أحدث الأخبار
الثلاثاء 18 كانون أول/ديسمبر 2018
الطيب دخان: أين أنت يا عمر….؟
بقلم : الطيب دخان ... 18.06.2018

وحدى كنت أحاور صمم الليل وبكمه وحلكته الدامسة.. كان يهمس لى بأحاديث شتى ،ذات شجون، بعضها يؤرقنى، والبعض الآخر يؤنسنى ويواسينى فى وحدتى، والثالث يبكينى، وكانت بعض كلماته عبارة عن ألغاز وطلاسم يصعب فكها!!.. كان يغطينى ببرده القارس، ويلحفنى بصقيعه وزمهريره، وكانت تختلج ذلك الصمت والهدوء أصوات بعيدة عنى، حاولت الإصغاء إليها، فإذا هى أنين وتضورات للغلابة والجائعين شكاوى، وأنّات للثكالى، وصراخ وبكاء للأطفال الصغار، ولا «عمر» يسمعهم، لأن خلفاءنا اليوم لا يطوفون فى الهجيع الأخير من الليل متفقدين رعيتهم،فهم بالعكس قد ملأوا بطونهم وناموا فى قصورهم المحكمة الغلق، بأبواب من زبر الحديد مذاب عليها القطر أو النحاس حتى لا يخترقها صوت أو يتخطاها أحد!!..
شبيهة أسوارها بسد يأجوج ومأجوج، فمن أين تصلها هذه الأنّات وهذه الصرخات والتأوهات، ومن يتولى نقلها للولاة، فالكل معزول عن السمع، كان الطقس بارداً جداً وزوابع الثلج تصقع وترعش جسدى، غير أن حرارة الحروف ولظى الكلمات المضطرمة نيرانها فى داخلى، والمتفاعلة كالبراكين فى أحشائى باحثة عن كوة أو فجوة تقذف منها حممها نحو الخارج، لأتولى طبعها على صفحات الورق – أنستنى برودة الليل وصقيعها.. وحده القلم والورقة صديقاي الأوفياء اللذان يأبيان مفارقتى حتى فى خلوتى وهجعتى ولجوئى إلى الفراش!..
فأين أنتم أيها الشعراء والفلاسفة والكتاب والأدباء؟.. أين صراخكم وضجيجكم؟.. هل أرداكم قهر هذا الزمان وظلمه صرعى؟.. ما بالكم أيها الزعماء والمفكرون والساسة؟.. هل جمدت أفكاركم وكسرت أقلامكم وطويت صحائفكم؟.. إلى متى هذا الجمود، وإرادة الشعوب تقهر وأصواتها واختياراتها تصادر أمام مرأى أبصاركم ومسمع آذانكم، ونحن لا نسمع لكم ركزاً ولا حساً ولا خبراً؟..
كيف تريدون أن تسوسوا شعوباً وتحكموا أوطاناً وتقودوا أمماً بصمتكم وخذلانكم وولائكم وتطبيلكم وإقبالكم على الموائد والولائم؟.. تنادون بالديمقراطية والعدالة والحرية والمساواة فى المناسبات فقط، وكأنكم مأجورون عليها، أو مرغمون على ذلك!.. ها أنا أصرخ فى وجوهكم بملء صوتى، ويصرخ معى كل الغلابة المقهورين فى شتى الأوطان والأزمان.. لا.. وألف لا.. لديمقراطية المناسبات الانتخابية، ومعارضات انتهاز الفرص، لتبوؤ الرتب واعتلاء المناصب والكراسى على حساب الغلابة والمقهورين والضعفاء والفقراء من أبناء الشعوب العربية…!
قم ياعمر ترى أمة الخليج إلى المحيط قد تمزقت وتفرقت إلى عصابات تتناحر فيما بينها وتقاتل بعضها البعض ، في معظم أقطارها ، يشردون وييتمون أبناءهم ،ويثكلون نساءهم ،ووديان الدماء سائلة في كل بقعة من تلك البقاع ، فلا بلاد الرافدين قد سلمت ، ولا الشام نجا من ويلات التعصب والفتنة المذهبية …
ماذا أقول لك وأنت الذي قلت “والله لوعثرت بغلة بالعراق ، لسئلت عنها لماذا لم تسوي لها الطريق ياعمر …؟” فالآن وبعد وفاتك ورحيلك علينا بقرون …أؤكد لك بأنها لم تعثر إلى الآن ولو بغلة واحدة …..؟
ولكننا قتلنا الملايين من بني جلدتنا ،وخربنا الدور والبساتين ،وأضرمنا النيران في المزارع والحقول ،وهدمنا البيوت على رؤوس الأطفال والشيوخ والنساء …
وهجرنا نصفنا إلى بلاد الغرب حيث الأمن والأمان… والعيش الرغيد والحرية وحقوق الإنسان …ولأطمئنك فقط حتى لاتقلق على أبناء وبنات المسلمين ف”أنجيلا ميركل ” قد رحبت بجميع اللاجئين وقالت لنا مثلما قال لكم النجاشي ذات يوم “أنتم شيوم في أرضي من سبكم غرم ،ومن آذاكم غرم “
وفرنسا أيضا قد رحبت بالقرار لكن بشرط أن تتعرى نساؤنا ويتخلين عن خمرهن وجلابيبهن ، ويكشفن عن الصدور والسيقان …
لأنه وبإختصار قد أضحى في أوطاننا العربية لا أمن ولا أمان …سوى هدير الطائرات ،وأصوات المدفعية والقنابل ،والنيران تشتعل في كل مكان ….؟
أما بيت المقدس التي تركتها لنا وأوصيتنا بها خيرا وقلت لنا “أن من سره أن ينظر إلى بقعة من بقاع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس “
فإنها مصانة جدا لقد تخلينا عن الوديعة لليهود ، وهم الآن يحفرون الأنفاق تحت المسجد الأقصى ، وقبة الصخرة ويباشرون الحفريات بحثا عن الهيكل المزعوم ، كما أنه محمي أشد الحماية من المسلمين حتى لايعيثون فيه فسادا بصلاتهم ودعائهم ، والحراسة مشددة عليه جدا وكل شيء يمر تحت المراقبة حتى عدد المصلين فيه محدود ، كما أبشرك بأنها مؤخرا قد أعلنها الإمبراطور الجديد للولايات المتحدة الإمريكية عاصمة لليهود ، حتى لانفكر مرة أخرى في إستعادتها أو إستردادها منهم ، وكل هذا مقابل صفقات من السلاح قد منحنا أياه لحماية أنفسنا من أنفسنا …لكن بشرط ألا نستخدم هذا السلاح ضد بني صهيون ،أو نروعهم به ، فهو فقط للدفاع عن مماليكنا وإماراتنا ولمكافحة الطامعين في الحكم من بني جلدتنا ، لأن الفتن قد كثرت والماردون والمارقون عن حكمنا قد كثروا وانتشروا في سائر أقطار أمتنا العربية ،فلم يعد فيها قطر من الأقطار ينعم بالسلم والأمان والأمن والإستقرار….
وهؤلاء العصبة قد دربتهم الولايات الإمريكية وسلحتهم بأموال نفطنا المدرار ، حتى تكسر بهم ما تبقى من قوة لدى بعض الجيوش العربية التي كانت تهدد أمن وسلامة شعب الله المختار….
غيرأنهم عتوا وتمردوا عن أوامرها وصاروا يهددون أمن وسلامة كل الأقطار ، ويهددون مصالح إمريكا والدول الغربية في المنطقة ، فماكان عليها إلا أن تطلب منا المزيد من الأموال ،والعدة والعتاد من أجل القضاء عليهم وبالتالي إستنزاف كل مالدينا من مال ورجال وتخريب مالدينا من أوطان …وتهديم ماتبقى من الديار….
حتى يقيم اليهود دولتهم الموعودة “دولة إسرائيل من الفرات إلى النيل ” ونصير نحن خدما وعبيدا لهم وهم سادة القرار ….؟
ها أنا أيها الفاروق قد سردت عليك حال أمتنا وما آلت إليه أوضاعنا اليوم بعد ما كنا سادة للإرض .. وقدوة للعالمين في العلم والعدل والأخلاق، …..
وبكل إختصار هذا ماكان يدور في مخيلتي وأنا أفكر فيما آل إليه حال أمتنا من تمزق وتشرذم وما أصابها من ذل وهوان ، وكان خاطري يشكوا في رسالة يمليها علي للفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه والذي بلغت الأمة الإسلامية في عهده أوج قوتها وانتشر فيها العدل والأمن والأمان حتى أن رسول ملك الروم عندما قدم إليه ووجده نائما وحده تحت ظل الشجرة ولاحراس عليه …قال له “السلام عليك ياعمر ،عدلت ،فأمنت ،فنمت ….”

* الجزائر
1