أحدث الأخبار
السبت 08 آب/أغسطس 2020
كمال جنبلاط بين السياسة والصحافة… تاريخ متفاعل مع الأحداث !!
بقلم : عبد الرحمن مظهر الهلّوش  ... 07.07.2020

بيروت: تكمن أهمية كتاب «كمال جنبلاط والصحافة تاريخ متفاعل مع الأحداث» لمؤلفه عماد معضاد شيّا الصادر حديثاً عن الدار العربية للعلوم ناشرون، 232 صفحة في تناوله شخصية كمال جنبلاط (1917- 1977)، ومسيرته السياسية والفكرية والصحافية، حيث دور الصحافة بمفهوم كمال جنبلاط، ليس تقنياً فقط، إنما تفاعلي ديناميكي في الأساس، وقد تبوأت مكانة مهمة في تراث كمال جنبلاط، مسألة الحريات والحقوق الفكرية والصحافية، أحداث وقضايا ومسائل أخرى، تفاعل معها كمال جنبلاط في كتاباته ومنشوراته المتنوعة. يتألف الكتاب من تمهيد وأربعة فصول وخاتمة.
*تاريخ آل جنبلاط
مع نهاية القرن السابع عشر، بدأ آل جنبلاط بلعب دور محوري في إمارة جبل لبنان، واضطلع بشكل خاص بهذا الدور الشيخ علي جنبلاط، الذي سُمِّي تيمناً بجده علي جانبولاد، حيث شدد الدكتور خليل أحمد خليل في كتابه «كمال جنبلاط: ثورة الأمير الحديث»، على أنّ «حاكم حكاري في تركيا شمس الدين وأخاه بهاء الدين ومنتشى حملوا اسم عائلة جانبولاد (روح الفولاذ بلغة الكرد). ويعتبر سليم الهشي أنَّ جذور كلمة «جانبولاد» تعود إلى القرن الثالث عشر (ص 45). ويؤكد المؤرخ بولس قرغلي على أساس الوثائق التاريخية للإمبراطورية العثمانية وتوسكانا الإيطالية في عام 1938، بِأَنَّ «علي باشا جانبولاد، مؤسس إمارة في سوريا، كان واحداً من الأوائل الذين مارسوا الاستقلال عن الدولة العثمانية في بداية القرن السابع عشر، وبناءً على مبادرته، تم إبرام أول معاهدة صداقة مع أوروبا». وفي دراسته يوحي فرغلي بشكل أو بآخر، بوجود صلات عقيدية، إلى جانب العلاقات السياسية بين الأمير فخر الدين المعني الثاني (1590- 1632)، وجانبولاد. وقد أسفرت معركة عيندارة (1712) عن ترسيخ النفوذ الشهابي. لكن انتصار الحزب الجنبلاطي، بقيادة الشهابيين لم يكن مريحاً للأمراء، الذين سارعوا إلى تبنِّي سياسة الحكم العثماني في لبنان، القائمة على زرع الفتنة، وتوسيع الشقاق بين الناس لتدعيم حكمهم. وهنا تكمن بداية الانقسام بين الحزبين اليزبكي والجنبلاطي. وبنتيجة الصِدام الذي حصل بين الشيخ قاسم جنبلاط والأمير يوسف الشهابي، بسبب تعسف الأخير والضرائب الباهظة التي فرضها، ومنها ما عرف بـ»الشاشية»، قرّر المشايخ الدروز وبمبادرة من الشيخ قاسم جنبلاط أن يصبح الأمير بشير الشهابي الثاني (1867- 1850) أميراً على لبنان. وكان الأمير بشير الشهابي الثاني أول أمراء لبنان، الذين تخلوا عن انتماءهم الإسلامي واعتنقوا المسيحية من باب الطائفة المارونية. وقد تبعه بذلك معظم أقاربه في لبنان. ونتجت عن تحوّل الأمراء الشهابيين إلى الكنيسة المارونية، تبعات وعواقب سياسية كبيرة. وهذا التحول أكسب الطائفة المارونية التفوق السياسي على الجميع، وفتح باباً للتدخل الغربي في لبنان. وكانت أولى تلك التبعات الفتنة الطائفية الأولى بين الدروز والموارنة (1841- 1842). كان الأمير بشير الشهابي قد تحالف مع الباب العالي من جهة، ومع والي مصر من جهة ثانية، ليتفرّغ إلى جمع نقاط القوة، ويمسك مفاصل السلطة، ويضعف النفوذ السياسي للأوساط الدرزية الأرستقراطية بين سكان البلاد. ويشير قسطنطين بازيلي القنصل الروسي في بيروت آنذاك، في كتاب «سوريا وفلسطين تحت الاحتلال العثماني»، إلى أنَّ الأمير بشير الشهابي، يدين لآل جنبلاط وللشيخ بشير جنبلاط بشكل خاص بالكثير. فقد استخدم الشيخ بشير جنبلاط، إمكانياته وعلاقاته بين مشايخ الدروز، لانتخاب بشير الثاني أميرا على لبنان.
وقد اضطلعت نظيرة جنبلاط أرملة فؤاد جنبلاط، وهي المرأة الأولى في تاريخ آل جنبلاط والدروز التي أخذت على عاتقها عبء الزعامة الدرزية، لمدة ثلاثين عاماً (1921- 1951).
*الولادة والجذور
على بعد بضع عشرات من الكيلومترات من بيروت، ثمة مكان مألوف لدى اللبنانيين، يعرفونه منذ الطفولة، من خلال قصص الأهل وكبار السن، أو من خلال الأغاني والقصائد والأهازيج الوطنية. ولهذا المكان رمزية خاصة في وعي اللبنانيين، إنه «المختارة»، البلدة التي تقع في قلب منطقة الشوف في جبل لبنان، حيث أبصر كمال جنبلاط النور، ويُحتضن فيه اليوم رفاته. في قصر المختارة التراثي الذي أُنجز بناؤه في نهاية القرن الثامن عشر، في منطقة الشوف البعيدة عن صخب المدينة وضجيجها، ولد كمال جنبلاط في يوم شتوي ماطر، 6 كانون الأول/ديسمبر 1917، في كنف عائلة متحدّرة من أصول قديمة، تغوص جذورها بعيداً في عمق التاريخ، وتتقاطع وتتشابك مع تاريخ العرب والعباسيين والكرد والأيوبيين. في بعض الأحيان تكون السعادة العائلية قصيرة المدى، ومضللة مثل سكينة الأماكن الخلاّبة في جبل لبنان، قبل هبوب العاصفة. كذا يبدو شبح الموت القاسي الذي تعوّد أن يحوم حول عائلة جنبلاط. في عام 1921 قُتل فؤاد جنبلاط، والد كمال، عندما كان ابنه بعمر 4 سنوات، وابنته ليندا بعمر أقل من سنتين. وبشير، جد كمال جنبلاط، أُعدم عام 1825 في عكا بعمر 50 سنة، وابنه سعيد مات في سجن الأوزاعي بالعمر ذاته تقريباً عام 1861. إنَّ غياب فؤاد جنبلاط المفاجئ، وهو في منصب قائم مقام منطقة الشوف في جبل لبنان، لم يصب فقط عائلته الصغرى، بل كان له أثره على المصير السياسي للطائفة الدرزية والزعامة الجنبلاطية. وقد اضطلعت نظيرة جنبلاط أرملة فؤاد جنبلاط، وهي المرأة الأولى في تاريخ آل جنبلاط والدروز التي أخذت على عاتقها عبء الزعامة الدرزية، لمدة ثلاثين عاماً (1921- 1951).
*الطفولة
في السنوات الأولى من عمره، أظهر كمال جنبلاط تواضعاً غير عادي، في تعامله مع الأشخاص المحيطين به. في معرض العوامل المؤثرة في نشأة كمال جنبلاط وتكوينه الفكري والسياسي، لا يستطيع المرء بالطبع أن يتجاهل أولئك الأشخاص الذين أحاطوا به في طفولته وكان لهم تأثير كبير عليه. الشخصيات كانت مغمورة وغير معروفة، ومن بينها المسيحي عيسى الخوري (1907- 1983) الذي رافق كمال جنبلاط لمدة 50 عاماً، ماري سلوم، معلمة اللغة الفرنسية، إيفون ستيرك، سويسرية الجنسية، مربية ومعلمة. وبناءً على اقتراح صديق العائلة، المطران أوغسطين البستاني (1887- 1957)، واصل كمل جنبلاط رحلته نحو المعرفة في مدرسة عينطورة، حيث رافقه البستاني إلى هناك، حيث أصبحت الكتب الدينية ومنها، الإنجيل والقرآن الكريم زاده اليومي. وفي مرحلة لاحقة، انجذب بشكل خاص إلى كتب الحكمة، التي تحتوي على التعاليم الفلسفية للموحدين الدروز. هذه الكتب المنسوخة بخط اليد ويتم الاحتفاظ بها بعناية وتوريثها كالمجوهرات من جيل إلى جيل. كان كمال جنبلاط يمارس تأملاته الروحية في تلة تعلو «دارة المختارة» بارتفاع حاد يبلغ 300 متر، حيث يستقر في بيت قروي، مضيئاً شمعة في خلوته، ولم يفصح جنبلاط عن سر تلك الشمعة وأكد «هذا السر الوحيد الذي احتفظ به لنفسي». يرتبط التوحيد الدرزي بجذوره الأكثر قدماً بمدارس الفلسفة المصرية واليونانية القديمة، وعقائد الفيدانتا الهندية والصوفية الإسلامية.
*الزعامة الدرزيّة
تابع كمال جنبلاط دراسته في فرنسا، وقد انخرط بحماس في دراسة علم الاجتماع، وعلم النفس والفلسفة والتاريخ، وتأثر في تلك الفترة بالتراث الصوفي الإسلامي ابن عربي، الحلاّج والبسطامي، وبوجهات النظر الفلسفية لكل من بلونديل، جيمس، وكارل ماركس، وكذلك المفكرين الألمان الذين استخدمت أعمالهم من قبل المنظرّين للفاشية. وقد أرخت أجواء الحرب العالمية بثقلها على فرنسا، وأجبرت كمال جنبلاط على العودة إلى وطنهِ، ومتابعة دراسته في كلية الحقوق في جامعة القديس يوسف في بيروت. في هذا الوقت، ظهر تأثير الأفكار الاشتراكية السان سيمونية، الطوباوية، من خلال رغبة كمال جنبلاط عدم الانتظار طويلاً لتطبيق مبدأ العدالة والمساواة. عَمِلَ كمال جنبلاط بعد تخرّجه في مكتب إده للمحاماة، ومن ثم تبوأ منصب محامي الدولة. لكن ممارسته مهنة المحاماة لم تدم لفترة طويلة. في ظل تلك الأجواء دخل كمال جنبلاط معترك الصحافة، حيث تعاون في الفترة الأولى، مع العديد من المنشورات والصحف التي وصفته بـ»الصحافي المعارض». ومن خلال بعض الصحف المختلفة الاتجاهات استطاع أن ينشر رأيه وأفكاره ويعرض مواقفه تجاه المستجدات السياسية والقضايا الفكرية المطروحة في أربعينيات القرن الماضي. انضم كمال جنبلاط أكثر من مرة، إلى الحكومة اللبنانية، وكان كمال جنبلاط قد أسس أول حزب اشتراكي في تاريخ لبنان، الحزب التقدمي الاشتراكي، ولم تتأخر السياسة حتى اقتحمت حياة كمال جنبلاط كقدر محتوم. في عام 1942، توفي حكمت جنبلاط، ابن عم كمال جنبلاط، ومن هنا انتقلت القيادة الدرزية والزعامة الجنبلاطية إلى كمال. هكذا رآه عماد شيّا، عن حق، دخيلاً على السياسة بحكم الظروف والانتساب العائلي.

٭ كاتب وصحافيّ سوري..المصدر : القدس العربي
1