أحدث الأخبار
الأربعاء 17 تشرين أول/أكتوبر 2018
«وأطوف عارياً» للروائي المصري طارق الطيب: بنية عميقة مدهشة خلف سرد شاعري شفاف!!
بقلم : المثنى الشيخ عطية ... 26.08.2018

ما الذي تطلبه الرواية في مديح ظلها العالي، أكثر من سيلان دمعك وأنت تنهيها بغبطةِ انسجام الروح، وهي تشهد أبهى ما يكون من ختامٍ لتلاقح الأكوان، وتعيشُ فتنةَ جعلها طرفَ معادلةِ وحدة الرواية/ القارئ، بعد أن عاشت، على مدى ثلاثمائة صفحة ونيف، نعمة القراءة المتفاعلة للتناغم الأخاذ بين الشكل والمضمون في وحدتهما، التي تتحقق فقط على أيدي من يدخلون شاطئ الكتابة عراة إلا من الشمس:
«تقول نادين إن مينا اتصل يعتذر لتأخره نصف ساعة. تبتسم شهدة وتضع الصندوق بينهما على المائدة المنخفضة وتخلع إيشاربها الأزرق، فيظهر رأسها عارياً لامعاً بلا شعر. تسألها نادين في جزع: «حبيبتي! هل أنت بخير؟»، «نعم بكل خير، لا تقلقي يا حبيبتي!» تكمل وهي تفتح الصندوق الأبيض: «هديتي لك، شيء من قلبي وروحي!». تصمت نادين عاجزة عن فهم ما يحدث، بينما ترفع شُهدة الهدية بين يديها كمن يقدم قرباناً.
تسيطر موسيقى الجاز على الغرفة بضوئها الخافت المريح. تفتح نادين الهدية بأصابع هادئة وعينين متعجلتين، تمسك الهدية بين يديها، ترفعها بينهما عالياً لينسدل الشعر الغزير مهتزاً مكتنزاً بالحياة، تلتقي أربع عيون لامعة دامعة…
ما إن يدخل مينا مبادراً بالاعتذار عن التأخير حتى يشعر كمن هوي به من مائة طابق في ثانية ورفع لألف طابق بعدها بثانية.
تحت الضوء الخافت شُهدة واقفة إلى جوار نادين. من وجهِ واحدةٍ منهما تطل ابتسامة مفعمة بطيبة أصيلة وعذوبة نبيلة، وتلتمع عينا الأخرى بألق ناعم عصي على الوصف».
الحبيبة الأولى القديمة شُهدة من القاهرة، الحبيب المشترك مينا المصري/ النمساوي، والحبيبة الثانية الجديدة نادين من فيينا، في رواية «وأطوف عارياً» للكاتب الشاعر المصري طارق الطيب، ثالوثٌ رئيسي فاتنٌ مبلورٌ بحرفية عالية، ومسنود بشخصيات غنيةٍ مدروسة تتحرك متحدة به، دون إقحام حتى لو حملت الشخصية نقل وجهة نظرٍ مُدينةٍ للواقع. ثالوث يتحرك نابضاً بالحياة، في تداخل فني ثري بالمعرفة والتماسك مع الموضوع، لثقافة الشرق، وثقافة الغرب المعروضة من خلال كليات فنون ومتاحف ومكتبات وشخصيات وأمكنة فيينا. وثالوث يتحرك بتداخل سرد الواقع والذكريات، ليخلق مع تداخل سرد الكاتب، مسرحاً لتعايشِ وصراعِ الثقافتين، وعرض بهاء تضاد وتناسق زييهما معاً، مع نزع ثياب تسترهما المخادع على الخشبة، بلعبةِ إبداع فني تتمحور حول العري، بجميع صوره التي تعري الذات والآخر، كي تضعنا عراة أمام أنفسنا، محدقين بما ألبسها أسلافنا وارتضينا لها ما ألبسوها من سلاسل. ليس هذا من أجل تكسيرنا فحسب، وإنما للملمة شظايانا أيضاً، وإعادة أرواحنا إلى أجسادنا في هذا التكسير الملهم الدافع لعيش التناغم الأخاذ الذي يمكننا صنعه، لو تعاملنا بالمواجهة وبالحب وبالقدرة على إخراج ما بداخل صناديقنا السوداء.
في طواف بطله «مينا» عكس عقارب الساعة، من اليمين إلى اليسار حتى في تجواله بمكانٍ أو بمعرضٍ أو بمعايشة لوحةٍ؛ وعارياً، كما الطواف القديم حول الكعبة؛ يبني الطيب روايته، بهيكلية بسيطة تتكون من مبتدأ تحت عنوان الصندوق الأسود، يتبعه واحدٌ وعشرون فصلاً بالأرقام، وخبرٍ تحت عنوان الصندوق الأبيض يتبعه فصل أخير بالرقم 22. وينسج الروائي جدران وأرضيات وأسقف عمارته بسرد شفاف يتناغم بقوة مع محور روايته الذي يتركز حول العري كعامل للتعرية، ويخلقُ العري في هذه الرواية الشفافة بنية عميقة مدهشة مشدودة بسرد شاعري عميق وفاتن. يتمّ هذا سواء عبر شخصية البطل أو البطلة اللذين يسردان، أو من قبل شخص الكاتب الذي يكمل نقص ما لا يكشفانه من أسرار صندوقيهما الأسودين، أو يُبقي الأسرار كماهي لأن: «المقدور عليه ربما هو إزاحة جزء عن الذاكرة إلى حين، فعصمة الإظهار والإخفاء جزء منها بيد صاحب الذكريات، وجزء بيد قدرية لا سلطان له عليها»، ولأن المتعة لا تكتمل ولا تستمر إلا بالنقص والتساؤل كما تشاء لعبة الإبداع.
ويمر هذا الكشف والتكاشف بسرد صور مدهشة لأشكال العري، غنية عميقة ومتواشجة بقوة مع موضوعها، إضافة إلى تميزها بالكشف الثقافي الخلاق عن جذور هذه الأشكال، ليصل هذا الكشف إلى منتهاه بتكامل الشرق والغرب المحبين بهدية الحبيبة الأولى شهدة أجمل ما فيها للحبيبة الثانية نادين التي أذهب العلاج الكيميائي بشعرها.
ومن خلال عمله كموديل عاري في إحدى كليات الرسم في فيينا، وثقافته كفنان محلل واسع المعرفة، وعلاقاته الاجتماعية مع شخصيات متنوعة في فيينا حيث يسكن، يبلور مينا أبعاد العري الذي تتمحور حوله الرواية. ونمر في هذا على الصدام مع النفس عند العمل موديلاً عارياً من قبل رجل شرقي، تجلد ثقافته العري بسيف الحرام، حيث: «غِصتُ في ذاتي عارياً، أتستر بأسئلة ربما تمنحني معنىً للملابس على الجسم ومعنى للحجب، حتى امتحنني سؤال قديم: هل فعلاً كان الحجيج ــ رجالاً ونساء ــ في زمن ما يطوفون حول الكعبة عرايا ظناً بأن الثياب التي ارتكبت فيها الذنوب لا تليق بأن يطاف بها حول الكعبة؟».
كما نمر في تجربة حبيبته شُهدة على تعرية عورة الفتاة قبيل بلوغها، وتدمير ذاتها بإعصار الختان الذي يتجاوز قتل شهوتها إلى قتل روحها.
ونمر على العري في الفن وبالأخص لدى الرسام روبنز حيث: «أتيت من بلاد محملة بألف عيب للعري، موشومة بحتمية الخباء والحجاب والغطاء لكل أنثى، لكن هذا الفن لا يقدم صورة الشهوانية الماجنة الهابطة على إطلاقها؛ إنما ينزع حقيقة البصر نحو البصيرة».
كما نمر على ردود الأفعال حول العري في السينما من خلال فيلم «الخطيئة الأصلية» لأنجلينا جولي وأنطونيو بانديراس، مثلما نمر على شواطئ الجسم المتحرر المعروفة بـ FKK، حيث «فضلت أن أتأمل هذا العالم المدهش. كل الأجسام التي أمامي كانت تتمتع بحريةٍ أضفت جمالاً على المشهد. مشهد إنساني لا يمكن وصفه بالعري. كنت أرى الناس أقرب إلى طبيعتهم وأقرب للطبيعة».
وتصل أبعاد العري إلى آمادها من المرارة في فضح مينا لمهانة العري في توحش الغزاة الأمريكيين لبغداد، حيث في شاطئ العراة «لم أشعر بأي مهانة، لكني رأيت المهانة في تقريرٍ عرض بالصدفة مساء اليوم نفسه على قناة ألمانية عن سجن أبو غريب في العراق». وأيضاً حيث يعيش مينا كابوس ما حدث من اغتصاب للسجناء وتصويرهم: «رأيت شُهدة، كانت زوجتي في الحلم. أوقفوها أمامي وهددوني باستباحتها، لم ينتظروا طويلاً ونفذوا التهديد». وحيث: «في كل مرة كان يغتصبها كنت أرى بطنها ينتفخ من الحبل. استغاثت بي: أتوسل إليك يا مينا اقتلني! اذبحني بعاري يا مينا!». وحيث تصل مهانة العري بالمهان إلى رد الفعل بما لا يشاء: «غضبي العارم أسال جسمي وحوّله لمعدن أبيض في شكلٍ مستدير ضخم… صرت أرتفع وأتخذ شكل قنبلة ذرية ضخمة… قنبلة ترتفع رويداً نحو السماء متجهة بإصرار نحو الغرب».
بحرفية الخبير، وذكاء الربط الذي يسم هذه الرواية، يكمل الطيب بنيته العميقة باختيار إبداعي لزمنها، زمن ثورات «الربيع العربي»، حيث انتشرت ظاهرة الهجرة غير الشرعية، ليكشف دون خوض في السياسة جانب اضطرار الناس قسراً للهجرة من بلادهم رغم مصائر مواجهة دروب موتهم غرقاً أو اختناقاً، ونثرهم جثثاً عارية منتفخة ومنهوشةً من أسماك البحر على الشواطئ. كما يعري زيف السياسة الأوروبية تجاه اللاجئين، ويغوص في جذور العنصرية النمساوية تجاه الأجانب، سواء من خلال مشاهداته وقراءاته أو من خلال ناشطي حقوق الإنسان مثل صديقه النمساوي المختلط مانويل، وحبيبته النمساوية نادين، ويعري تشرش التمييز العنصري في اللغة وفي كتب التراث المقدمة للأطفال. وتلعب الحرفة دورها في نزع ثياب المباشرة عن استخدام هذا الزمن، حيث نعيش، مع مينا منذ بداية الرواية تشويق مصير أخيه الذي غاب بحادث غرق غامض على شواطئ جزيرة لامبيدوزا، وَهَم الخلاص في جنوب إيطاليا.
بالعودة إلى ختام الرواية الدامع المُدمِع البهي، لن يسعنا سوى إعادة الإعجاب بالربط الآسر بين لعبة انكشاف أسرار الصندوق الأسود والحياة التي تنهج سلوك الإخفاء والتجلي في جريانها، وسوى الإشارة إلى ثراء هذه الرواية بشخصيات آسرة تشبع شغف القارئ باكتشافات ذاتية لأبعاد العري في حياته. كذلك لا نملك سوى التحسر لأن المقام لا يسمح بعرض عشرات الاستشهادات المدهشة التي تُبرز شاعرية هذه الرواية وشفافيتها، بدءاً من جملة إهدائها الفاتن إلى ليزي: «لن أتقاسم معك الأحلام، سأهديك النصف الذي لي، ليصبح حلمك مكتملاً».

*طارق الطيب: «وأطوف عارياً»
دار العين للنشر، القاهرة 2018
273 صفحة.

1