أحدث الأخبار
الأحد 14 تموز/يوليو 2024
راعي البقر الأمريكي!!
بقلم : د. نهلة غسّان طربيه ... 19.10.2023

يصل راعي البقر الأمريكي (الكاوبوي المخضرم) إلى تل أبيب في تزامنٍ ليس بِمُثيرٍ للدهشة مع مجزرة مشفى المعمداني! إذ أنّ راعي البقر الأمريكي هو الذي يرعى هكذا مجزرة وكلّ مجزرة سبقَتْها على أرض فلسطين الحبيبة. يرعاها من خلف الكواليس ومن بين جناحَي طائرة تحمله ومغامراته المعتادة عبر عقود أمريكية استعمارية طويلة من التحايل على القوانين الدولية والغطرسة الامپريالية الساقطة في أعمق بؤرة من الفساد السياسي والاقتصادي والأخلاقي. مِن فمه أُدينُه، تبعاً لماكتبَتْ عنه مقالةٌ تفصيليةٌ بالانكليزية أمس البارحة على موقع البي بي سي الرّسميّ، وهذه هي ترجمتي لها حرفيّاً: “كان الرئيس بايدن على مدى عقودٍ أحدَ السياسيين الأكثر صراحة في دعمه لإسرائيل، حيث قال في عام 1986 إنه “لو لم تكن هناك إسرائيل، لكان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تخترع إسرائيلَ ما لحماية مصالحنا في المنطقة” “. و هذا القول الصريح منه هو بالدرجة الأولى طعنةٌ لإسرائيل قبل الفلسطينيين والعرب في المنطقة.. واعتبارُها مجرّد أداةٍ ومَطيَّة لتحقيق المصالح الأمريكية.
يصل راعي البقر الأمريكي (الكاوبوي المخضرم).. الفاقد للذاكرة القريبة وكذا البعيدة.. فيغدو مشهدُ المجزرة أكثرَ دمويّةً. هو يهبط.. يهبط.. بطائرته ورموزها الشنيعة : الحَثّ على الحرب والقتل وسرقة الماء والرغيف والضوء والحياة من شعب عظيم صابر أعزل.. برجاله ونسائه وأطفاله الطيبين. لكلّ هذا يصل.. قاطعاً آلاف الأميال.. فيؤكّد للعالم أجمع أنه مِثلُ ذلك (الكاوبوي) الأرعن في الأفلام الأمريكية والذي اعتاد إخراج مسدّسه ليفرغ الرصاصات المتتالية في البشر والحجر والشجر.
يصل كي يدعم الحرب.. ويدعم (إسرائيلَه).. أُلعوبتَه.. الدجاجةَ التي تبيض ذهباً لقارّتِه -كما مِن فمه أُدينه أعلاه- قارّتِه التي سَرَقَها من سكّانها الأصليين من الهنود الحمر في حالةٍ تبعث على الدهشة من التماهي العجيب مع ماحدث في فلسطين منذ حوالي خمسة وسبعين عاماً!
فمَن يصل للدّعوة إلى الحرب بدلاً من التهدئة والعمل من أجل السلام تبعاً للحق والعدالة.. هو أيضاً مجرم حرب يشترك في قتل الأطفال الهانئين باللعب فوق طرقات أجدادهم العتيقة.. العتيقة.. والتي لا يمكن بتاتاً مقارنةُ سنواتِ تَجَذُّرِها في الأرض الطّيّبة والتاريخ الإنسانيّ مع سنواتِ عُمْرِ قارّتِه حديثةِ العهد. ومَن يصل للدّعوة إلى الحرب هو أيضاً يُفرِغ رصاصاتٍ متتالية في حجارة المعابد المقدّسة الطاهرة لكلّ الأديان في فلسطين.. يُفرغها في صلوات المؤمنين الأبرار.. وفي سلام أشجار الزيتون.. وعبق أشجار البرتقال.. و الزرقة الفريدة للبحر والسماء في ذلك الوطن الجميل النادر.. فلسطين.
هو يهبط .. يهبط.. ومعه يهبط الدمار.. ودموعُ تتجمّد على كلّ المآقي. أمام الجدار مازالت مشفى المعمداني شاهدةً على الكيل بمكيالَين والظلم والوجع والمعاناة التي يتعرّض لها أصحاب الأرض، فلسطينيّو غزّة النّبلاء. و خَلْفَ الجدار.. قُتِلَ وخُطِفَ كثيرٌ من الإسرائيليين الذين كان عليه.. لو أنّه حقاً يحبّهم.. أن يحمي حيواتهم بإرساء السلام العادل والشامل في فلسطين منذ سنوات بعيدة.. وإنهاء الحرب الظالمة والمدمّرة للجميع. فالعنفُ ينتِجُ العنفَ.. والظّلمُ يؤدّي للانفجار. أم لعلّ هذه هي يا ترى تلك “الإسرائيل ما” التي تَحَدّثَ عنها في 1986 والتي تَضْمن له مصالحَه الربحيّة في تلك المنطقة عبر الحروب المتكررة تباعاً والتي لا يريد لها أن تنتهي.. فينتهي مَوردُ رزقه؟
هو يهبط.. يهبط.. وهم يَعْلون.. يسمقون! أطفال.. نساء.. رجال.. وشيوخ يصعدون على سلّم الحقيقة المطعونة بألف وألف خنجر.. بملايينِ رصاصات الغدر والنفاق. يطيرون إلى أعلى السماء.. بأجنحتهم الملائكية.. ويَرمونه وطائرته وإسرائيله -“التي لو لم تكن.. لكان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تخترع إسرائيل ما”- بفتافيت صغيرة من قصاصاتِ الورق الملطّخة بالدماء الزّكيّة.. قصاصاتٍ عليها شعارات منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة والقوانين الدولية.. قصاصاتٍ كالتي رمتْها فوق رؤوسهم أمس البارحة إسرائيل بايدن كما أملى عليها مالكها وسيّدها.. راعي البقر الأمريكي (الكاوبوي المخضرم).. قصاصاتٍ تأمرهم بالرحيل من بيوتهم.. مع كثيرٍ من الوعيد بالعطش والجوع والظلم والظلام .. قصاصاتٍ لها رائحةُ رغيفِ الخبز المقمّر في بيوتهم التي تنتظرهم.. قصاصاتٍ فيها نبضُ أرضهم الفلسطينية أباً عن جد لآلاف السنين.. قصاصاتٍ تحمل كلمةً أبديّةً واحدة: غزّة. غزّة نعم.. اِهبط.. تابع هبوطكَ ياراعي البقر الأمريكي.. وهم هناك فوقكَ كلّهم.. كلّهم.. غزّة!

1