**قراءة في ديوان “ساعي بريد اللهفة” للشاعر الفلسطيني نمر سعدي
هناك كتبٌ لا تأتيك ككتاب… بل تأتيك كرسالة.
وأحيانًا لا تشعر أنك تمسك ديوان شعر، بل تشعر أنك تمسك شيئًا أقرب إلى قلبٍ موضوع بين يديك: قلبٍ يفتح لك الباب دون مقدمات، ويجلسك في غرفته الداخلية، ويقول لك: “خذ وقتك… لا تستعجلني”.
هكذا جاءني ديوان “ساعي بريد اللهفة” لنمر سعدي.
لم يأتِ كعملٍ يريد أن يدهشني بالضجيج، أو يربكني بالغرابة المصنوعة، أو يدخل معي في مباراة ذكاء لغوي.
بل جاءني كأنه يريد أن يهمس، وأن يترك لهذا الهمس أن يعمل عمله ببطء… حتى يصل إلى مكانه الطبيعي: داخل الروح.
أعرف الشاعر نمر سعدي منذ سنة 2014، لا أعرفه من المقاهي ولا من الجلسات الطويلة، بل عرفته من الفيسبوك.
ومنذ ذلك الوقت استمرت علاقتنا طيبة، علاقة احترام ومحبة، وإعجاب ولو في مقاهينا الفيسبوكية.
نمر شاعر لطيف، لا يتعالى على أحد، لا يجرُّك إلى السياسة ولا يضعك في امتحان، لكنه يعرف كيف يضعك أمام الشعر نفسه:
إما أن تحبه، أو تعترف أنك لم تُخلق لهذا النوع من الحساسية.
ولأنني أكتب عادةً قراءة ذوقية، لا أحب أن أتعامل مع الشعر كأنه “تشريح”، ولا أحب أن أرتّب القصائد كأنني أقدّم محاضرة.
أنا أقرأ القصيدة كما يقرأها عاشقٌ أو صديقٌ أو شخصٌ يتذكَّر نفسه فجأة.
أدخل النص، وأدخل معه… ثم أخرج منه وأنا أحمل شيئًا مني، وشيئًا منه.
وهذا ما حدث معي تمامًا وأنا أقرأ هذا الديوان.
العنوان وحده كان كافيًا ليوقظ ابتسامةً في داخلي.
ساعي بريد… و اللهفة:
يا لهذا التركيب... كم هو بسيط، وكم هو نافذ
لأن “ساعي البريد” ليس شاعرًا في العادة، ولا خطيبًا ولا صاحب منصة، بل إنسان يمشي في الطرقات ليصل ما انقطع بين الناس
لكن نمر سعدي هنا لا يحمل رسائل ورق… بل يحمل رسائل قلب
يحمل “اللهفة” نفسها، كأنها ظرفٌ مختوم بالشوق، لا يفتحه إلا من يعرف معنى الانتظار.
ولأنني أحب العناوين التي لا تتذاكى، ولا تتصنع الغموض، شعرت أن هذا العنوان يضعني أمام مفتاح القراءة دون أن يشرح لي شيئًا:
المسافة موجودة.
والمنتظر موجود.
والرسالة موجودة.
وما بينهما… شاعر يمشي
“ساعي بريد” تعني أن الحب ليس لحظة واحدة
الحب يحدث بين لحظتين: لحظة الإرسال ولحظة الوصول
أما “اللهفة” فهي ذلك الاضطراب الجميل الذي لا يهدأ، القلق العاطفي الذي يجعل الإنسان يكتب لأنه لا يستطيع أن يسكت.
في هذا الديوان، لا يتعامل نمر سعدي مع الحب بوصفه “موضوعًا” بل بوصفه بيئة كاملة: هواء، مطر، شجر، نار، موسيقى، أساطير، وكتب، وأسماء شعراء… كأن الحب عنده ليس تجربةً عاطفية، بل كونٌ لغويٌّ متكامل.
وهذا بالضبط ما يجعل قراءة هذا الديوان ممتعة:
لأنك لا تقرأ قصائد منفصلة فقط، بل تقرأ “مناخًا” كاملًا.
تقرأ روحاً واحدة ممتدة
تقرأ نفسًا واحدًا طويلًا
وأنا – بطبيعتي كشاعر – لا أبحث كثيرًا عن “المعنى المباشر”
أنا أبحث عن ذلك الرجفان الخفيف الذي يحدث في القلب عندما تلمسه جملة
عن تلك الرعشة التي تقول لك: هنا شاعرٌ حقيقي، يكتب من مكانٍ صادق
في “ساعي بريد اللهفة” هناك شيء يشبه الوفاء للنبرة.
لا يوجد تقطيع عصبي، ولا قفزات صاخبة، ولا انقلابات حادة في الصوت.
قصيدة نمر سعدي تشبه موج البحر: ليست عصبية… لكنها مستمرة
كأنها نفس واحد طويل، أو شريط من الحنين لا ينقطع
(وهذا ما يلتقطه الشاعر والناقد التونسي منصف الوهايبي حين يلفت إلى “التماثل الصوتي” في لغة نمر سعدي، وكيف تتحول العلاقات بين الكلمات عنده من مجرد انتظام لغوي إلى طاقة تخييل وصناعة معنى، بما يجعل الموسيقى الداخلية جزءًا من بناء القصيدة لا زينتها.)
قد يظن بعضهم أن استمرار النبرة هو رتابة، لكنني أراه هنا إخلاصًا.
إخلاص للحب الصافي
إخلاص للجمال الذي لا ينكسر
إخلاص للحنين الذي لا يملُّ.
(ولقد توقَّف أكثر من قارئٍ وناقد عند هذه الخصوصية في تجربة نمر سعدي، ومنهم كذلك الشاعر اللبناني الراحل محمد علي شمس الدين الذي رأى أن شعر نمر سعدي قد يُقرأ على اسم الأنثى، لكنه في العمق مكتوب على اسم “المجاز الطائر")
وهذا توصيف دقيق جدًا، لأن نمر سعدي لا يكتب المرأة كجسدٍ مكتمل المعالم، بل يكتبها كحالة لغوية تتبدّل إلى ماء ونار وريح وموسيقى
المرأة هنا ليست “شخصًا” فقط… بل هي وطنٌ لغوي
بيتٌ داخلي
قصيدة
أحيانًا تشعر أن الشاعر لا يبحث عن امرأة بقدر ما يبحث عن “مكان” يسكنه داخل اللغة
ولهذا جاء هذا المقطع كأنه تعريف للحب عند نمر سعدي:
“وطناً من قصائدَ كوني لأكتبَ
كوني دثاري.. هوائي وناري
شتائي وصيفي.. خريفي وعشبَ النجومِ
صدى الريحِ في شجرِ الليلِ
والصوتَ في حجرِ النهرِ
كوني الكمنجةَ والأقحوانةَ
كوني النجومَ البعيدةَ
والأغنياتِ الشريدةَ…”
هنا لا يكتب الشاعر غزلًا عابرًا
هنا يكتب “وطنًا”
لكن وطنًا لا يُرفع على الجدران… بل يُكتب في القصيدة
وطنًا من زنابق وموسيقى ونجوم.
كأن الشاعر يقول: أنا لا أملك إلا هذا الجمال، فدعيني أسكنه.
وفي مكان آخر، ترى كيف تتحول الطبيعة عنده إلى كائنات تشارك في تضميد الوجع، لا مجرد صور بلاغية:
“أيتها الريحُ مُرِّي سريعاً على أبجديَّةِ حبِّي المشاكسِ كيلا تشبَّ الحرائقُ في لغتي بعدَ هذا النهارْ
أيها العشبُ ضمِّد جراحي وكن لي وسادةَ غيمٍ وضوءٍ…”
أنا هنا لا أقرأ استعارة فقط…
أنا أقرأ إنسانًا يستنجد بالريح والعشب والماء والهواء
وهذه واحدة من أجمل خصائص هذا الديوان:
أن الأشياء ليست خلفية، بل شركاء
الكون كله يدخل في النص، ليس ليجمِّله، بل ليحمله
ولأن نمر سعدي شاعرٌ يعرف كيف يجعل الثقافة جزءًا من العاطفة، لا استعراضًا لها، جاء هذا المقطع كأنه نافذة على مكتبة كاملة داخل عين واحدة:
“في عينيَّ كلامٌ كثيرٌ كثيرْ
عندما أحدِّقُ في عينيكِ ستقرأينَ الإلياذةَ والأوديسةَ والإنياذةَ وملحمةَ جلجامشَ وسفرَ التكوينِ…”
هذه ليست مبالغة شاعر يريد أن يتفاخر
هذه لغة رجل يرى الحب كأنه تاريخ إنساني كامل
يرى العاطفة كأنها كتابٌ مفتوح على الأساطير والكتب المؤسسة
وهنا ينجح نمر سعدي في شيء صعب:
أن يجعل التناص جزءًا من النبض
ثم هناك مساحة أخرى أحبها جدًا في هذا الديوان:
حين يكتب الشاعر عن الشعر نفسه
حين يعترف بتعب القصيدة، وبوهمها الجميل، وبأنها عمل مستحيل… لكنه مستمر فيه رغم ذلك
ومن أجمل ما يثبت هذا الإحساس الموجع، هذا المقطع:
“قصائدي ذرُّ ريحٍ في الحياةِ وأحلامي رمادٌ وهذي لعنةُ الشُعرا
حرثتُ في البحرِ واستمطرتُ أخيلةً من السرابِ الذي سمَّيتهُ ثمرا
وكنتُ غنَّيتُ في الطاحونِ أغنيةً صارتْ هواءً، وماءً يابساً.. حجرا…”
أن تحرث البحر… يعني أن تعمل في المستحيل.
أن تكتب وأنت تعرف أن العالم قد لا يتغير
لكن تكتب لأنك لو لم تكتب… ستختنق
هذه لحظة صدق مرّة، لكنها ضرورية
لأنها تجعل الديوان لا يبدو كأنه “ترف عاطفي”، بل يبدو كأنه صراع داخلي بين حلمٍ يريد أن يعيش، وواقعٍ يصر على سحق الأشياء الجميلة
وفي الديوان أيضًا منطقة “وحدة” لا يمكن تجاهلها، وحدة لا تأتي كفكرة فلسفية، بل تأتي كجسد يعيش في العراء
وها هو الشاعر يقولها على طريقته:
“لن يأتي غودو في المساءِ ولا الصباحِ ولا الظهيرةِ، أنتَ وحدكَ في مهبِّ الريحِ، وحدكَ كالسرابِ…”
هذا المقطع شدّني جدًا، لأنه يلخص شيئًا نعرفه جميعًا:
أننا في لحظة ما ننتظر شيئًا لا يأتي
ننتظر خلاصًا لا يصل
ننتظر معنىً يتأخر
لكن الشاعر هنا لا يصرخ، ولا يلوّح بشعارات، ولا يبحث عن مجد
هو يكتب فقط
وكأن الكتابة هي طريقته الوحيدة في مقاومة الوحش والوحشة.
(وقد لفت الشاعر والناقد التونسي محمد الهادي الجزيري – في قراءة له للديوان نفسه – إلى هذه “المقاومة الهادئة” عند نمر سعدي، بوصفه شاعرًا لا يتاجر بالصوت العالي ولا بالشعارات، بل يترك للقصيدة أن تقول وجعها وحدها، وأن تمضي كرسالةٍ شفافة في زمنٍ قاسٍ).
وأنا أحب في نمر سعدي هذا النوع من “المقاومة الهادئة”
شاعر فلسطيني… لكنه لا يحوِّل فلسطين إلى لافتة
هي موجودة في الهواء الذي يتنفسه النص، في رائحة المكان، في الحنين، في الندى، في ذكر “حيفا” كوميض…
لكنها لا تتحول إلى خطاب سياسي مباشر
لأن الشاعر يعرف أن الشعر حين يتحول إلى تقرير… يفقد روحه
وهذا بالضبط ما قاله نمر سعدي في أحد حواراته حين أشار إلى أنه يحاول أن يصوغ مأساة الإنسان في كل ما يكتب، لكن الشعر عنده ليس شعارًا ولا تقريرًا يوميًا، بل يجب أن يعبّر عن الحدث بصورة غير مباشرة، ومن هنا تنبع قوته وحدته
وهنا نصل إلى نقطة مهمة جدًا في هذا الديوان:
نمر سعدي يكتب الحب كأنه وطن صغير… لكنه لا ينسى أن العالم مليء بالجوع والبرد والظلم
ولهذا جاءت هذه القصيدة كصفعة إنسانية جميلة:
“إلهي دمعتي تجري لطفلٍ يجوعُ وطفلةٍ في البردِ تعرى
أفكِّرُ في غدٍ والروحُ تذوي أسىً من هذهِ الدنيا وقهرا
أيكسو الشِعرُ عرياناً ويرفو جراحَ المثخنِ الأوَّاهِ تترى؟
أيطعمُ جائعاً في الأرضِ أم هل يحرِّرُ من حديدِ النارِ أسرى؟”
هذه ليست “قصيدة مناسبة”
هذه لحظة ضمير
لحظة شاعر يتذكر أن الجمال وحده لا يكفي، لكنه أيضًا يعرف أن الجمال هو الشيء الوحيد الذي يمنعنا من التحول إلى حجارة
أنا لا أحب الشعر الذي يتفاخر بأنه “ملتزم” وهو لا يلمس الإنسان
وأحب الشعر الذي يلمس الإنسان حتى وهو يكتب الحب
ونمر سعدي يفعل ذلك:
يكتب الحب لكنه لا يغلق عينيه عن العالم.
واللافت أن الديوان لا يركض نحو النهاية، ولا يبحث عن خاتمة عالية
هو يمشي مثل ساعي بريد…
يمشي ويترك الرسائل تتساقط على الطريق
رسائل صغيرة، لكنها مشتعلة
وأنا حين أنهيت “ساعي بريد اللهفة”، لم أشعر أنني أنهيت كتابًا
شعرت أنني أنهيت رسالة.
رسالة طويلة، دافئة، مكتوبة بماء القلب.
وهذا أجمل ما يمكن أن يفعله الشعر:
أن يتركك مختلفًا قليلًا…
أن يجعلك أكثر رقة…
أكثر انتباهًا للريح…
أكثر حبًا للعشب…
أكثر تصالحًا مع دمعتك
“ساعي بريد اللهفة” ليس ديوانًا يريد أن يصرخ
هو ديوان يهمس…
لكنه يهمس طويلًا… حتى يصل إلى داخلنا
وإذا كان لي أن أقول جملة أخيرة عن نمر سعدي هنا، فسأقول:
هو شاعر يعرف أن اللهفة ليست مجرد كلمة…
بل هي وطنٌ صغير نحمله في صدورنا،
كلما ضاقت بنا الحياة… فتحناه، وقرأناه، وبكينا قليلًا… ثم عدنا نمشي.
هكذا يمضي نمر سعدي في قصيدته: لا يَعِدُ بالخلاص،
لكنه يمنحنا ما هو أثمن:
أن نشعر.
ومن يعرف كيف يشعر، لا يُهزم بالكامل.

