عاجل
  • العريش..مصر : مقتل وإصابة عشرات المصلين في تفجير مسجد بسيناء !!
  • دير الزور..سوريا : مقتل وجرح العشرات في قصف روسي على ة حسرات ومنازل للمدنيين في قرية الجرذي بريف دير الزور الشرقي!!
  • باريس .. فرنسا : الانتربول ينقذ 500 شخص في مداهمات لمكافحة تهريب البشر!!
  • القاهرة..مصر : اخر صرخات العهر السعودي : الدول المقاطعة لقطر تدرج “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” على قوائمها لـ”الإرهاب”!!
الجمعة 24 تشرين ثاني/نوفمبر 2017
حكايات حبّ في جحيم الاستبداد والمجازر!!
بقلم : المثنى الشيخ عطية ... 01.10.2017

«رقصة القبور» للروائي السوري مصطفى خليفة
ربما كان الروائي السوري مصطفى خليفة محقاً بتقديم روايته الثانية، بعد «القوقعة»، فيما يشبه توضيح أسباب وأسلوب كتابته لهذه الرواية، لما تثيره خلال وبعد متعة قراءتها من تساؤلات حول الحقيقة والمتخيَل فيها، سواء على صعيد الشخصيات في تطورها أو على صعيد المكان كمسرح مدهش يتخطى الواقع، أو على صعيد التاريخ، «كما حدث، أو كما يمكن أن يحدث» وفقاً لما سمح الكاتب لنفسه بالتصرف فيه، تحت إغواء عسل الخلق والتمني: «ماذا لو»، ولكن لإنصاف الكاتب، من دون إقحام شرحي يحاول التأثير فيه على فهم القارئ ويشكل طعنة في الظهر من يده لروايته.
وربما يكون القارئ محقاً في تساؤلاته تحت تأثير هذا العمل الضخم الممتع عن حدود هذا التصرف، وعن صحة مآل تطور الشخصيات والأحداث، في الحقيقة والمتخيل، لأن التساؤل يضيف له في الحقيقة متعة إضافية غير مدرَكة تتأتى من التفاعل المدرَك مع أحداث وشخصيات الرواية.
رواية «رقصة القبور» عمل فني ضخم، كتب كما يبدو لكي يكون شجرة لا تتميز بما تكونت من جذور وساق وأغصان وأوراق، فحسب، بل أيضاً بما تطمح إليه من ولادة تفرعات، يوضحها العنوان الثانوي: «السرداب» تحت العنوان المظلة، على طريقة «مدن الملح». كذاك يوضحها أسلوب الروي الممتع الذي يفتح باباً ينشق عن سراديب ومداخل ومخارج وواحات وشواطئ رملية، تتموج عليها أجساد متفتحة تحت الشمس، وساحات، ومجازر، على طريقة ألف ليلة وليلة، التي يذكرها خليفة بإشارة صريحة في الصفحة 109: «وسط الحديقة البديعة جلسنا ثلاثتنا، أحضر لنا معيوف شاياً معطراً بالمسك، ومع رشفات الشاي ونفثات سيجارتي حضرتني أجواء ألف ليلة وليلة». ولا يُنقص هذا بطبيعة الحال إبداعية الرواية حيث يبدو واضحاً ابتكار مصطفى خليفة لشجرته الخاصة به، وبأسلوبه الذي عهده القارئ في رواية «القوقعة» التي تحبس الأنفاس.
وكما يبدو فإن هذا العمل كتب، وليس مهماً بقصدية أو بطلاقة إبداعية، لكي تتعدد اعتباراته لدى القراء، من معتبر له روايةً عن مآل نظام حافظ الأسد الاستبدادي ــ دون ذكر اسمه ــ في سوريا بطبيعة التطور التاريخي إلى نظام طائفي قاتل. ومن معتبر له رواية عن مآل اليسار وشخصياته في سوريا: إلى بقاء على خط الكفاح الشعبي الديمقراطي تكرسه علمانيته، أو انتهازية متحالفة مع نظام الاستبداد يولدها خوفه، أو تطرف عبثي مسلح وإن كان في المتخيل تتيحه لوثاته. أو معتبر له رواية عن سوريا، وتطورها، ضمن صراعات أطراف قبيلة قريش التي كانت تسيطر على الجزيرة العربية في الجاهلية وبداية الإسلام، ونقلت مع فتحها لها هذه الصراعات، كبلد متعدد الأعراق والطوائف والمذاهب، والمجازر التي تفتح شهية القبور للرقص. وبين كل ذلك، يمكن اعتبارها أيضاً ببساطة، روايةً عن الحب الذي تعصف به وبعشاقه الأحداث السعيدة والمريرة، فتغيره وتغيرهم، من دون أية أوهام أو تمنيات عن الحب.
على صعيد الحكاية، ينجح مصطفى خليفة في نسج حكايات تمسح الكثير من أشكال الحب وأشكال الزواج وإشكالاتهما، في ظل مختلف أنماط الصراعات السياسية والدينية والاجتماعية والطبقية، ويسمح للخيال أن يطلق صوره في ظل السؤال: «ماذا لو»، ليحلّ بالتحليل وبالخيال مشكلة «الصدفة الغبية التي تلعب بمصائر البشر: ماذا لو وصلت رسالة مريم إلى سلام في وقتها، ولم تلف الكرة الأرضية وتتأخر بفعل الخطأ دزينة من السنوات، ماذا لو وصلت في وقتها؟ وأي طريق كان سيرسم مسيرة حياة سلام؟ ومريم التي كانت متيقنة أن فارس أحلامها سيهب مسرعاً إليها لينتزعها من الجحيم؟ وليثير بذلك الكثير من الأسئلة حول مآل الحكاية، ومآل شخصياتها. كما ينجح في نسج حكاية تعبر عن واقع وتحليل الصراع المذهبي والطائفي في سوريا، من خلال مصير نسل خالد بن الوليد، قائد جيش الإسلام الذي هزم الإمبراطورية البيزنطية في سوريا، ومعاناة هذا النسل من مذابح الأمويين فالعباسيين، فالنظام الطائفي وابتكاره لطرق النجاة والاستمرار في الحياة والتكاثر. ولا يتم هذا بالاعتماد على وثائق التاريخ الذي لا يقدم شيئاً من خلال غوغل، والوثائق غير المكتشفة؛ بل أيضاً من خلال تحليل الكاتب الشخصي، وخياله الذي يوحد مصائر البشر والتكوينات على حد سيف مجازرهم، بعضهم ببعض. وهذا يتم دائماً من خلال الحكايات الممتعة التي يتداخل فيها الحب المفتوح الذي يعصف بالجسد ليغير الروح، في تشابك ممتع يشبه ما يجري في ألف ليلة وليلة، لكن بحداثة الرواية، وأسلوب الكاتب.
على صعيد الشخصيات، ينجح مصطفى خليفة في عرض شخصيات آسرة، على رأسها سليلا خالد بن الوليد: الشيخ عبد الهادي آل الشيخ، ذروة ما يصل إليه «أهل الخطوة» من قدرة في التحكم والتخاطر، والحكمة؛ وابنه سلام، المناضل والقائد اليساري والصديق والعاشق الذي يرسم لنفسه مصير بطل تراجيدي في ساحة مجزرة مروعة، وابنته عفراء التي مثل جميع نساء آل الشيخ لا ينبت على جسدها ما تحت الحاجب أي شعر حتى على عضوها التناسلي. لكنها المرأة التي تعرف كيف تثير وتنمي وتقود الرجل بالحب، ليقيم لها ضريح ملكة. ويتبع ذلك شخصيات الراوي نفسه الذي لا يرد اسم له في الرواية ليثير التساؤل هل هو الكاتب أم شخصية مناضل يساري ديمقراطي آخر، أم هو شخصية مركبة من كل ذلك. هنالك أيضاً شخصيات آسرة مثل الألماني هانس الذي يكرس حياته لإثبات أن الإنسان سيتطور إلى كائن من دون شعر، ملاحقاً أسطورة بنات آل الشيخ، ومحموماً أن يرى جسد واحدة منهن لإثبات نظريته. وهناك شخصية الضابط الألماني النازي ألويس برونر الذي علّم حافظ الأسد، ووجهه كيف يحكم وكيف ومتى يجزر لكي يحافظ على حكمه، بتوسع تحليلي في مطامح هذه الشخصية، وهناك شخصية الدكتاتور حافظ الأسد، الذي يصوره كما صوره الذين عرفوه حقيقة، كشخص بليد وجبان وحقود، لكنه خبيث وسفاح. ولا يمكن تجاوز شخصيات النساء: حبيبة الراوي لميس التي تطرح إشكالية الزواج الأحادي، وتريد أن تعيش حياتها وحبها دون قيد؛ وشخصية مارال، حبيبة وزوجة ورفيقة بطل الرواية الأول سلام، التي تثير التساؤل بتحولها من مناضلة في حزب يساري ستاليني، إلى ديمقراطية في تحولها مع هذا الحزب، إلى متطرفة تقود كفاحاً مسلحاً عبثياً، إلى سحاقية بعد مرورها بتجربة سجن النساء، لكن دون نسيان مبررات الكاتب لهذه التحولات، مثل نشأتها كمناضلة تعاني من مرض الطفولة اليساري، واغتصابها في السجن أمام زوجها الأسير، من قبل ضابط في مخابرات الأسد.
على صعيد المكان، الذي تتبلور وتتطور فيه الشخصيات، وتمر الأحداث، وإضافة إلى السجن، ومدينة حلب، ينجح مصطفى خليفة في ابتكار بلدة «الخالدية» التي سنخفق في إيجادها بمحرك بحث غوغل، لأنها بلدة كما يبدو متخيلة ابتكرت لتكون مسرحاً للخيال في شروده نحو القصور، وسراديب الكنوز، وضفاف الأجساد الهادرة بنهر الرغبة، وخوفه من ساحات المجازر. لكننا سنجد العزاء لمخيلتنا في العديد من القرى والبلدات السورية التي تضم أجزاء الخالدية، ولن تكون بعيدة حارة الكيلانية بمدينة حماة التي كانت تعتبر قطعة من روعة القرون الوسطى، ودمرها حافظ الأسد فوق أهلها واقعياً في مجزرة حماة، لتأتي هي وغيرها في الرواية خيالاً لمجزرة حدثت وستحدث دائماً، ما بقيت أنظمة الاستبداد.
وعلى صعيد القارئ سوف لن يعدم الكاتب من يخالفه في تحليله لتطور بعض الشخصيات، ومن يتحسس من عرضه العاري لدواخل النفس، ومن تتولد لديه متعة الانتقام من الأحزاب اليسارية إثر تجربة مريرة ما، ومن يستمتع ببساطة دون حكم، ومن يكتب عنها بعض ما يراه مفيداً ومثيراً للاهتمام.
*مصطفى خليفة: «رقصة القبور»
دار الآداب، بيروت 2016
319 صفحة.

1