أحدث الأخبار
الأربعاء 26 أيلول/سبتمبر 2018
حيرة المشهد والمشاهدين !!
بقلم : سري سمّور ... 06.03.2018

عزفت في الآونة الأخيرة عن الكتابة في الشأن العام (عدا تدوينات عابرة على مواقع التواصل) ليس فقط بسبب مشاغل الحياة والكسل والمزاجية التي تكبلني أحيانا-بلا فخر- بل إضافة إلى ذلك الحذر من التقلبات السياسية والميدانية الشبيهة بتقلبات الطقس في بلادنا هذه الأيام، وآثرت أن أبقى مراقبا للمشهد، مكتفيا بتعقيبات وتعليقات عابرة، لا تخلو من عبثية ممزوجة بحالة تشبه ما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي-ويقال أن سنده فيه ضعف- :فتنة تدع الحليم منهم حيران...هذا الحليم أي كما جاء في بعض شروح الحديث هو الرجل العاقل العالم، فكيف بمن هم دون ذلك؟!
ولأن الكتابة كما يعرف كل من له علاقة بها في أحايين كثيرة هي حالة إدمان جزئي، عدت لأكتب ما يفتح به الله عليَّ ؛ وقد تلبستني حالة من الملل من التحليلات السياسية التي تجتر بعضها، ويغلب عليها التناقض، وتسهم في زيادة الحيرة والقلق لدى العامة والخاصة، وهي على كثرة عددها وعدد من يختصون بالتحدث تحت يافطتها، لا تخرج عن نطاق التعليق ووضع التوقعات وتصور السيناريوهات المتناقضة.
وأعلم هذه الأيام زهد كثير إن لم يكن أكثر الناس في السياسة والحديث عنها، والملل من متابعة أخبارها، ويفضلون الانغلاق والتحوصل في ذواتهم الحياتية اليومية، ولو وضعت مادة مقروءة أو مرئية ذات طابع سياسي جدي، لما حصلت على معشار التفاعل والمشاهدة والرضا بطبيعة الحال، مقابل ما تحوزه مادة ترفيهية أو رياضية أو مطبخية، فالناس أداروا ظهورهم ويحاولون قولبة قلوبهم إلى سبل شتى أيا ما تكن شريطة الابتعاد عن السياسة وما تسببه من صداع، لا سيما وأن المشهد السياسي بحد ذاته حائر، وقادر بسهولة على نقل الحيرة المضاعفة إلى المشاهدين، وبالتالي يؤثر الناس الفرار منه ومن صداعه وأرقه.
ولكن أنّى لنا أن نترك السياسة وهي لا تتركنا؟فنحن لا نعيش في دولة مرفهة مستقرة بعيدة عن النزاعات الدولية والإقليمية تسودها الرتابة في يوميات حياة سكانها، ولا نعيش في دولة من القبائل البدائية أو شبه البدائية، ولا تعرف ولا تريد أن تعرف خارج نطاق معيشتها شيئا عن هذا العالم.
قدرنا أننا نعيش في منطقة محملة بإرث التاريخ والحضارة وعمق الثقافة، وجغرافيتها جلبت وتجلب الصراعات منذ أزمان بعيدة؛ فحتى لو حاولنا الفرار من السياسة بالتشاغل عنها بالمفيد وغير المفيد، لما استطعنا إلى ذلك سبيلا، فالسياسة تلاحقنا وتطبق علينا بتفصيلاتها وتلقي بأعبائها الثقيلة فوق ظهورنا، ولن ترحمنا؛ ويبدو لي بأن محاولة الفرار من السياسة تشبه محاولة الأحياء الفرار من قدر محتوم كالموت أو غيره!
من أين أبدأ ومن أين أنتهي؟وهل المشهد الحائر وجمهور المشاهدين الحائرين يضع حدودا أو تراتبية للبداية والنهاية؟وأي الأسئلة يجب أن تطرح أولا، وما الإجابة الشافية عليها؟فكرت وأنا حائر فازددت حيرة، حاولت بما أعطاني الله من بصر وبصيرة اختراق ضباب المشهد الكثيف فتوصلت إلى ضرورة أن نتوقع كل شيء صعب، وأن ما نراه سيناريو ضمن سابع المستحيلات، هو أقرب للتحقق من السيناريوهات الحالمة المتعقلنة.
سأبدأ من (دونالد ترمب) وسأنتهي به كذلك؛ فهذا الكائن البشري وصل إلى المكتب البيضاوي، خلافا للتوقعات التي يطرحها أكثر المتأنقين ذوي الفذلكات الكلامية، فلا أحد ألقى بالا لمقالة المخرج السينمائي(مايكل مور) التي استشرفت فوزه بناء على أسباب سردها، ولا حتى للفيلم الكارتوني الذي بث قبل أن نعرف هذا المخلوق بحوالي 15 عاما، وبالمناسبة هل هذا الفيلم الكارتوني(عائلة سيمبسون) عرض مجرد (نبوءة) أو توقع عابر دون أن يكون وراء الأكمة شيء لم يتضح حتى الآن؟على كل جاء ترمب وصار سيد البيت الأبيض، وفي هذا بلاء، لأن هذا البيت(الأسود) وبقية مؤسسات بلاد العم سام هي وحدة سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية تكوّن في عالمنا منذ عقود امبراطورية لم يعرف التاريخ لها مثيلا باتساعها المستمد من قوة أدواتها الرهيبة وفاعليتها التي استطاعت اختراق كل الدول والمجتمعات بنعومة وخشونة ومكر سافر أو متخف، وهذه الامبراطورية الأمريكية الطاغية تدعم احتلال وطني بكل قوة منذ أن صار هذا الاحتلال كيانا له أدواته وقوته ومخططاته...نعم فاز ترمب مخالفا أغلب سيناريوهات القراءة الروتينية واستشرافاتها التي ذهبت هباء منثورا.
وأتبع فوزه بعد عام بإعلان تجنَّبه أسلافه؛ والذين بالطبع لم يكونوا بخلاء على الصهيونية، ولكنهم فضلوا ترحيل هذا الأمر بالتوالي، فجاء ترمب ليعلن في 6/12/2017م بكل صلافة وتحدّ أن(القدس عاصمة دولة إسرائيل)...يا إلهي!أيها المحللون والكتبة ومتوقعو السيناريوهات، قلتم بأن ترمب لن يفوز، ففاز، وقلتم بأنه لن يجرؤ على هكذا إعلان، فتجرأ، وكسر خطوطكم الحمراء الموهومة عن هذه الامبراطورية المجرمة وسياساتها وإدارتها.
ثم جاءت حفلة التخدير الجديدة بأن الإعلان سيظل حبرا على ورق، وأن نقل السفارة لن يتم، وإن تم سيكون الانتقال إلى مرحلة نقل السفارة بعد ثلاث سنوات(وكأن هذه الفترة شيئا مذكورا في مثل هذه القضية الحاسمة) فأتبع ترمب إعلانه وضرب ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني في منتصف أيار/مايو موعدا لنقل السفارة...ثم ماذا؟آه،تذكرت فأنتم (وأنا أيضا) تتابعون ما يقال ويكتب عن ترمب وأنه سيصاب بالجنون وأنه سيعزل من منصبه بسبب قضايا حساسة جدا تلاحقه بما فيها طريقة انتخابه ودور الروس أو غيرهم فيها...وحتى ذلك الوقت المأمول -بلا تحديد- لانتقال ترمب إلى مصحة الأمراض العقلية أو السجن أو منزله الفاخر كأفضل توقع في أحلامكم الوردية، يكون قد انتهى الأمر، وعلى رأي أجدادنا في مثلهم المعروف(فات الفوت ما بنفع دب الصوت)!
ولهذا قررت التفكير خارج صناديقكم، ورؤية ما وراء المشهد الحائر بأعين جديدة تختلف عن أعينكم، متلبسا ولو لبرهة دور زرقاء اليمامة، والتأكيد على ما ذكرته أعلاه بأننا يجب أن نتوقع من العدو وظهيره الأمريكي ما هو أسوأ وأصعب وأكثر إيلاما؛ فلا تستبعدوا سيناريو التقسيم الزماني والمكاني(بدأت بوادره منذ مدة) للمسجد الأقصى، وصولا إلى التجرؤ المدعم بجنون العظمة وفائض القوة والطغيان والاستكبار في الأرض إلى هدمه وفق أي (تخريجة) لبناء الهيكل المزعوم داخل ساحاته.
هذه نظريتي الجديدة في رؤية الأمور، قد ترونها خارج المنطق وإطار التفكير الروتيني خاصتكم المبني على أسس تزعمون بأنها علمية؛ فأواجهكم بما سبق بهدف السماح لعقولنا بأن تفكر بطريقة جديدة مختلفة عن تفاؤل بحسن نية أو عقلانية مفترضة لدى القوم، وليس لها ما يبررها في ظل أوضاعنا الإسلامية والعربية والفلسطينية المتردية التي نعرفها جميعا...ولكن ليس هذا من باب التشاؤم بل من باب العقلانية الصرفة، والمنطق السليم في الحكم على الأشياء.
المشهد سيظل حائر ومحيرا فقط لمن حشر ويحشر نفسه وعقله الذي وهبه الله له، فلا يخرج من إطار النظريات المعلبة والسيناريوهات التخديرية...والسؤال هنا:لنفرض أننا فكرنا كذلك، ماذا بعد؟ وما العمل؟والإجابة عندي الآن: حين يطغى هذا التفكير وهذه الطريقة في رؤية المشهد لن تحتاجوا إلى مثل هذه الأسئلة وسيكون الفعل والعمل انسيابيا متدفقا دون كثير من (اللت والعجن)...جربوا هذه الطريقة في التفكير مرة واحدة، مثلما جربتم بتكرار عجيب تجربة طريقة التفكير الكلاسيكية الساذجة التي أوصلتنا إلى هذه الحيرة ونحن نذبح أحياء ونراهن أن الجزار قد يتراجع عن جزّ رقابنا!

1