أحدث الأخبار
السبت 02 تموز/يوليو 2022
رهن خطبة الفتاة بسمعة أسرتها عقبة في طريق زواجها!!
بقلم : أحمد حافظ ... 09.04.2022

*يرتهن العديد من الفتيات للسمعة السيئة لأسرهن فيتأخر زواجهن أو لا يتم أصلا حتى ولو كن ذوات جمال صارخ وأخلاق عالية، ما يجعلهن يقدمن تنازلات بغاية جذب العرسان. ويرى استشاريو العلاقات الأسرية أن هذا السلوك يعتبر خطوة تؤدي إلى التعاسة الزوجية وانهيار العلاقة مع الشريك، لكون الفتاة وافقت على الارتباط ليس بهدف الزواج كمؤسسة اجتماعية، بل لإثبات أنها امرأة تصلح للزواج.
القاهرة- يقول المثل المصري الشهير “اقلب القدرة (إناء للطبخ) على فمها تطلع البنت لأمها”. هكذا زُرع في أذهان الأسر عبر عصور طويلة أن الفتاة نسخة طبق الأصل من أمها في كل شيء، السلوكيات والأخلاقيات والمزايا والعيوب والطباع، وأن الأم لو كانت صالحة ستكون ابنتها مثلها، أو العكس إذا كانت تتسم بصفات سيئة.
ودفعت العديد من الفتيات فواتير باهظة بسبب هذه النوعية من الأمثال الشعبية، حيث يتمسك المجتمع بأن يتم رهن خطبة البنت بسمعة أسرتها، أمها تحديدا، حيث لا تزال هناك عادات وتقاليد حاكمة لمراحل الزواج عند أغلب العائلات في مصر، والسؤال أولا عن أسرة الفتاة من حيث الطباع والسلوك والسيرة بين الناس.
وتوجد فتيات في مراحل متقدمة من العمر دون زواج ليس بسبب أخلاقهن أو تدني مستواهن التعليمي بل لوجود انحرافات في عائلاتهن، كالأب أو الأم أو الأخ، ويرفض الكثير من الشباب الزواج من هؤلاء الفتيات مهما كان التزامهن الأخلاقي ومستوى جمالهن، لأن الفتاة دائما ما تؤخذ بجريرة أسرتها عند التفكير في خطبتها.
وصلت آية زين الدين إلى سن الأربعين ونادرا ما كان يتقدم لها شاب لخطبتها، وعندما حدث ذلك ثلاث مرات ذهب الشباب الثلاثة بلا عودة، لكنها من داخلها تعرف السبب جيدا، فأمها امرأة سليطة اللسان، عنيفة مع زوجها، سيئة السلوك مع جيرانها، وسيرتها على ألسنة السيدات في محيطها الاجتماعي ليست على ما يرام.
وتعمل آية ممرضة في أحد المراكز الطبية، وتقول لـ”العرب” إن ذنبها الوحيد أنها ابنة لأم سيئة السلوك، مع أنها تختلف عنها كثيرا، وتصطدم معها بسبب أفعالها، لكن كل أسرة تسأل عنها قبل أن يتقدم ابنها لخطبتها من الطبيعي أن يكون السؤال الأول عن أمها بحكم أنها ورثت منها الطباع والسلوك، وهذا غير صحيح.
وطباعها
وتتذكر آية عندما قالت لها صديقتها “كنت أنوي خطبتك لشقيقي، لكن أمي قالت إن مشكلتك الوحيدة في أمك”، وهو السبب نفسه الذي لا تزال تعاني منه، رغم مظهرها الجذاب وسيرتها الطيبة بين زملائها ومحيطها السكني، أزمتها في كونها تعيش وسط بيئة ظالمة تحاسب الفتاة على تصرفات أسرتها وقد تعاقب بالعنوسة الأبدية.
وتنتشر ثقافة السؤال عن أهل العروس قبل التحري عنها شخصيا في المناطق الريفية والشعبية والقبلية بمصر لقناعات كثيرة بين العائلات في هذه الأماكن، بينها أن العلاقة الزوجية لا تكون بين فردين، لكن مصاهرة ونسبا بين عائلتين وسمعة هذه العائلة تهم الأخرى والعكس، لذلك يكون التوافق بين الزوجين آخر ما تهتم به عائلة الشاب.
وتنشغل أسرة الشاب أيضا بطبيعة الشخصية التي تُسيطر على مقاليد الأمور داخل أسرة الفتاة، فإن كانت الأم فهي بذلك امرأة مسيطرة لا تحترم زوجها وتنصب نفسها في مكانة الرجل، وقد تكون ابنتها ورثت منها هذه الطباع، وهنا يتم رفض استكمال إجراءات التقدم لخطبة الفتاة دون السؤال عنها، لأن هذا لن يفيد.
وقالت أسماء عبدالعظيم استشارية العلاقات الأسرية بالقاهرة لـ”العرب” إن تقديس المجتمع للأمثال الشعبية سبب رئيسي في محاسبة الفتاة على أخطاء أمها عند الزواج منها، مع أن هناك أمهات سيئات السلوك ولديهن فتيات بصفات حسنة وقدوة لغيرهن، لكن ثمة من يفضل الابتعاد عن هذه الفئة خشية الصدام مع العائلة وقت الخلافات الزوجية مستقبلا.
وغالبا ما تتم تحريات ما قبل الزواج عبر أكثر من شخص موثوق فيه ويكون الاهتمام الأكبر بسمعة الأب والإخوة والأم في محيط العمل والسكن، وبعد تجميع المعلومات ومطابقتها يتخذ الشاب وأسرته القرار النهائي، أما السؤال عن الفتاة فيأتي في مرحلة لاحقة، وقد يصعب الزواج منها ولو كانت مثالية الجمال والخُلق.
وقبل أيام تقدم عبدالله محمد وهو اسم مستعار لشاب يعمل في جهاز حكومي هام بمصر لخطبة فتاة قال عنها لـ”العرب” إنها بالغة الجمال وتكاد لا تسمع صوتها من هدوئها ورصانتها، وطوال جلسته الأولى معها كان يسأل نفسه عن سر عدم زواج فتاة مثل هذه إلى اليوم، رغم أنها قاربت على بلوغ الثلاثين عاما.
خرج الشاب من منزل الفتاة يتمنى الزواج منها، وقرر منح نفسه مهلة للسؤال عن أسرتها، فكانت الصدمة أن والدها يتعاطى المخدرات، ولأنه يعمل بوظيفة أمنية تصعب فيها مصاهرة شخص مثل هذا، فكان قراره الانسحاب وإبلاغ الوسيط بأنه لا نصيب من إتمام الخطبة وأدرك حينها لماذا تعطل زواج هذه الجميلة.
وتفضل بعض الفتيات تقديم تنازلات في القبول بأزواج غير متكافئين معهن، تعليميا واجتماعيا وفكريا، حتى يتخلصن من البيئة المحيطة التي تحكم عليهن بالوصمة بسبب سمعة أسرهن، المهم أن يهربن من شبح العنوسة والمطاردات الكلامية لهن.
ويرى متخصصون في العلاقات الاجتماعية أن الاعتقاد الراسخ لدى أغلب الأسر بأن سلوكيات العائلة أهم من طباع الفتاة نفسها عند إجراء تحريات ما قبل الزواج تتسبب في ممارسة ضغوط نفسية غير محدودة على الفتيات في المجتمعات التي لا تزال تقدس العادات والتقاليد والطقوس القديمة خلال الزواج، ودفعهن إلى تقديم تنازلات ليكون لهن نصيب في تكوين أسرة.
وأوضحت أسماء عبدالعظيم أن الحكم على الفتاة بتصرفات أمها أو أيّ شخص من أسرتها ظلم كبير قد يحرمها من الحد الأدنى لمقومات الزواج السعيد، لأنها عندما تتنازل وتقبل بشاب يتقدم لخطبتها وهي غير مقتنعة به، فهي بذلك لا تسعى لتكوين أسرة راسخة بقدر ما تهتم أولا بالهروب من الجحيم الذي تعيش فيه، والمفترض أن يتعامل الناس مع الفتاة بذاتها وطباعها، فلكل إنسان شخصيته.
وقد تكون تنازلات الفتاة التي تقبل بالزواج للهروب من سوء سمعة أسرتها أول خطوة في طريق التعاسة الزوجية وانهيار العلاقة مع شريك حياتها، لكونها وافقت على الارتباط لأن هدفها الأول إثبات نفسها كامرأة تصلح للزواج، ولأن تأخر سن الزواج للفتاة في المناطق الريفية والشعبية تحديدا يجعلها موصومة وفاقدة للأهلية الزوجية.
ومهما كان أحد أفراد الأسرة هو سبب تعاسة الفتاة في زواجها، باعتباره سيء السمعة، فهي تتحمل وحدها هذا الذنب من سمعتها الشخصية ويصنفها المجتمع المحيط بأنها غير صالحة للزواج وتحمل المسؤولية، ومن كثرة عيوبها لا يتقدم لخطبتها أحد وتؤخذ بجريرة أسرتها، وفوق كل ذلك تتحمل الضغوط النفسية والعصبية من وراء المطاردات اللفظية التي تجبرها على تقديم المزيد من التنازلات.

*المصدر : العرب
1