أحدث الأخبار
الجمعة 27 تشرين ثاني/نوفمبر 2020
أجيال عدم الاكتمال في رواية وليد عثمان “جمر”!!
بقلم : أحمد مصطفى ... 13.11.2020

بلغة بسيطة، اقرب للغة الصحافة منها للغة الفلسفة المعقدة، يحكي وليد عثمان في روايته “جمر” ويروي أكثر مما يهندس معمارا أدبيا عميقا. لا يعني ذلك أن الرواية تفتقر إلى الدراما، أو تهمل البناء التقليدي لهذا الصنف الإبداعي، إنما هي أقرب لكتابة سيناريو وتركيب مشاهد لفيلم سينمائي فيه راو وحوار.
من النادر أن يقرأ المرء عملا مرة واحدة، لكن هذا ا حدث مع رواية “جمر” ليس فقط لأنها جاذبة ولا تشعرك بملل ولا لبساطتها وسلاسة أحداثها بل ربما لأنها نسيج من حكايات تحسبك خبرتها في الدنيا بالفعل. ورغم أن أحداث الرواية في أغلبها تقع في المدينة، أو المهمة منها على الأقل، إلا أن جور الرواية في العموم “ريفي أكثر منه حضري”.
ليست مهنتي النقد الأدبي، ولست ملما بأصوله باعتباره فنا لا يقل أهمية عن الانتاج الأدبي فهو بالفعل إبداع موازي. لكن من زاوية قارئ مهنته الكتابة “السيارة” يمكن تلمس بعض الدلالات الأساسية في رواية “جمر”. أولها أن “جمر القلوب” الذي جاء منه اسم الرواية ليس فقط ما يتعلق بالحب والعشق بين رجل وامرأة، ولكنه قد يكون جمرات أكثر اتقادا في علاقة المرء بذاته وعلاقة الفرد بمحيطه، من ناس وأماكن وغيرها.
لكن الجمرة الأهم، في رأيي طبعا، في رواية وليد عثمان هي تلك التي تخلفها البدايات مفتوهة النهاية. أو لنقل بابتسار هي جمرة “عدم الاكتمال”. تلك المشروعات الفردية والجماعية والعامة في كل مناحي حياة البشر التي تبدأ ولا تكتمل، بل وأحيانا تؤد في مرحلة التفكير والتخطيط. ولعل ذلك ما يجعل قارئ الرواية يجد نفسه ومحيطه ومجتمعه فيها، ليس في صور الشخصيات في الحكاية ولا في ملامح وأجواء الأماكن، بل في المشروعات التي لم تكتمل.
لعل الابداع في حد ذاته فعل غير مكتمل، فهو ليس عملية انتاج مادي تتم عبر مدخلات ومخرجات بمعايير ثابتة تحدد القيمة والجودة. لهذا تجد الأعمال الفنية الجيدة وكأنها “ناقصة”، وهي ليست في الواقع كذلك .. إنما هي تفتح آفاقا للاكتمال بمزيد من الابداع في مسار غير خطي تحدده نقاط المبدعين في كافة صنوف الفن حسب موهبتهم وقدراتهم وخبراتهم في مجاله.
ربما يصعب الحكم على وليد عثمان كروائي من قراءة عمل واحد له، لكن الرواية تنبئ بوضوح عن “حكاء”ماهر، قد لا يكون رسمه لشخصياته مثل ميلان كونديرا ولا سرده لخلفية أحداث روايته مثل غابرييل غارسيا ماركيز ولا حتى مشاهد الحياة العامة كروايات صنع الله إبراهيم – الذي يعتمد طريقة التقارير الصحفية في الرواية – لكنه بارع في الحكي. والحكي في رواية جمر اقرب لحواديت السمر في قرى الريف بين الفلاحين، لكنه في الوقت نفسه وبدون افتعال أو فجاجة حكي عن العصر والزمن والسياسة والمجتمع والحب والصداقة .. وفي أغلبها مشروعات غير مكتملة.
هل هناك جمال خفي في عدم الاكتمال؟ هل تنتقل البدايات التي لم تصل إلى نهايات من جيل إلى جيل؟ هل في الفشل “حلاوة مرة”؟ وغيرها من التساؤلات التي يمكن أن يخرج بها القارئ من رواية “جمر”. لكن التساؤل الأهم سيطون، هل اكتمل الحكي؟ بالطبع لا .. فالعمل الفني الذي يجعلك “تكتفي” ليس ابداعا عظيما، فالابداع الحقيقي هو ما يفتح آفاقا جديدا ويزيد عطش المتلقي للمزيد ويحفز للسعي نحو طبقات أعلى ومجالات أغني من هذا الفن أو ذاك.
مرة أخرى، ليس هذا بتحليل لعمل أدبي ممتع في قرائته بغض النظر عن أي دلالات أو استنتاجات، إنما هو عرض “انطباعي” لما وصلني من قراءة رواية “جمر” لوليد عثمان، غذافة طبعا إلى استمتاع بالحكي حتى وإن كان عن أحداث وأمور عشتها بنفسك وفاتتك تلك التفاصيل التي يسردها الراوي.

1