أحدث الأخبار
الاثنين 17 حزيران/يونيو 2024
مصر : تبعات العنف المنزلي تمتد إلى الاقتصاد!!
بقلم : الديار ... 21.05.2024

توضح قصص النساء المعنفات التأثير المالي الذي يخلفه العنف المنزلي عليهن وعلى أسرهن. ولكن الأفراد ليسوا وحدهم الذين يعانون فالاقتصاد يتأثر من ازدياد التغيب عن العمل، وانخفاض الإنتاجية، وتآكل موارد الأسرة المالية.
القاهرة - كانت المصرية سيناء تهوى رقص الباليه في صالة الرقص. لكن أيام رقصها للباليه قد ولت، حيث اعتدى عليها شقيقها الأكبر مما أبقاها على كرسي متحرك ولم تعد تعمل المهندسة السابقة التي كانت تعيل عائلتها منذ ذلك الحين.
وتقول سيناء البالغة من العمر 37 عاما “كدت أموت وأثّر ذلك على حياتي جسديّا وعقليا وماليا”، خصوصا أنها كانت المعيل الرئيسي لشقيقها الأصغر الذي يدرس الحقوق. لكنه اضطر إلى التخلي عن سنته الدراسية الحالية لتدبير الهندسة المدنية وهو الآن عاطل عن العمل.
وتشير الإحصاءات الصادرة العام الماضي من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمصر إلى أن ما يقرب من ثمانية ملايين امرأة وفتاة تتعرض للعنف سنويا في مصر. ونسبة كبيرة من هذا العنف، يقع تحت بند العنف الأسري وتدخل النسبة الأخرى في إطار العنف المجتمعي، حيث لا توجد نصوص في القوانين الحالية تجرم العنف الأسري بشكل صريح ومحدد، أو تحمى سرية بيانات الضحايا.
وتوضح قصة سيناء التأثير المالي المدمّر الذي يخلفه العنف المنزلي على النساء وأسرهن. ولكن الأفراد ليسوا وحدهم الذين يعانون. ويقول الخبراء إن الحكومات يمكن أن توفر مليارات الدولارات سنويا لمعالجة العنف المنزلي. وهم يأملون أن يحفزها الكشف عن الخسائر المالية على التحرك.
وتشير الأبحاث إلى أن التكلفة العالمية لجميع أشكال العنف ضد المرأة يمكن أن تصل إلى حوالي 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويقرب هذا من 2 تريليون دولار، أو حجم الاقتصاد الكندي.
ويضيف العنف المنزلي عبئا إلى الصحة والشرطة والخدمات القضائية، وهو من أسباب التغيب عن العمل، ويخفض الإنتاجية، ويسبب تآكل موارد الأسرة المالية، ويشكل عائقا أمام القضاء على الفقر.
وعملت الدراسات العالمية على تحديد ثمن العنف المنزلي. ورغم أن نقص البيانات يصعّب قياس الضرر في أي بلد، إلا أن العديد من الحالات مثل سيناء نموذج لهذا الأثر وبالطبع هي ليست الوحيدة.
وقالت ناتا دوفوري، وهي رائدة في دراسات التكاليف، “للدولار تأثير سواء كانت الدولة متقدمة أو منخفضة الدخل. وهو يجعل الحكومات والمسؤولين ينصتون. تبرز جميع الدراسات نفس الشيء…إن العنف مكلف للغاية”.
وتم إطلاق برنامج مناهضة العنف ضد المرأة عام 2013 في مصر لدعم السيدات والنساء اللاتي يتعرضن للعنف. وتعمل هيئة الأمم المتحدة المعنية بالمرأة مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني لإنهاء كافة أشكال العنف ضد النساء في مصر.
وتشارك مؤسسات المجتمع المدني في مصر في صياغة قانون موحد لمناهضة كافة أشكال العنف ضد النساء، كما تقول نورا محمد، مديرة برنامج مناهضة العنف ضد المرأة بمؤسسة قضايا المرأة المصرية.
ونقل موقع الأمم المتحدة عن محمد “نركز في عملنا على أربع قضايا تتعلق بالعنف ضد المرأة، منها قتل الفتيات، والابتزاز الإلكتروني، وتزويج الطفلات، وختان الإناث. ونبحث عما يؤدي إلى زيادة معدلات العنف ضد الفتيات الناتج عن التأثيرات السلبية والمشكلات الاجتماعية الناتجة عن هذه الممارسات الضارة. كما كنا نروج لمشروع القانون مع مجموعة من المؤسسات النسوية للوصول إلى قانون موحد لمناهضة العنف، لأننا وجدنا بعض الجرائم التي ترتكب ضد النساء ليس لها تجريم بقانون العقوبات”.
وكثيرا ما تركز الدراسات المتعلقة بالأثر الاقتصادي الذي يخلّفه العنف المنزلي على الموارد العامة في البلدان الغنية. وتركز في البلدان منخفضة الدخل، ذات الخدمات العامة الأضعف، على التكاليف الشخصية والأسرية.
ووجدت إحدى الدراسات في الدول الفقيرة أن الناجيات من العنف أنفقن ما يعادل ربع دخلهن تقريبا على التعامل مع تداعيات العنف المنزلي.وقالت دوفوري، مديرة مركز دراسات المرأة العالمية في جامعة غالواي في أيرلندا، إن هناك “انفجارا في البحوث” في هذا المجال.
ورغم استحالة المقارنة بين الدراسات لاختلاف منهجياتها، إلا أنها تبرز أن التكلفة تتراوح من 1 إلى 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل ما تنفقه العديد من البلدان منخفضة الدخل على التعليم الابتدائي. لكن هذه التقديرات قد تكون متحفظة لعدم الإبلاغ عن العنف المنزلي على نطاق واسع.
وتعاني العديد من النساء من العنف منذ عقود، ويخشين التحدث عنه خوفا من الوصم أو اللوم. وتتسامح بعض المجتمعات مع العنف الزوجي. وغالبا ما تمتد الآثار الضارة إلى الجيل التالي، مما يعطل تعليم الأطفال ويحد من فرصهم المستقبلية.
وترى النائبة نجلاء باخوم، عضو مجلس النواب، أن مشكلة العنف ضد المرأة تحتاج إلى تغليظ العقوبات والاستمرار في حملات التوعية في كافة محافظات مصر للحد من هذه الظاهرة.
وتقول “هناك اهتمام عام من الدولة المصرية بالمرأة بتقلدها المناصب القيادية والحيوية، وهذا لا يعني أنها لا تتعرض للعنف. فالمشكلة من وجهة نظري ليست في وجود القوانين وإنما في تطبيقها وتغليظ بعض العقوبات التي تناسب الجرائم المرتكبة. والنقطة الثانية المهمة هي ضرورة رفع الوعي بقضية العنف ضد المرأة وضرورة مواجهته”.
وكان شقيق سيناء يأخذ منها المال قبل الهجوم الذي تركها على كرسي متحرك. وخسرت العديد من العقود حين كانا يتشاجران قبل اجتماعاتها مع العملاء.وأصبحت سيناء تحتاج إلى رعاية وترغب في شراء كرسي متحرك كهربائي لتتنقل. ولو تمكن شقيقها الأصغر من إكمال دراسته، لكان من الممكن أن يصبح منتجا ومعيلا للأسرة.
وذكرت دوفوري أن الحكومات لا تستطيع تجاهل العنف حيث يقوض الفشل في التصدي له الاستثمارات الرامية إلى الحد من الفقر في البلدان ذات الدخل المنخفض.
وقالت “يهم هذا في الواقع الحكومات أكثر من مجرد القول إنه يكلف 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي”.ويقول الخبراء إن الدول الغنية تستطيع أن توفر المال أيضا بالاستثمار في تدخلات مبكرة أكثر استهدافا.
وأفادت ميليسا ألفارادو، خبيرة هيئة الأمم المتحدة للمرأة المعنية بإنهاء العنف القائم على النوع الاجتماعي في آسيا، إن وضع ثمن للعنف الأسري يمكن أن يساعد في إقناع الحكومات بالتحرك حين لا تقتنع بحجج حقوق الإنسان.
وأضافت أن إبراز تكلفة العنف ضد المرأة التي يتكبدها الجميع تتطلب أدلة إضافية. وأشارت إلى أن هذه الدراسات أثرت على السياسات في العديد من الدول.
ومكّنت دراسة أجريت سنة 2012 في فيتنام من زيادة الاستثمار في الرعاية الصحية للناجيات وخلق وعي أفضل بتداعيات العنف المنزلي الأوسع.
وكانت أستراليا ونيوزيلندا وأيرلندا من بين عدد قليل من البلدان التي حددت إجازة لضحايا العنف.
وتقدم كولومبيا للشركات حوافز مالية لتوظيف النساء المتضررات من العنف، بينما فُرضت على الشركات البرازيلية حماية الوظائف لمدة ستة أشهر إذا كانت الناجيات في إجازة.
وتحتاج الدول العربية التي تعاني أيضا من نسبة مرتفعة من العنف ضد النساء إلى برامج مماثلة لإعادة تأهيل الناجيات من العنف وإعادتهن إلى دورة الإنتاج في الدول.
ويزيد العنف المنزلي من التغيب عن العمل، ويؤثر على الانضباط والتركيز، مما يقلل من الإنتاجية.
ووجدت دراسة استقصائية أن كل موظف خسر أكثر من 11 يوما من العمل سنويا بسبب العنف، بينما خسرت شركة واحدة وحدها ما يقدر بنحو 26200 يوم سنويا.
وأصبحت بعض الشركات الكبرى تنظر في الدور الذي يمكن أن تلعبه في معالجة هذه القضية. ووجدت دراسة حديثة أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة على 22 من أكبر الشركات البريطانية أن العديد منها تقدم الدعم كالعمل المرن والإجازات الخاصة والمساعدات المالية.
وفي الثاني عشر من ديسمبر الماضي، احتفى الوسط الحقوقي والنسوي المصري بقانون جديد لتغليظ عقوبات التحرش الجنسي، وذلك بعد يومين فقط على انتهاء الفعاليات السنوية لمناهضة العنف ضد المرأة، والتي تبدأ منذ الخامس والعشرين من نوفمبر، وتستمر لمدة ستة عشر يوما.
ولكن قبل أيام على انتهاء تلك الفعاليات، وقعت جريمة أحدثت صدى واسعا، إذ قُتلت امرأة شابة على يد زوجها بعد عامين فقط من زواج من المفترض أنه توّج قصة حب. وبهذا انضمت إلى 158 سيدة وفتاة، قتلهن العنف الأسري والمجتمعي في النصف الأول من عام 2023، بخلاف 471 جريمة عنف أسري ضد النساء، سواء كن مسنّات أو رضيعات، وهو رقم يتجاوز ما سبق رصده منذ عام 2020.
وعادة ما يتم الترويج لمزاعم عديدة لتفسير ازدياد العنف، أهمها دور الأزمات الاقتصادية في تصاعد الجرائم في المجتمع، والتي تروح ضحيتها النساء كالعادة. رغم أن الكثير منهن يخرجن إلى الشوارع لتحصيل رزقهن ورزق أسرهن، وتلك الشوارع هي أيضا فضاء للتمييز ضدهن وهي ليست موطنا آمنا للنساء، بل قامت بوصفها “حيزا عاما”، على إقصائهن، وممارسة عنف منهجي ضدهن.
وبالتالي فإن خروج النساء المكثف إلى الشوارع، وتعرضهن للعنف، يرتبط بكونهن عاملات إلى حد كبير، وهن لا يعانين فقط من الاستغلال المزدوج في العمل (لأنهن عاملات ونساء في الوقت نفسه) بل أيضا من العنف الذكوري المتأصّل في المجتمع المصري، الذي يطالبهن بالخروج للعمل، بلا حقوق مترسخة، يستغلّ عملهن، ثم يحيطهن بالعنف والعار، لأنهن غادرن ما يفترض أنه “موطنهن الطبيعي”، الذي يجب أن يبقين فيه لخدمة الزوج والعائلة، وتربية الأولاد، وتقديم أفضل ما يستطعن من عمل مجاني.
كان من المتوقّع أن خروج النساء إلى الشارع، بوصفهن قوة عمل، سيمنحن قوة اجتماعية، إلا أن ما تم رصده فعليا هو أشكال صادمة من العنف والاستغلال.

1