أحدث الأخبار
الاثنين 19 آب/أغسطس 2019
الأمل واليأس في السياسة: الحالة العربية !!
بقلم :  د. لبيب قمحاوي  ... 08.04.2019

إذا كان هنالك من يعتقد بأن معجزة ما سوف تهبط من السماء وتُغَيِّر المسار السلبي للأحداث في وطننا العربي فهو واهم لأن عصر المعجزات قد إنتهى ولا يوجد أي مخرج من هذه الأزمات سوى توفر الإرادة والعمل الجاد والرؤيا الواضحة ضمن حالة من التكاتف الوطني والقومي .
لا يريد أحداً أن يفتح الباب لمزيد من التشاؤم لأن الحياة بلا أمل هي أقرب ما تكون إلى الجحيم . ولكن ، وفي الوقت نفسه ، لا يريد أحداً أن نبني آمالاً وقصوراً في الهواء لأن هذا بالضبط ما يفعله كل نظام حكم عربي لشعبه . إن الأوهام والآمال العريضة الجوفاء هي وراء معظم الصدمات التي تعاني منها الشعوب . والتغيير كان دائماً شكلياً ولا يصب في الجوهر . فكلما جاءت حكومة جديدة مثلاً لفظها الشعب بإعتبارها خارج نطاق المطلوب واستمراراً للمسيرة السابقة . وكلما جاءت حكومة لعنت ما قبلها بإعتبارها المسؤولة عن ما يعانيه الشعب من مآسي . كل هذا والحاكم القاهر المستبد باقياً في مكانه دون تغيير . فمقاليد السلطة والولاية التنفيذية حتى ولو كانت معقودة نظرياً ودستورياً للحكومة ، إلا أن مقاليد الحكم الفعلية تبقى بيد جهة أخرى وهي قصر الحاكم . والحكومات العربية بذلك أصبحت نظرياً تملك السلطة ولكنها لا تملك أن تحكم فعلاً بموجب تلك السلطة ، الأمر الذي يفسر الكثير مما نحن فيه من تخبط وآمال مفقودة وحكومات لا تملك من أمرها شيئاً وحكاماً متوحشين في فرديتهم وأنانيتهم وإستبدادهم .
إستعادة الشعب لولايته المفقودة وإن كان أمراً مُلِحاً إلا أنه يزداد صعوبة بحكم إستفحال سطوة الأمر الواقع من جهة ، وارتقاء العديد من المسؤولين للمناصب الحساسة ومنها رئاسة الحكومة والوزارة وهم لا يملكوا من الشخصية السياسية والقاعدة الشعبية والالتزام الأمين بأحكام الدستور ما يؤهلهم للتصدي لمسؤولية العمل على إستعادة الولاية العامة للشعب من خلال نظام حكم ديموقراطي منتخب ، وإعادة تفعيل النصوص الدستورية خصوصاً تلك المتعلقة بالولاية وبالفصل بين السلطات التي يحرص كل حاكم مستبد على جمعها في شخصه الكريم .
ما العمل في ظل هذا الخراب المستفحل في مؤسسات الدولة ؟ ربما يراهن بعض المسؤولين إما على خضوع المواطن لواقع الحال ، أو على ملَلْ المواطنيين من تكرار الحديث عن الفساد الكبير السياسي والمالي وإستعمال ذلك الشعور بالملل كوسيلة لوقف الحديث عن ذلك الفساد واعتباره وكأنه غير موجود أو كأن التصدي له وعلاجه قد تم فعلاً ، أو أنه قد إستفحل إلى حد إستحالة العلاج بالوسائل السلمية .
إن القدرة على تولي المنصب وتركه عندما يحين الأوان دون محاولة للتجديد من خلال تعديل القانون أو الدستور أو التلاعب بالأنظمة هو المِحَكّ الحقيقي لديموقراطية المسؤول وأمانته الوطنية . ولكن يبقى السؤال فيما إذا كان هنالك أي أمل في إحداث تغيير سلمي حقيقي في نهج الحكم وفي إعادة الحياة لدولة القانون والتعددية السياسية في العالم العربي ؟
الأمر لم يقف عند حدود الحكام والأنظمة ، إذ تعاني الحركة الوطنية والقومية أمراضاً أقرب ما تكون إلى الأمراض التي تعاني منها الأنظمة المستبدة نفسها . فرؤساء أو أمناء الاحزاب خصوصاً العقائدية منها ، يريدون الإحتفاظ بمناصبهم إلى الأبد حتى لو كانت رعيتهم بالعشرات أو المئات القليلة. والأوصياء على العمل الوطني أو القومي يريدون الإحتفاظ إما بمناصبهم أو بنفوذهم حتى ولو بلغ الوصي من العمر عتيًّا ، وكأنه يريد أن يأخذ ما تبقى من مؤسسات العمل الوطني أو القومي معه إلى القبر . الخلط بين العام والخاص أصبح بحكم تفشي الاستبداد شيئاً واحداً . واختلطت الأوضاع بذلك على صاحب الأمر كل في موقعه والذي أخذ يتعامل مع المال العام أو القضايا العامة وكأنها مالاً شخصياً أو قضايا شخصية ، تماماً مثل أنظمة الاستبداد والفساد . وما تعاني منه تلك الأنظمة من أمراض أصبحت أقرب ما تكون إلى مسار عام يسعى الكثيرون إلى تقليده والإقتداء به ومنهم العديد من قادة العمل السياسي الجماهيري العربي كما أسلفنا .
لقد صَبَرَ العرب وتجرعوا بالرغم عنهم ما رفضت شعوب أخرى إبتلاعه من السموم والويلات التي ترافق نهج الفساد والإستبداد والإستهتار بِقيَم الشعوب والقانون الإنساني ، وإلى الحد الذي فاض به الإناء . وقد آن الأوان لأن ينحني أولئك الحكام العرب المستبدون لرغبات شعوبهم ومطالبهم المحقة . لقد آن الأوان أن يتَبادل الحكام االفاسدين الأدوار مع الشعوب التي يحكمون وأن يتحملوا مسؤولية التغيير وعبئ الإنقاذ بعد أن شاركت الشعوب في تحمل عبئ الرذائل والمفاسد التي أورثها أولئك الحكام لهم مما أوصل الحال العام إلى الحضيض .
فما جرى ويجري الآن في الجزائر والسودان وما جرى من قبل ذلك في كل من مصر وليبيا واليمن وإلى حد ما في الأردن يشير إلى أن الشعوب العربية التي تفتقر إلى آليات عمل شعبي وديموقراطي لفرض الإصلاح أو التغيير قد لجأت إلى سياسة "الإنفجار الشعبي العام" الذي قد يطيح بأشخاص النظام المقصود وقد لا يطيح بالنهج أو بالنظام نفسه ، أو قد يؤدي إلى إنفجار الوضع بشكل قد يطيح بكل شيء . ولكن الدروس المستفادة تؤكد على رغبة الشعوب في تغيير الأمر الواقع وعدم الإستسلام له من خلال الإصرار المستمر والمتنامي على رفضه مهما طالت المدة كما حصل ويحصل في الجزائر مؤخراً ، وما زال يحصل في السودان . فالجزائريون مثلاً لم يكتفوا بإستقالة الرئيس ولكنهم يصرون على تغيير النهج ورموزه بشكل كامل مع الإصرار على أن يتم ذلك بالطرق السلمية ومن خلال الضغط الشعبي المتواصل . وهذا الأمر بحد ذاته يضع أسس النهج الجديد للتغيير والذي يجمع بين الإصرار والشمول والمسار السلمي ووضوح الرؤيا والأهداف .
ما نحن بصدده إذاً هو نهج تراكمي لدى الشعوب في مجابهة نمط من الحكام الذين يصرون على الإستمرار في نهج الإستبداد والتعسف والفساد ورفض أي مطالب مُحقة للتغيير . ومحاولة إرهاب الشعوب وتخويفها من إحتمالية إنهيار الأمن والدولة هو أمر قد تم تجاوزه من خلال التجارب الأخيرة في الأردن والجزائر بعد مرارة ما حصل في أقطار عربية أخرى .
النتيجة في أي مسار هي الكلمة الفيصل ، والنتيجة كما هو واضح حتى الآن ستكون وَبالاً على العرب عموماً وعلى الفلسطينيين والأردنيين خصوصاً ، ولا يوجد في ساحة العمل السياسي والجماهيري العربي الآن ما يؤشر إلى توفر الرغبة أو القدرة على التصدي لهذه الحالة من الإنهيار العربي العام بهدف منع فرض أي مسار إستسلامي على دول وشعوب المنطقة مما يستدعي الإقتداء بتجربة الشعبين الجزائري والسوداني في مسعاهم للتغيير .
إبتدأ الحكام والمسؤولين العرب مؤخراً في إتباع نهج التوسل والرفض الخجول والإعتراض الشكلي على ما يعلمون أنه قادم ، وعلى محاولة التنصل منه أو من تبعاته ليس بهدف منعه ، ولكن لتبرير موقفهم الضعيف والمتهالك و محاولة التنصل من أية مسؤولية تجاه ما هو قادم . ومحاولة خلق أجواء شعبية لتأييد الموقف النظري للحاكم لا تعني أن الحاكم سيقف ضد ما هو قادم ، يقدر ما يعني خلق أجواء توحي بأن الحاكم غير موافق على ما هو قادم . إن الإيحاء بوجود شيء لا يعني أن هذا الشيء موجود ، والحكام كانوا دائماً مواكبين لمسيرة ما هو قادم وإن كان ذلك بصمت وخِفْية عن الشعوب . الحديث هنا لا ينحصر في "صفقة القرن" ولكنه يتجاوزها إلى مستقبل العالم العربي بشكل عام وإصرار تلك الأنظمة على إعتبار إستمراريتها في قيادة دول هذا العالم العربي أو ما قد يتبقى منها هي الأولوية الحقيقية والأهم بالنسبة لهم ، وليس إنتهاج سياسات تؤدي إلى وقف الإنهيار ومنع الآخرين من التعدي على حقوق ومصالح العرب الوطنية والقومية .
إن التلاعب بالعواطف من خلال شعارات علنية رافضة في شكلها وموافقة في جوهرها هي سمة المرحلة الحالية والتي تمهد لتبرير التعامل مع ما هو قادم بإعتباره أمراً مفروضاً وليس مقبولاً . إن هذا النمط من التلاعب بالكلمات والعواطف لن يؤدي إلا إلى المزيد من التفريط بالحقوق العربية تحت مسميات مختلفة ، خصوصاً وأن الشعوب لا ترى من حكامها أي جهد حقيقي لمنع ما هو قادم أو تغييره ، ومؤتمر القمة العربي الذي عُقِدَ مؤخراً في تونس كان في ذلك السياق .

1