "ستار إف إم"، وعمل معها لمدة عامين، ويوضح في إفادته لـ"العربي الجديد" أن بث برامج جمع التبرعات لبناء مساجد في الإذاعات المحلية تزايد في عام 2019، لأنها مدرّة للدخل، إذ قد تربح الإذاعة ما بين 200 إلى 400 دولار في البث الواحد خلال ساعتين، ويؤكد أن بعض هذه التبرعات تذهب لتسديد النفقات ورواتب الموظفين.
440 قضية احتيال عبر ادعاء جمع تبرعات لبناء المساجد
ويقر مدير إذاعة "ستار إف إم"، حسن عبدالله صالح، ببث برامج جمع التبرعات لبناء المساجد، لكنه ينفي استغلال التبرعات، قائلا: "ما نقوم به تشجيع المحسنين على المساهمة والدعم المستمر لبناء المساجد وإعمارها مبادرة خيرية تم إطلاقها قبل ثلاث سنوات واستطعنا من خلالها بناء مساجد في بعض مديريات العاصمة مقديشو".
وتخالف هذه الطرق في جمع التبرعات القانون والأنظمة الصادرة من وزارة الداخلية والتي تمنع جمع التبرعات لأي جهة أو مشروع إلا من خلال الجمعيات الخيرية المعتمدة لتجنب العمليات الاحتيالية بمختلف صنوفها، كما يقول رئيس قسم المساجد في حكومة ولاية بونت لاند.
ويؤكد عبدالقادر محمد عدي، مدير قسم الإعلام الخاص بوزارة الإعلام والثقافة والسياحة في الحكومة الفيدرالية: "سحب ترخيص أي إذاعات متورطة في عمليات احتيال"، مضيفا لـ"العربي الجديد": "الأجهزة الأمنية هي المسؤولة عن كشف المحتالين ومن ثم يتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم وبعدها يأتي دورنا".
وتندرج جرائم الاحتيال تحت طائلة قانون العقوبات الصومالي الصادر عام 1962، إذ تنص المادة 496 منه على أن "يعاقب من يثبت تورطه في جريمة احتيال بالسجن لمدة تتراوح بين ستة أشهر وثلاثة أعوام، وبغرامة مالية تتراوح بين 500 إلى 10 آلاف شلن صومالي"، حسب عيسى، مؤكدا أن قضايا الاحتيال تلك ما تزال قيد التحقيقات.
تنشط جمعيات خيرية في المواسم الدينية من أجل جمع التبرعات، بحسب إفادة حنفي عبدي علي، مدير قسم تسجيل المنظمات غير الحكومية في وزارة الداخلية والمصالحة الوطنية في الحكومة الفيدرالية الصومالية، والذي يقدر عدد الجمعيات الخيرية غير المرخصة المتورطة في جمع تبرعات تحت غطاء بناء المساجد للقيام بعمليات "النصب والاحتيال" على المتبرعين بـ 45 جمعية، وتابع لـ"العربي الجديد"، :"حتى نهاية العام الماضي، عدد الجمعيات الخيرية الحاصلة على تراخيص من الوزارة 187 جمعية".
ويعود سبب تفشي ظاهرة الاحتيال عبر ادعاء جمع التبرعات لبناء المساجد إلى عدة عوامل، منها عدم وجود قانون ينظم جمع التبرعات الخيرية وغياب الرقابة من الجهات المختصَّة وضعف عقوبة النصب والاحتيال، وفق ما يراه الدكتور أحمد شريف موسى، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الصومال العالمية الخاصة، قائلا لـ"العربي الجديد": "الظاهرة تفاقمت بشكل كبير في السنوات الثلاث الأخيرة".
ويقر نائب المحامي العام للدولة، بأن غياب قانون تنظيم الأعمال الخيرية، وضعف التعاون والتنسيق بين المؤسسات المعنية بمكافحة سوء استغلال أموال التبرعات الخيرية ساهما في انتشار الظاهرة، مؤكدا على ضرورة التنسيق بين المؤسسات الحكومية المختلفة والتي لا تزال في طور التطور المستمر، ولفت إلى أن الجمعيات التي تتم إدانتها من قبل الهيئات القضائية المتخصصة، تسحب رخصة العمل منها، أما الجمعيات غير المرخصة، فيصعب التحقق من عملها وأهدافها ومصادر تمويلها ومن يديرها ويشرف عليها.
*المصدر : العربي الجديد

1