أحدث الأخبار
الأحد 03 آذار/مارس 2024
بيتزا وفلافل: أوطان وهويّات!!
بقلم : صبحي حديدي ... 11.07.2023

غلاف الكتاب يتألف من تسع صور تمثّل تسعة أطباق طعام: الرامن الياباني، البيتزا الإيطالية، المحار المكسيكي، التاباز الإسبانية، إناء اللحم بالمرق الفرنسي، البورش الروسي، المعكرونة بالبندورة الإيطالي، الأرز متعدد الجنسيات، والمازة المشرقية؛ وأمّا عنوان الكتاب فهو «الطبق الوطني: حول العالم بحثاً عن الطعام، والتاريخ، ومعنى الوطن» ومؤلفته أنيا فون بريمزن الأمريكية من أصل روسي، وصدر مؤخراً بالإنكليزية ضمن منشورات بنغوين. وفي اقتفاء وجود هذه الأطباق، على مستويات مادية تخصّ البشر ومجازية تشتغل على المخيّلة، جالت المؤلفة في مدن/ مواطن طعام مثل باريس ونابولي وطوكيو وإشبيليا وأوكزاكا (المكسيك) وإسطنبول؛ والتقت بطهاة مشاهير، وحاورت مستهلكي الأطباق في الشوارع والأسواق الشعبية والمطاعم، وتذوّقت الكثير، ووظّفت خيرة ما تملك من مهارات ومعارف في ميادين الطبخ…
قيمة هذا العمل لا تبدأ من عشرات الأطباق التي تناقش فون بريمزن تواريخ استقرارها كعلامات وطنية صانعة لأكثر من طراز واحد في ترسيخ هوية ما، أو حتى «الهوية» معرّفة وخالصة وشبه مطلقة، وعوامل ذلك الاستقرار التاريخية والاجتماعية والسياسية والغذائية؛ فضلاً عن سلسلة السرديات التي اقترنت بهذا الطبق أو ذاك، ويتضح (بعد تنقيب بحثي شاقّ، يتوجب القول) أنها أقرب إلى الأساطير والاستيهامات منها إلى الحقائق والوقائع. كذلك لا تنتهي قيمة الكتاب عند ذلك المقدار الهائل من الطرائف الخاصة بالجانب المطبخي من الأطباق، تلك التي تخصّ تقاليد الطهو وأنساق التفنن في إعداد الطبق؛ وما يمتّ في هذا إلى الخلفيات البشرية المحضة، غير المنفصلة عن السياسة وأنظمة الحكم والسيطرة والقوّة.
على سبيل المثال، هنا ما ترويه فون بريمزن عن صعود لحم الخنزير، شرائح الـ«خامون» والـ«شوريزو» الشهيرة التي لا يخلو منها بار أو مقهى أو مطعم في إسبانيا: في سنة 1492 في أعقاب انطواء صفحة الممالك المسلمة والعربية في إسبانيا، وقعت محاكم التفتيش في معضلة الطرائق الكفيلة بتحديد هوية الإسباني، وديانته المسيحية، وكيف يمكن قياس نزاهة الاهتداء إلى ديانة الدولة بالنسبة إلى المسلمين أو اليهود، خاصة وأنّ نظرية «نقاء الدم» خلقت ما يشبه التمييز العرقي بين مسيحي عتيق وأخر مستجدّ. في غمرة الحيرة، والتخبّط بحثاً عن الحلول، تمّ الاهتداء إلى هذه المقولة البسيطة، القاطعة والمتجبرة في آن: ديانة المرء تتبدى في ما يأكل! وهكذا، توجّب اختبار صدق الاهتداء عن طريق إلزام المهتدي بتناول شريحة من لحم الخنزير، المحرّم في الديانتين الإسلامية واليهودية؛ الأمر الذي نقل الطعام من مرتبة الطبق إلى سوية علامة الهوية، القومية والدينية على حدّ سواء.
أو خذوا في مثال ثانٍ، الحكاية/ الأسطورة التي نشأت من حول طبق البيتزا المعروف باسم «مرغريتا»: في سنة 1889 استقبلت نابولي الملك أمبرتو وزوجته الملكة المحبوبة مرغريتا، وكانت أجواء إيطاليا السياسية مضطربة بالنظر إلى تعثّر جهود التوحيد، واحتاجت العائلة الملكية إلى «بيع» المدينة رمزاً من طراز خاصّ يحيل إلى مواطنة موحدة، فكان أن كلّفت الملكة معلّم الطهي المحلي رافاييلي إسبوسيتو بإعداد طبق من البيتزا يشبه ما يأكله عامة الشعب في الشوارع، لكنه أيضاً يحمل دلالات سياسية. وهكذا ولدت البيتزا الشهيرة، وقد حملت البندورة (اللون الأحمر) وجبنة الموتزاريلا (الأبيض) والريحان (الأخضر) بما يشكّل علم الوحدة الإيطالي، فأحبّت الملكة الاختراع ومنحته اسمها! هذا في السردية الشعبية، بالطبع، وأمّا التاريخ الفعلي فيقول إنّ المكوّنات ذاتها شاعت على مدى العصور في البيتزا الإيطالية، الأمر الذي لم يمنع الآلاف، وربما الملايين في طول العالم وعرضه، من المساجلة الحماسية بأنّ بيتزا المرغريتا النابوليتانية لا تضاهيها أيّ بيتزا أخرى بالمواصفات ذاتها.
لافت، إلى محاسن الكتاب العديدة، أنّ فون بريمزن تغيّب (إذْ لا يعقل أنها غير مطّلعة على) استشراس دولة الاحتلال الإسرائيلي في السعي إلى الاستيلاء على قرص الفلافل، والزعم بأنه وجبة عريقة في «المطبخ» الإسرائيلي؛ حيث يصبح هوس الإسرائيليين بمصادرة الفلافل، ثمّ البرتقال اليافاوي والزعتر أيضاً، بمثابة واحدة من لافتات استيطان الأرض الفلسطينية، كما يكتب أمييل ألكالاي، اليهودي، أستاذ ثقافة الشرق الأوسط في «كوينز كوليج» نيويورك، ومؤلف الكتاب المميز «بعد اليهود والعرب: إعادة صناعة ثقافة المشرق» 1992. وفي أغنية إسرائيلية شعبية، تعود إلى أواخر خمسينيات القرن الماضي، عنوانها «ونحن عندنا الفلافل»؛ ثمة مقطع صريح الابتذال والركاكة يقول: «جرت العادة أن يقبّل اليهودي الأرض شاكراً عندما يصل إلى إسرائيل/ والآن، حالما ينزل من الطائرة، يتناول الفلافل».
ولعلّ هذه اللصوصية الإسرائيلية المطبخية تضيف المزيد من البراهين على أطروحة كتاب «الطبق الوطني» المركزية، في أنّ المطابخ الوطنية تعاني من «وضوح إشكالي» على صلة مباشرة بالمفهوم المعقد، الغائم أيضاً، لما هو وطني لصيق عضوياً بجماعات تتشارك العرق والدم واللغة والثقافة والمأكل والمشرب، على مرّ أحقاب وعصور؛ وهذا ما يحيل المؤلفة إلى تنظيرات إريك هوبسباوم وبندكت أندرسون حول نشوء الأمم والنزعات القومية، والاختراقات الراهنة في مباحث الهوية المتحركة. كذلك لا تتردد في اقتباس الفيلسوف البولندي زيغمونت بومان، في توصيف شرط ما بعد حداثي معولَم غير منشدّ إلى أحادية الهوية او المكان أو الجماعة: حداثة سائلة، ومثلها مطابخ العالم على اتساعه وتنوّعه.

1