أحدث الأخبار
الثلاثاء 13 كانون ثاني/يناير 2026
الحرب على أوكرانيا تجاوزت مدتها الحرب الوطنية العظمى!!
بقلم :  سامر إلياس ... 13.01.2026

وسط مؤشرات على عدم وجود إمكانية لتوقف الحرب على أوكرانيا في وقت قريب، إذ تجاوزت مدة "العملية العسكرية الخاصة" التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فجر 24 فبراير/ شباط 2022، مدة انخراط روسيا في الحرب العالمية الثانية، أو ما يطلق عليه الحرب الوطنية العظمى، والتي بدأت في 22 يونيو/ حزيران 1941 بهجوم ألمانيا على بريست غربي بيلاروسيا، وانتهت بهزيمة ألمانيا النازية ودخول القوات السوفييتية برلين في 8 مايو/أيار 1945. وتشير الوثائق الرسمية السوفييتية إلى أن الحرب ضد ألمانيا استمرت 1418 يوماً، وهي ذات المدة التي قضتها القوات الروسية في حربها على أوكرانيا يوم الأحد الماضي.واللافت أن الإعلام الرسمي الروسي تجاهل الحدث، رغم أن الخطابات الرسمية تربط الحرب على أوكرانيا بمواصلة الحرب على "النازية الجديدة" في كييف. وذكر بوتين، أكثر من مرة، أن "العملية العسكرية الخاصة" التي تخوضها روسيا تشبه ما خاضته سابقاً في الحرب العالمية الثانية، مشدداً على أنه "كما انتصر الآباء والأجداد، فإن الروس سينتصرون في هذه الحرب".وانقسم المدونون العسكريون الروس الداعمون للحرب على منصة تليغرام إلى معسكرين. وعبر قسم منهم، الأحد الماضي، عن عدم رضاه على نتائج الحرب على أوكرانيا فيما استهجن آخرون عقد مقارنات وإثارة ضجة حول المدة الزمنية للحربين.ووصف المدون العسكري الداعم للحرب رومان أليخين، أول من أمس، مقارنة "العملية العسكرية الخاصة" بالحرب الوطنية العظمى بأنها "ديماغوجية سياسية محضة" و"استبدال للاستراتيجية بالعاطفة"، والمقارنة نفسها "تضرب كلاً من الحرب الوطنية العظمى، جاعلة منها مجرد رقم دون سياق ومقزِمة إياها، كما تشوه تصور العملية العسكرية الخاصة، باستخدام معايير غريبة". من جهته، كتب المدون بوريس روزين، على "تليغرام"، أن "الضجة حول تاريخ 1418 يوماً" ليست مفهومة تماماً بالنسبة له، وأن الحرب مع أوكرانيا محدودة، "حيث يستمر جزء من المجتمع والدولة في العيش بشكل أساسي في ظل ظروف زمن السلم"، في حين أن الحرب الوطنية العظمى كانت شاملة. وأشار إلى أن روسيا خاضت حروباً أطول، بما في ذلك الحرب الأفغانية التي استمرت 10 سنوات (1979-1989). أما نائب رئيس الإدارة السياسية العسكرية الرئيسية للقوات المسلحة الروسية، أبتي ألدينوف، فقد كتب "رسالة إلى الجد" الأحد الماضي: "في اليوم 1418 من العملية العسكرية الخاصة، نحن نقاتل من أجل الحق في الحياة. نحن نقاتل من أجل ذكراك وتاريخنا. نحن نقاتل من أجل عائلاتنا ومستقبل أطفالنا وأحفادنا. نقف جنباً إلى جنب من أجل الوطن. سنصمد، كما صمدتم في 1945".
واستحضر بعض المدونين الذكرى بحياد، فيما وجه آخرون انتقادات حذرة. وقالت قناة "المخبِر العسكري" على "تليغرام" إن "رسم أوجه تشابه بين الأمرين تصرف غير حكيم، لكن هذا اليوم يجبرنا على التأمل في النتائج". أما قناة "د.ش.ر.ج. روسيتش" على "تليغرام" فقد اكتفت بالإشارة إلى أنه "في 8 مايو (1945)، استولت قواتنا على برلين، وتم توقيع استسلام ألمانيا النازية. بعد مرور 1418 يوماً على بدء العملية العسكرية الخاصة، نحن... وهنا كل شيء واضح، لا حاجة حتى للتعليق".وقبل الخوض في المقارنات لا بد من الإشارة إلى أن روسيا وأوكرانيا كانتا في حلف واحد ضمن الاتحاد السوفييتي الذي خاض بدوره الحرب مع حلفاء آخرين لمواجهة ألمانيا بقيادة أدولف هتلر. وفيما خاض السوفييت وحلفاؤهم الحرب بأقصى ما لديهم من قوة نظراً للخطر الوجودي الذي مثلته ألمانيا النازية حينها، فإن الخطر الوجودي في الحرب الحالية يهدد كييف وحدها، وروسيا لم تعلن حالة الحرب على أوكرانيا حتى الآن.ورغم حديثها عن خوض حرب ضد " الغرب الجماعي"، فإنه من الواضح أن الغرب الداعم أوكرانيا لم يقدم كل ما لديه، وتجنب الدخول في حرب مباشرة مع روسيا على عكس ما جرى في الحرب العالمية الثانية. ومن القضايا الواجب الإشارة إليها أن الجيش السوفييتي اضطر إلى الانسحاب إلى أبواب موسكو، وفقد السيطرة على أماكن واسعة، من ضمنها جمهوريتا بيلاروسيا وأوكرانيا السوفييتيتان وقتها وأجزاء واسعة من روسيا، قبل أن يعيد ترتيب صفوفه وشن هجوم مضاد حرر به أراضي الاتحاد السوفييتي ومناطق واسعة من شرق أوروبا ووسطها وصولاً إلى برلين. في المقابل، فإن الحرب الحالية تدور على رقعة محددة في جنوب أوكرانيا وشرقها، حيث احتلت روسيا نحو 70 ألف كيلومتر مربع. وأخيراً، يجب الإشارة إلى أن النطاق الجغرافي للحرب الحالية كان مسرحاً لأعنف المعارك مع القوات النازية الألمانية.يتكتم الجانبان الروسي والأوكراني على حجم عدد الجنود القتلى. وعلى عكس الحرب العالمية الثانية، فإن الحرب الحالية لم تحصد حياة أعداد كبيرة من المدنيين، من الطرفين. ولم تنشر وزارة الدفاع الروسية سوى عدد القتلى العسكريين في العام 2022، وحتى ذلك العدد كان أقل بكثير من الواقع. وفي آخر إحصائية صدرت في 21 سبتمبر/أيلول 2022، أعلن وزير الدفاع الأسبق سيرغي شويغو مقتل 5937 جندياً دون تحديد عدد الجرحى. أما الأرقام الرسمية الأوكرانية للخسائر فتقتصر على تصريح أدلى به الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في مؤتمر صحافي بكييف في 25 فبراير 2024. وقال وقتها: "لقي 31 ألف جندي أوكراني حتفهم في هذه الحرب". ولم تقدم هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية ولا أي جهات أوكرانية رسمية أخرى أي تقديرات أخرى، كما امتنعت عن التعليق على تفاصيل الخسائر أو منهجية حساب الإحصائيات التي أعلنها زيلينسكي.وفي 5 مارس/آذار 2025، ذكر فاليري زالوجني، السفير الأوكراني لدى بريطانيا، والذي أُقيل من منصبه قائداً عاماً للقوات المسلحة الأوكرانية في 8 فبراير 2024، أن "50 ألف قتيل و300 ألف جريح" سقطوا في الحرب على أوكرانيا، ولكن موقع "خسائر أوكرانيا" الاستقصائي أشار حينها إلى أن عدد القتلى وصل إلى 68 ألف جندي.
ولم تنشر أوكرانيا احصاءات ديمغرافية مفصلة منذ فبراير 2022. وتوقفت روسيا أيضاً عن نشر بيانات الوفيات الإجمالية، ولكن ذلك حدث لاحقاً. ورفضت هيئة الإحصاء الروسية (روسستات) تقديم الإحصاءات الديمغرافية النهائية لعام 2024، والتي كان من المقرر نشرها في يونيو 2025. ونظراً لتكتم الجانبين على الخسائر العسكرية في الحرب على أوكرانيا تقتصر المصادر المتبقية لتقييم الخسائر على قوائم أسماء القتلى، المُجمّعة من النعوات المنشورة، وصور المقابر، ومصادر أخرى تُقدّم أدلة موثقة على وفاة شخص مُحدد.
وحسب تقديرات موقع "ميدوزا زونا" الروسي المستقل وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) الموثقة بالأسماء، والتي نشرت في 27 ديسمبر/كانون الأول الماضي، فإن روسيا خسرت 220 ألف عسكري حتى نهاية أغسطس/آب الماضي. وفي تقرير نشر الأحد الماضي، ذكر "ميدوزا" أن عدد القتلى العسكريين الروس قد يصل إلى 280 ألفاً في بداية العام الحالي، في حال إضافة قتلى ما زالوا مدرجين ضمن عداد المفقودين. وقدر "ميدوزا"، في تقرير، الخسائر العسكرية الأوكرانية، بناء على المصادر المفتوحة وبيانات مختلفة، بنحو 172 ألف قتيل، حداً أدنى. وحسب بيانات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، نشرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بلغ إجمالي عدد القتلى المدنيين في أوكرانيا 14796 شخصاً، وعدد الجرحى 39543، حتى نوفمبر الماضي. في المقابل، بلغ إجمالي قتلى الاتحاد السوفييتي في الحرب الوطنية العظمى 26.6 مليون نسمة، منهم 8.7 ملايين عسكري. أما إجمالي عدد قتلى جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفييتية، بالإضافة إلى الأراضي التي أصبحت جزءاً من أوكرانيا المستقلة، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، فقد تراوحت بين 6.7 و7.4 ملايين نسمة، ضمنهم 1.38 مليون عسكري أوكراني ممن قاتلوا في الجيش الأحمر.
موجة نزوح كبيرة
ورغم الفارق الهائل في الخسائر البشرية بين الحربين لصالح الحرب العالمية الثانية، فإن الحرب على أوكرانيا تسببت في موجات نزوح هائلة. فبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أُجبر ما لا يقل عن 7897000 شخص على الفرار من ديارهم خارج أوكرانيا حتى نهاية العام 2022. وفي العام الأول من الحرب الوطنية العظمى، كان الرقم نفسه (مجموع الهجرة والنزوح) أقل بنحو النصف، أي 3777000 شخص. وألحقت الحرب الحالية دماراً هائلاً في أوكرانيا، في تكرار لما حصل في الحرب الوطنية العظمى، حيث خاض الجيش الأحمر في مناطق الصراع الحالي معارك مفصلية في خاركيف وزابوريجيا وسومي ودونيتسك وخيرسون وأوديسا وكييف. وفي الحرب العالمية الثانية، خصص الاتحاد السوفييتي أكثر من نصف حجم الاقتصاد لإنتاج الأسلحة والذخائر ودعم عمليات الجيش الأحمر. وفي 2024، أنفقت أوكرانيا أكثر من نصف ناتجها المحلي الإجمالي على الحرب، وشكلت المساعدات العسكرية المباشرة من الحلفاء 22% من الناتج المحلي الإجمالي (42 مليار دولار). لكن في الواقع، كان الاعتماد على المساعدات أكبر من ذلك، إذ بلغت المساعدات الغربية للميزانية الأوكرانية 27% إضافية من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي عام 2024، أنفقت روسيا 7.1% فقط من ناتجها المحلي الإجمالي على النفقات العسكرية. وهذا، بطبيعة الحال، ضعف ما أنفقته في العام 2021، أي قبل الحرب على أوكرانيا لكنه لا يزال بعيداً عن المستويات التي كانت سائدة أثناء الحرب العالمية الثانية. وفي حين انتهت الحرب الوطنية الكبرى بانتصار كبير للاتحاد السوفييتي، وتوقيع اتفاقات لتوزيع مناطق النفوذ في العالم، ولاحقاً اختلاف حلفاء الأمس، ما تسبب في الحرب الباردة، فإن الرهانات الروسية على أن الانتصار في الحرب على أوكرانيا سيعيد الاعتبار لروسيا قوةً عظمى، ويفتح على مراجعة السياسات الغربية في حقبة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، وبروز نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب تلعب فيه روسيا دوراً مهماً إلى جوار الولايات المتحدة والصين بالدرجة الأولى.
*العربي الجديد

1