أحدث الأخبار
الأحد 03 آذار/مارس 2024
هل فزنا على الغرب فعلاً في مونديال الصراع الحضاري؟!
بقلم : د. فيصل القاسم ... 20.12.2022

سواء كانت عفوية أو مدروسة، فإن مشاهد نزول أمهات اللاعبين المغاربة إلى أرض الملعب بعد الفوز العظيم للفريق المغربي على المنتخب البرتغالي واحتضانهن ومعانقتهن لأبنائهن أمام مليارات المشاهدين في العالم، كان واحداً من أجمل المشاهد التي ستخلدها بطولات كأس العالم، وأكبر دليل على ذلك أن تلك المشاهد الرائعة انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العربية والدولية كانتشار النار في الهشيم. وجاءت تلك اللقطات التاريخية في وقت حساس للغاية تجسيداً لصراع القيم بين الشرق والغرب، وكأنها رد رائع غير مباشر على المنتخبات الأوروبية التي أصرت على رفع شعار المثليين في المدرجات وعلى ساحات الملاعب، وأحدثت ضجة إعلامية عالمية حاولت التشويش على البطولة بطريقة رخيصة.
سيذكر التاريخ بطولة كأس العالم في قطر على أنها من أهم المناسبات الدولية التي أظهرت الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب أو العرب والغرب، وهذا الصراع لم يبدأه العرب مطلقاً، بل نبشته بغباء شديد الفرق الغربية ومعها بعض السياسيين الغربيين الذين بدل أن يركزوا الأنظار على المباريات والجانب الرياضي للبطولة راحوا يحشدون الشارع الغربي والدولي عبر وسائل إعلامهم الشيطانية لتعكير أجواء البطولة والتشويش على مجرياتها والتذكير بالصراع الثقافي والحضاري بين الغرب والمسلمين. وكلنا تابع الضجة الإعلامية الرهيبة التي فجرها المنتخب الألماني وغيره من المنتخبات الأوروبية. وكلنا شاهدنا كيف احتالت وزيرة الداخلية الألمانية على المنظمين، وارتدت معطفاً وأخفت تحته شعار المثليين، ثم بعد أن دخلت المدرج خلعت معطفها وأظهرت الشعار بطريقة صفيقة. ولا شك أنكم تتذكرون حركة المنتخب الألماني الذي وضع لاعبوه أياديهم على أفواههم تنديداً بمنع إظهار شعارات المثليين على أرض الملعب. ولاحظنا أيضاً كيف استاء أحد اللاعبين الغربيين عندما وجد أن الطفلة التي سترافقه إلى أرض الملعب محجبة. بعبارة أخرى، في الوقت الذي حاول فيه بعض اللاعبين الأوروبيين جاهدين لإشهار شعار المثليين داخل الملاعب، فقد اشمأزوا من مشهد الطفلة المحجبة، مع أنها تمثل الحشمة، بينما الشعار الذي أرادوا إظهاره يمثل الخروج على كل القيم والنواميس البشرية الطبيعية. ثم جاءت الضربة القاضية بعد مشهد الطفلة المحجبة، حيث، كما أسلفنا، نزلت أمهات اللاعبين المغاربة إلى أرض الملعب بلباسهن الإسلامي وبغطاء الرأس التقليدي، وكأنهن يردّن على المنتخبات الأوروبية التي حاولت رفع شعار الشذوذ البشري.
وعلق أحد الإعلاميين الألمان على لقطة اللاعب المغربي يوسف النصيري وهو يعانق والده وبجانبه زميله جواد الياميق في نهاية مقابلة المغرب مع إسبانيا وكذلك اللقطات الأخرى لأشرف حكيمي وسفيان بوفال وحكيم زياش مع أمهاتهم وعائلاتهم بالقول: “إن هذه المشاهد الحميمية مع العائلة لم نعد نراها في مجتمعاتنا الغربية التي تسودها الأنانية والمثلية الجنسية واندثار مفهوم الأسرة ودفئها وعقوق الوالدين ورميهما في الملاجئ ودور العجزة. العائلة وتحفيزها المعنوي وراء انتصارات الفريق المغربي، أما نحن فجئنا لنساند المثليين ونضع أكفنا على أفواهنا بشكل مخجل، فخرجنا خاليي الوفاض ومن الباب الضيق. هم تعلموا الكرة منا وأصبحوا يتقنونها وتجاوزونا، ونحن يجب أن نتعلم الأخلاق والقيم منهم لعل وعسى أن نرى يوماً أمهاتنا تعانقننا يوماً في المدرجات”.
طبعاً لا نريد التطبيل والتزمير للثقافة العربية والإسلامية واعتبارها الأفضل عالمياً، بالطبع لا، فلها ما لها وعليها ما عليها مثل كل الثقافات، ولا يمكن أيضاً أن نشيطن الثقافة الغربية لمجرد أن بعض اللاعبين حاولوا التضامن مع المثليين، لا أبداً، فالثقافة الغربية ليست كلها شراً محضاً، لا بل تتفوق على ثقافتنا في الكثير من الأمور، وقد شهد لها يوماً الإمام والمفكر الإسلامي الشهير محمد عبدو عندما قال بعد زيارته للغرب: “ذهبت للغرب فوجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين، ولما عدت للشرق وجدت مسلمين ولكن لم أجد إسلاماً”. ولا نبالغ إذا قلنا إن الغربيين يتفوقون على المسلمين والعرب حتى في تطبيق المبادئ والقيم الإسلامية، فلو تنادى الغربيون إلى التبرع لدعم قضية ما لجمعوا الملايين بلمح البصر، بينما لا يتبرع العرب والمسلمون إلا بالنزر اليسير وربما لا يتبرعون مطلقاً لمئات القضايا التي تحاصرهم من كل حدب وصوب كما اشتكى يوماً المفكر شكيب أرسلان في كتابه الشهير “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟”.
وحتى موضوع وضع الآباء والأمهات في دور الرعاية ليس بسبب انعدام القيم الإنسانية في الغرب. ويقول يوسف جبريل في منشور له حول هذا الموضوع: “يكذبون عليك من أقنعوك أنهم يضعون آباءهم في دور العجزة. وكذبوا عليك عندما صوروا لك دور العجزة على أنها كالتي في بلدك. من يذهب لدار الرعاية يذهب بكامل إرادته، والعناية والرعاية الموجودة في تلك الدور لا تستطيع حكوماتك تأمينها لشخص واحد بالتجهيزات والاقامة والرعاية الصحية والنشاطات. من يدخلون دور الرعاية هم من فوق الثمانين ويحتاجون لرعاية خاصة يعجز عنها الأشخاص أيا كان دخلهم ومستواهم. لا تتكلموا بأشياء لم تطلعوا عليها بأنفسكم. لم تطلع أنت وأمثالك الا على ما هو موجود في وسائل إعلامكم وما يسوقونه لكم. هل دخلت إلى دور الرعاية تلك وعاينت ما فيها وما يقدم فيها؟ وهل أجبتني بعد ذلك إن كنت أنت تستطيع تقديمها لوالديك؟ إن قلت إنك تستطيع تقديمها، فانت كاذب، لأنني أعرف احتياجات من هم في سن الثمانين وما فوق… وأعرف أن أي شخص عاجز عن تقديمها في المنزل”.
لهذا بدل أن نشتم الغرب بسبب تصرف وحيد، وننسى كل قيمه العظيمة الأخرى، تعالوا نأخذ من الغرب أفضل ما عنده من مٌثل وقيم ومبادئ إنسانية رائعة، وننبذ بعض تصرفاته السيئة التي لا تناسب ثقافتنا ولا ديننا، وتعالوا أيضاً نقدم للغرب أجمل ما في قيمنا وعاداتنا، كقيم الاهتمام بالعائلة وبر الوالدين وصلة الرحم والتواصل والترابط الاجتماعي الذي ظهر في أروع صوره في مشاهد العناق الجميلة بين لاعبي المنتخب المغربي وعائلاتهم على أرض الملاعب أمام مليارات المشاهدين من البشر.

1