أحدث الأخبار
السبت 13 آب/أغسطس 2022
إيمان ونيرة وكبرياء الذكورة المشوّه!!
بقلم : لميس أندوني ... 26.06.2022

شابٌّ يذبح زميلته نحرا أمام المارّة في مصر، وآخر يقتل طالبةً بست رصاصات. نعرف أسباب الجريمة الأولى، وقد لا نعرف كل دوافع الثانية، لكن الاثنتين تندرجان ضمن استسهال قتل المرأة عندما ترفض الرضوخ لأوامر الرجل أو طلباته، أو لأن زوجها شعر بالملل منها ومن الزواج ومن المسؤولية.
نعم، هناك استسهال يبدأ بتربية الذكر في البيت والمجتمع، إلى المفاهيم السائدة عما يمثل المفاهيم الأخلاقية لسلوك المرأة والتمسّك "بشرفٍ زائف"، إلى قوانين تحمي القاتل، إلى الإدانة المجتمعية للمرأة، ففي كل مرّة هناك لغط بشأن لباس المرأة ولوم للضحية، لأن المرأة، حتى الطفلة، في رأي كثيرين، بما ذلك النساء، هي مصدر إغواء للرجل، فالرجل كائنٌ ضعيفٌ أمام إغواء الأنثى، من منظور يجعل من الفتاة المُغَتصَبة "ساقطة" تستحقّ ما حصل لها. وهذه النقطة لا تنطبق، بشكل مباشر، على أي من جريمتي قتل الطالبتين، المصرية نيرة أشرف والأردنية إيمان ارشيد، لكنها منظور أسّس لمفاهيم مجتمعية مشوهة تبحث عن ذنب الفتاة أو المرأة في أي جريمةٍ يرتبكها رجل ضدّها. برزت أصواتٌ تلوم الضحية نيرة على "عدم احتشام ملابسها" و"اختلاطها بالشباب"، كونها طالبة جامعية وغير محجّبة، وهي أصواتٌ قد تقدّم أعذارا لمرتكب جريمة قتل إيمان، بالرغم من أنها محجّبة، لكن قد يكون لمجرّد دراستها الجامعية وحتمية اختلاطها بالطلاب، فكل التبريرات جائزة لمن ينصّب نفسه حاميا للأخلاق والشريعة على الأرض.
الحديث عن حقوق المرأة يرافقه عادة اعتراض بأنها ليست وطنية في ضوء التهديدات الاستراتيجية الذي يواجهها الوطن
هناك دائما لومٌ واقعٌ على المرأة وتوظيف النص الديني، أو العادات الاجتماعية، وتحميل الوزر للمرأة، أو الفتاة، وبالتالي؛ استهسال جرائم قتل المرأة وجرائم الاغتصاب، فحتى في حالات جرائم السفاح، كثيرا ما يلوم الأب أو الأخ ابنته أو أخته على إغرائها له، حتى لو كانت طفلةً في الخامسة من عمرها، وتسكت الأمهات في أكثر الأحيان خوفا، وأحيانا لأن المجتمع حولها زرع فيها منذ الطفولة أن الزوج دائما على حقّ، وقد كشفت تحقيقات عدة أن الأم، أحياناً، تساعد في تنفيذ جريمة الاغتصاب.
تؤثّر هذه القيم المشوّهة على إنشاء أجيال من الأبناء يرون المرأة ليست تابعةً فقط، بل ملكية لهم، أكانت قصة عشق أو كراهية، ونرى شبابا، بل مراهقين، يؤمنون بأن الأخت أو الأم إن تصرفت إخلالا بكبريائهم وشرفهم تستحق القتل على شبهة سلوك "سائب"، لأن المجتمع حولهم يرى أن قيمة الشاب، الأخ، الإبن، والزوج، ورجولتهم، تصبحان ناقصتين، إذا لم يتحمّل مسؤولية عارٍ "لا بد من غسله بالدم"، تجعل منه أخا وأبا أو قريبا مجرما ومن المرأة جثّة هامدة ضحية تنشئة تدفع إلى فعل الإجرام باسم الفضيلة والشرف.
أوضح هنا أنني لا أرى التزامي بحقوق المرأة والنسوية جزءا من حربٍ على الرجل، ولا تبرئة لمرأة أو فتاة من كذب أو إساءة أو تنمّر أو ظلم ضد زوج أو أخ، فالمرأة ليست دائما على حق، والتقسيم الجندري الذي يجعل من الذكر والأنثى جيشيْن في حرب دائمة بين أعداء أزليين مضرّ بحقوق المرأة وبمفهومها الأعمق، فالأساس هو الالتزام بحقوق الإنسان، ومفاهيم العدالة والمساواة في القيم والقوانين، وفي منهاج التعليم، والمناهج التي تعي مفاهيم حقوق الإنسان والمساواة أو حتى ترفضها، وتقلل من قيمة المرأة وتعتبرها قيما دخيلة، وتحدّد لها سلوكياتها من منظور أبويّ وتمييز جنسوي، تنشئ أجيالا ليس لديها وضوح وفهم للحقوق والعلاقات، لدى الذكور والإناث على حد سواء.
عودة إلى الجريمتين، لنتذكّر أنهما ليستا ظاهرتين منفصلتين، لأننا نشهد جرائم ضد النساء في كل أنحاء العالم العربي، من فلسطين بكل مكوناتها والأردن ومصر والمغرب وسورية ولبنان، إلى دولٍ أخرى، وهذا مرعب، قد يتصدّر قائل هنا إن الجرائم منتشرة في الغرب، وهذا صحيح، لكننا معنيون بتجنّب جرائم تُرتكب ضد الفتيات والنساء نتيجة تشبّع مفاهيم خاطئة، يحرّض عليها ويحميها مجتمع "أبوي سلطوي"، وتشجّعها قوانين سيئة، لكن الحالات الأسوأ حين يكون المحقّق نفسه أو القاضي يؤمن بأن المرأة ملومةٌ على كل ما يحدُث له، فقد تجد قاضيا وقاضية أو محقّقا جنائيا يؤمن بأن المرأة مذنبة حتى في حالات الاغتصاب، من منطلق أنه لا بد أن تكون "المرأة راغبة"، وإلا لَما وقع الاغتصاب.
جزء من المشكلة هو فساد أخلاقي مزروع في اللاوعي، نتيجة تسويق مفاهيم خاطئة وبشعة على أنها "منظومة أخلاقية"، وفساد أخلاقي وظيفي يمارسه من ينتفع قصدا من نفاقٍ باسم عادات وتقاليد تحديد لصورة المرأة ودورها في المجتمع وفي البيت، ورؤيتها مصدرا للخطيئة، تبرّر خطايا يرتكبها رجال، كممارسة لسلطتهم على المرأة، إضافة إلى متعةٍ مرَضية، وأحيانا من النساء أنفسهن ضد أخرياتٍ في"استغلالٍ مرَضِي" لوضع المرأة في العائلة أو المجتمع، أي من خلال الابتزاز وادّعاءات كاذبة بخيانة إحداهن، فالعرف المجتمعي يقدّم أدوات انتقام وأذية، لسهولة اتهام المرأة بتشويه شرف عائلة أو زوج. .. ولكن الجوهر يكمن بطبيعة الدول السلطوية الأبوية التي تستفيد من إشاعة الممارسات السلطوية، وفي إعطائها فرصةً بل ومنبرا لأدعياء الدين، بالتحريض ضد المرأة والعبث بعقول الناس، هي منابر أتيحت لأن الدول والحكومات تنشد شرعية المؤسسات الدينية، التابعة لها، وحين تحاول الدولة تغيير القوانين، تواجِه حصاد سياستها، من تشويه مجتمعي، وظلم باسم الدين، يستفيد منه السلطان فترة، ثم يدفع الجميع الثمن، فمجموعة النظم القيمية السلطوية، واستخدام الدين، ومناهج ترسّخ مفهوم ممارسة السلطوية الذكورية على المرأة وقوانين تحمي المجرمين باسم "شرف" أصبح مرآةً لانعدام الشرف، إضافة إلى أمراض مجتمعية ونفسية لا يمكن إنكارها، تنتج شبابا يقتلون أخواتهم وأمهاتهم وزوجاتهم من دون تردّد، ومن دون ردع أو تردّد.
الحديث عن حقوق المرأة يرافقه عادة اعتراض بأنها ليست وطنية في ضوء التهديدات الاستراتيجية الذي يواجهها الوطن، أقول لهؤلاء: ماذا فعلتم لمواجهة التحدّيات المصيرية؟ وكيف يتناقض ذلك مع أهمية حماية المرأة والطفل من الجرائم؟ هذه ليست أجندةً غربية، بل يجب أن تكون ضمن الأجندة الوطنية في كل بلد، فكيف بمواجهة عدو خارجي أو داخلي إذا كنا نستهين بجرائم "محميّة" ضد المرأة؟ ومن يحقّق العدالة لنيرة وإيمان وأخواتهما من ضحايا الجهل والتعصّب وتقصير دولٍ مسترخيةٍ أمام الأعداء وتمارس الاستقواء على مواطناتها ومواطنيها.

1