أحدث الأخبار
الأحد 25 شباط/فبراير 2024
خطّة التهجير في أوجها!!...
بقلم : سهيل كيوان ... 05.12.2023

مرّة أخرى أعلن عبد الفتّاح السيسي رفضه لتهجير الفلسطينيّين إلى سيناء، رغم أنّه الموقف الطبيعيّ جدًّا من رئيس أيّ دولة كانت، فما بالك برئيس أكبر دولة عربيّة وجارة لقطاع غزّة الّذي خسرته مصر في حربها عام 1967 لصالح الاحتلال الإسرائيليّ، الأمر الّذي يعني أنّ مسؤوليّتها تجاه قطاع غزّة مضاعفة، إضافة إلى وجود عشرات آلاف العائلات المختلطة من المصريّين والفلسطينيّين من أهالي قطاع غزّة.
لا شكّ أنّ لدى أهالي قطاع غزّة قدرة على التحمّل أكثر من غيرهم، يستمدّونها من الإيمان في القضاء والقدر، ومن ظروف الحياة القاسية الّتي مرّ بها أكثرهم، ومن الحروب الكثيرة الّتي مرّت بها أجيال بعد أجيال، والحصار الطويل، كلّ هذه المعاناة إلى جانب الإيمان والعقيدة بما يتعلّق بأرض الرباط وحماية المقدّسات والقدس والأقصى بالذات، وقضيّة أكثرهم كشعب طرد من وطنه عام 1948 يسعى لتحقيق العدالة الّتي يؤمن بها كحقّ له، هذا جعلهم أكثر صبرًا من غيرهم، وأكثر استعدادًا لتقديم التضحيات، ولكنّ هذا لا يعني أنّهم قادرون على التحمّل إلى ما لا نهاية، فهم بشر، وما يجري في مدنهم الأكثر اكتظاظًا في العالم، ليست حربًا عاديّة مثل بقيّة الحروب، الّتي قد يقتل فيها بضع مئات من المدنيّين بالخطأ، أو بأوامر من قائد ميدانيّ مجرم، ما يجري في الواقع هو حرب إبادة ضدّ المدنيّين، وهذا بعدما اعتبر السياسيّون والعسكريّون في إسرائيل عدم وجود أبرياء في قطاع غزّة، فاستباحوا القتل بدون تمييز بين عسكريّ ومدنيّ، ولا بين كبير وصغير ولا ذكر وأنثى.
موقف السيسي ضدّ التهجير جيّد وطبيعيّ، ولكنّه في الواقع لا يكفي لمنع التهجير، فقتل المئات يوميًّا، ودفن مئات أخرى تحت الأنقاض، ثمّ مطاردة النازحين بالطائرات حيثما توجّهوا وحيثما لجأوا وارتفاع أعداد الجرحى وضرب المستشفيات ومراكز الأونروا والمدارس بالصواريخ والتجويع وغيرها، كلّ هذا يعني أنّ إسرائيل تخيّر الناس بين التهجير أو الموت، وعمليًّا فإنّ مخطّط التهجير يجري على قدم وساق، ربّما لن يستطيع الناس الدخول إلى سيناء، فيموت عشرات آلاف أخرى منهم أو فتح خيارات أخرى للهجرة، وقد يتحوّل فتح الحدود إلى سيناء هو الموقف الأكثر عقلانيّة وإنسانيّة.
لا أحد يدعو السيسي أو أيًّا من هذه الأنظمة العربيّة أن تتحمّل أكثر من طاقتها، ولكن بإمكانها أن تفعل أكثر بكثير ممّا فعلت حتّى الآن في الساحة الدوليّة وبطرق سلميّة، ولديها الكثير من أوراق القوّة من علاقات في مختلف المجالات ومصادر قوّة، ولها في دول أجنبيّة يقودها أحرار أسوة حسنة،
ولكن يبدو أنّ أكثر الأنظمة سلّمت بالأمر الواقع الّذي يفرضه نتنياهو، وإن كان على مضض، إضافة إلى أنّ بعض هذه الأنظمة يأمل وينتظر سحق المقاومة، حتّى ولو كان الثمن سحق وتهجير مئات آلاف الفلسطينيّين.
لن يتراجع نتنياهو، ومن معه عن هدفهم بسهولة، حتّى مع ارتفاع الخسائر البشريّة والاقتصاديّة، لأنّ التراجع عن الأهداف هزيمة، ولهذا تسعى القيادة من خلال الغارات وهدم الأبنية على السكّان إلى إحداث فوضى لتفقّد حكومة حماس سيطرتها على الوضع، وتسجيل الانتصار المأمول، أوّلًا لاستعادة شعبيّته، وثانيًا لتثبيت رؤيته الّتي طالما تحدّث عنها في منع إقامة دولة فلسطينيّة بين النهر والبحر، لا مع سلاح ولا منزوعة السلاح وتخفيف أكبر عدد ممكن من السكّان في هذه المناطق!
شرائح واسعة في العالم خرجت للتظاهر تضامنًا مع الشعب الفلسطينيّ، وطبعًا من ضمنها الشعوب العربيّة، ولكنّ أنظمة العرب، وعلى رأسها نظام مصر اكتفوا بإعلان رفض التهجير وقتل المدنيّين، ووصفوها بأنّها غير مقبولة، وربّما بتنديد أشدّ لهجة بين نظام وآخر، ولكنّهم لم يستخدموا أيّ ورقة ضغط حقيقيّة لوقف هذه المجزرة، وخصوصًا موقف مصر والأردنّ والمغرب الّذين بإمكانهم الضغط أكثر بكثير لوقف المجزرة.
السيسي بدلًا من الضغط الحقيقيّ لوقف الحرب بصفته يقود دولة إقليميّة لها علاقات سلام مع إسرائيل، فقد أعلن السيسي رؤيته إلى حلّ القضيّة الفلسطينيّة من خلال إقامة دولة فلسطينيّة منزوعة السلاح! لكن كيف سيحدث نزع السلاح هذا؟
يعرف السيسي أنّ المقاومة تفضّل الموت على تسليم سلاحها، فهل يعني أنّه ينتظر انتصارًا إسرائيليًّا ساحقًا على المقاومة ليرغمها على الاستسلام وتسليم أسلحتها، ومن ثمّ البدء في تحقيق رؤية الدولة منزوعة السلاح الّتي يتحدّث عنها! وهل هذه الورقة الّتي تحمّلها مصر لوقف التهجير والمحرقة الّتي تكتوي أرواح مئات آلاف الفلسطينيّين في نيرانها!

1