أحدث الأخبار
الأحد 03 آذار/مارس 2024
الدرس الوحيد الذي تعلمناه من التاريخ!!
بقلم : د. فيصل القاسم ... 14.01.2023

هل يا ترى زماننا الذي نعيشه اليوم مختلف عن بقية الأزمنة التي مرت عبر التاريخ؟ هل كانت العصور القديمة أكثر عدلاً واستقراراً ووئاماً وإنسانية؟ أم إن الإنسان هو الإنسان لا يتغير مطلقاً عبر الزمان؟ كم خاضت البشرية من الحروب على مدى الألف سنة الماضية كي لا نقول عبر آلاف السنين؟ لا نريد أن نذهب بعيداً، كم من الحروب خاضتها الشعوب منذ بضعة قرون فقط؟ هل تعلم البشر من حروبهم الكارثية شيئاً؟ بالطبع لا، لا بل إنهم طوروا أساليب القتال والتدمير والوحشية، ولو، لا سمح الله، وقعت حرب عالمية ثالثة، سيترحم الناس على الحرب العالمية الثانية لأن الأسلحة التي كانت متوفرة فيها أقل فعالية وخطورة على كوكبنا وسكانه من الأسلحة المتوفرة اليوم القادرة على تدمير العالم عشرات المرات، فروسيا لوحدها فقط لديها ترسانة نووية تستطيع تدمير العالم ثلاثا وثلاثين مرة. تصوروا، فما بالك بالترسانات الأمريكية والأوروبية والصينية وغيرها. وللعلم، إذا تم استخدام السلاح النووي في أي حرب قادمة، فلن تكون المرة الأولى، فقد استخدمته أمريكا من قبل في اليابان على مدينتي هيروشيما وناغازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية، ولا ننسى طبعاً أن أمريكا وغيرها استخدمت أسلحة مشابهة في فيتنام ستبقى آثارها على الأرض والبشر لمئات السنين، ولا بد أن نتذكر أيضاً أن السلاح النووي استخدم على نطاق ضيق في العراق وغيره دون ضجة تُذكر. إذاً لا شيء مستبعداً في أي صرعات قادمة، لأن البشر يكررون حروبهم ومآسيها وفظائعها حرفياً دون أن يستفيدوا منها مطلقاً.
ولو قرأنا على سبيل المثال فقط تاريخ حرب الثلاثين عاماً بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا وما خلفته من مآس وكوارث على سكان القارة الأوروبية خلال ثلاثة عقود لوجدناها نسخة طبق الأصل عما يحدث اليوم من صراعات دينية ومذهبية في العالم الإسلامي وحتى المسيحي. وعندما تقرأ ما حل بالمدن والقرى الأوروبية أثناء الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت فلا تحتاج أن تكتب تاريخاً جديداً لما يحدث اليوم من صراعات وحروب أهلية، فما عليك إلا أن تحذف أسماء القرى والمدن الأوروبية أثناء حرب الثلاثين عاماً وتستبدلها فقط بأسماء بعض القرى والمدن السورية أو اليمنية أو اللبنانية، فالتاريخ يقدم لنا صورة لا يمكن تصورها لما فعلته الطوائف المسيحية ببعضها البعض قبل قرون قليلة، فقد تم إحراق مدن وقرى بأكملها وفر منها ملايين البشر، بالإضافة طبعاً إلى مقتل مئات الألوف. هل تعلمنا منها شيئاً؟ بالطبع لا، بل كررناها بطريقتنا الحديثة.
ولطالما طالبنا المذاهب والملل المتناحرة في عالمنا الإسلامي بأن تتعظ وتتعلم مما حصل في حرب الثلاثين عاماً بين المسيحيين كي تتجنب تكرار التجربة المريرة، لكن لا حياة لمن تنادي، لأن الإنسان على ما يبدو مغرم باستنساخ التاريخ دون أن يتعلم منه شيئاً. ولنا فيما فعلوه بسوريا مثل معاصر مازال حياً أمامنا ونراه يومياً. نتحدث اليوم عن ملايين الأوكرانيين الذين هربوا من بلدهم بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ونتحدث عن ملايين السوريين الذي تركوا بلدهم وكأن هذا الحدث الكارثي جديد على البشرية، لا أبداً بل هو حدث معتاد وتكرر كثيراً عبر التاريخ، ومازال. ثم هل توقفت الغزوات والتدخل في شؤون الدول بعد توقيع معاهدة (ويستفاليا) في أعقاب حرب الثلاثين عاماً في أوروبا والتي نصت حرفياً على مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل؟ هل توقفت الحملات الاستعمارية، أم اتخذت أشكالاً جديدة متطورة كالعولمة مثلاً؟
أما على الصعيد الاجتماعي، فحدث ولا حرج، فكل القضايا الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية التي يعانيها عصرنا الحالي عاناها من قبل مليارات البشر عبر التاريخ، فلا عدل مطلقاً تاريخياً في توزيع الثروات حتى قبل ظهور العصر الرأسمالي، فالعصر الزراعي مثلاً كان يسيطر فيه الإقطاعيون أصحاب الأراضي الشاسعة، بينما كان يعمل ملايين البشر في أراضي الإقطاعيين كعبيد وأقنان، تماماً كما يحصل اليوم في عصر العبودية الرأسمالي حيث يملك بضعة أشخاص في العالم ثروات تفوق ما يملكه مليارات البشر ويتحكمون بقوت البشرية وعقولها. الظلم الإنساني، أو ظلم الإنسان للإنسان عبارة عن عملية مكررة يتوارثها البشر من عصر إلى عصر. ولا شك أن المفكر السياسي البريطاني الشهير (توماس هوبز) كان مصيباً عندما أطلق عبارته الشهيرة « الإنسان ذئب للإنسان». هكذا بدأ التاريخ، وهكذا يتقدم بناء على الوحشية واستغلال الأقوياء للضعفاء وحكم القوة. ولو قارنت مجتمع البشر بمجتمع الحيوان، لاستنتجت أن شريعة الغاب أكثر عدلاً بكثير من شريعة الإنسان عبر التاريخ. ولو قرأت الأعمال الأدبية في العصور القديمة قبل مئات السنين، لوجدت الأدباء والكتاب والشعراء يكتبون عن الظلم والاضطهاد والقمع والفقر والصراع الطبقي واستغلال البشر لبعضهم البعض، تماماً كما نكتب اليوم بحذافيره.
لا نريد هنا مطلقاً أن نغمط حقوق وتضحيات ومآثر وأفعال ومنجزات المصلحين والكتاب والمفكرين الذين عملوا عبر التاريخ على فضح الظلم والظالمين والدعوة إلى العدل والمساواة والإنسانية، ولا يجب أن نستهين بما حققوه، لكن، للأسف الشديد، ففي كل عصر يتكرر الظلم والاستغلال والوحشية نفسها التي شهدتها العصور السابقة لا بل تتطور إلى الأسوأ، ويتكرر معها المصلحون والشعراء والأدباء والمفكرون، وحتى في عصر الإعلام، لم يتغير شيء سوى أن الإعلاميين ينقلون ظلم الإنسان للإنسان ووحشيته التاريخية المتكررة على الهواء مباشرة، لكن دون جدوى. هل ساهم الإعلام مثلاً في التخفيف من مآسي بلدان ما يسمى بالربيع العربي، أم إنه فقط نقلها لنا، وفي كثير من الأحيان زاد الطين بلة؟ صدق المفكر الألماني الشهير جورج هيغل عندما قال: إن الدرس الوحيد الذي نتعلمه من التاريخ أننا لا نتعلم من التاريخ».

1