أحدث الأخبار
الجمعة 19 نيسان/أبريل 2019
اليمنيات ومعركة المساواة: الحرب كذريعة مصادرة وتهميش !!
بقلم : أحمد الأغبري  ... 10.02.2019

شكلت مشاركة المرأة اليمنية في أحداث الربيع العربي 2011 تعبيرا واضحا عن مدى استعدادها لتعزيز مكانتها في الحياة العامة ومسار التغيير، فتصدرت الاحتجاجات، ونالت نسبة في مقاعد مؤتمر الحوار الوطني، وحققت بعض المكاسب. لقد قدمت تلك التجربة أملا في إدماج المرأة على نحو مستدام في قدرات صنع القرار، إلا أن حدة الحرب المستعرة هناك منذ 2015 قد خيبت آمال اليمنيات، وكما هو الحال في بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا، فإن أطراف النزاع في اليمن لم تظهر حماسا لإشراك النساء، بل تنكرت لما قدمته ونالته في المرحلة الماضية “وتم تهميش أصوات النساء بشكل منتظم على المستوى الوطني من قبل جميع الجهات الفاعلة”.
وأظهرت دراسة حديثة، تتبعت معاناة اليمنيات على المستوى الوطني خلال الحرب “تفكك أصوات النساء في جميع أنحاء البلاد مع تصاعد حدة الصراع، وفي المقابل ذهب المجتمع الدولي إلى تبسيط مطالبهن”.
وكشف تقرير، أصدرته وزارة التنمية الدولية البريطانية بعنوان “المرأة والسلام والأمن في اليمن” اطلعت عليه “القدس العربي” عن تأثيرات بالغة القسوة نالت النساء والفتيات في اليمن جراء الحرب.
وكان اليمن، قبل الأزمة الحالية، يحتل المرتبة الأخيرة من (142) دولة في مؤشر الفجوة العالمية بين الجنسين في المنتدى الاقتصادي العالمي “وهو ما يعكس تفاوتات معقدة ومتنوعة تواجه النساء والفتيات في جميع مجالات الحياة هناك، وهي التفاوتات التي تزيد من تعقيد واقعهن تحت نير الحرب” في مجتمع ما زال معظمه تقليديا زراعيا.
وتتبع التقرير البريطاني، مؤشرات الفجوة بين الجنسين منذ منتصف القرن العشرين في شطري البلد، وما كانت عليه عقب توحيد البلد، متوقفا أمام واقع الحرب، وما أسهمن ويسهمن فيه النساء في بناء السلام استنادا لتقييم أدلة تضمنتها دراسات لمنظمات عديدة.
ويشهد اليمن حربا تكمل عامها الرابع بين قوات الرئيس عبدربه منصور هادي، مسنودا بتحالف تقوده السعودية، وبين قوات جماعة “أنصار الله” (الحوثيين). وحولت الحرب البلد إلى “أكبر مأساة إنسانية في العالم” وأصبح 76 في المئة من السكان في حاجة للمساعدات الإنسانية أو الحماية.
وتقع النساء والأطفال في مقدمة ضحايا هذه الحرب. فبينما يقدر عدد النازحين داخليا بثلاثة ملايين شخص حاليا، فإن 52 في المئة منهم يعيشون في أسر تعيلها نساء، و21 في المئة من هذه النسبة تعيلها فتيات دون سن 18 عاما.
وفي سبيل مواجهة فقدان سُبل العيش التقليدية وآثار الوفيات الناجمة عن الصراع، تلجأ الكثير من العائلات اليمنية لاستراتيجيات أكثر قسوة. ونتيجة لتداعيات الحرب ارتفعت معدلات زاوج الأطفال من 52 في المئة من الفتيات دون سن 18 عاما في عام 2016 إلى 66 في المئة في عام 2017، بالإضافة إلى تفاقم أشكال أخرى من العنف القائم على النوع الاجتماعي بسبب الصراع بما في ذلك الاستغلال والانتهاك الجنسيين والعنف المنزلي، بموازاة تزايد القيود الثقافية أمام الحركات النسائية.
الربيع العربي
وتوقف التقرير، الذي نشره موقع “رايلف ويب” التابع للأمم المتحدة، عند أحداث الربيع العربي عام 2011 حيث أتاحت، هذه الأحداث، فرصة غير مسبوقة للنساء في اليمن للمطالبة بدور أقوى في بلدهن. لقد لعبت النساء والشباب دورا أساسيا في تلك الثورة، من خلال النزول للشوارع والمشاركة في الاحتجاجات، وهي مشاركة اعترف بها المجتمع الدولي، وتقديرا لها، تم منح جائزة نوبل للسلام لتوكل كرمان، وما تلا ذلك من دعوات واشتراطات أممية لإدماج النساء في مؤتمر الحوار الوطني عام 2013/2014.
لقد حقق ذلك المؤتمر مكاسب مهمة للنساء، فتألفت لجنته التحضيرية من 19 في المئة من النساء، وتم تخصيص 30 في المئة من أعضائه للنساء، وترأست النساء ثلاث مجموعات من أصل تسع، وانتهى المؤتمر بمناقشة عددٍ من القضايا المتعلقة بعدم المساواة بين الجنسين، وشمل ذلك رفع سن الزواج إلى 18 سنة، ومنح النساء 30 في المئة من مقاعد البرلمان، وإجازة الأمومة المدفوعة، وتجريم العنف ضد المرأة والاتجار بالجنس، وغير ذلك، لكن تم تعليق إقرار توصيات المؤتمر بسبب تدهور الوضع الأمني، لتجهض الحرب تلك المكاسب.
ووفقا للتقرير فإنه مع تصعيد الصراع فقد “تم تهميش أصوات النساء بشكل منتظم على المستوى الوطني من قبل جميع الجهات الفاعلة” مشيرا إلى استبعاد النساء من الجولة الثانية من محادثات السلام في كانون الأول/ديسمبر 2015 (عقدت الأولى في حزيران/يونيو 2015).”وعكس استبعاد المرأة من هذه المحادثات نهجا أوسع نطاقا أخفق أيضا في إشراك الشباب وغيرهم من المجموعات المهمشة”.
ومع ذلك، حصل سبعة أعضاء، من مجموعة ميثاق المرأة من أجل السلام، على دعوة من المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن حينها، إسماعيل ولد الشيخ ، إلى محادثات السلام في الكويت في ايار/مايو 2016 “حيث نقلوا الأولويات الرئيسية بما في ذلك حماية النساء والأطفال، وضمان استمرار التعليم والخدمات الصحية والمطالبة بالإفراج عن السجناء والمحتجزين والمعتقلين. ومع ذلك، اقتصرت النساء على الاجتماعات الجانبية بالتوازي مع المحادثات، منفصلة عن اجتماعات المندوبين الرسميين”. ولم تكن في محادثات الكويت، سوى ثلاث نساء من بين 26 مندوبا، اثنتان من وفد هادي وواحدة من وفد حزب المؤتمر الشعبي العام والحوثيين.
اختلاف المشاركة
واستعرض التقرير الاختلافات في مشاركة النساء في أنشطة بناء السلام من خلال عدد من الأدبيات. ووفقا لأحد النشطاء فإن “ميثاق المرأة من أجل السلام والأمن، الذي أسسته منظمة نساء الأمم المتحدة في تشرين الأول/أكتوبر 2015 في صنعاء، كان يُستخدم لزيادة تهميش مشاركة المرأة، حيث كانت المجموعة التي وضعت الميثاق هي الوحيدة التي تستشيرهن الأمم المتحدة بينما تتنوع المواقف السياسية لليمنيات”.
وتواجه منظمات المجتمع المدني معوقات فرضها الصراع الذي اتسعت مشاكله لتأخذ صبغات طائفية ومناطقية وسياسية ودينية وقبلية، وانعكست على قدرات هذه المنظمات “فغالبا ما يتم تصنيف منظمات المجتمع المدني وفقا لهُويات قادتها”.
كما أن القنوات الرئيسة لصنع القرار المحلي في اليمن – وفق التقرير – باتت مرتبطة بالمشايخ وزعماء القبائل، بالإضافة إلى الجماعات المسلحة في بعض المناطق، وهو ما انعكس على تقليص مساحة صنع القرار المحلي للمرأة.
وعلى صعيد مشاريع الاستجابة الإنسانية كان يُفترض أن تكون المرأة أكثر نشاطا هناك، “إلا أن ما حصل هو أن جميع الأعمال الرامية لدعم حقوق المرأة قد اختفت فجأة، وركزت العديد من المنظمات على توفير الدعم الإنساني لتلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان”.
“النساء انتهازيات”
ويذهب التقرير إلى أن هذا الصراع قد استخدم كذريعة لتهميش المرأة، وهو ما يعكسه رد الفعل العنيف ضد زيادة مشاركة المرأة. فعلى المستوى الوطني، ووفق تقارير كثيرة، فإن استهداف النساء يتم بصورة منهجية بسبب مشاركتهن السياسية. ودلل التقرير بما تعرضت له نساء أعضاء في مؤتمر الحوار الوطني من تهديدٍ علني، وفي بعض الحالات تعرضن لهجوم جسدي، وبعضهن تعرضن للتكفير وأخريات لتشوية السمعة، وبعضهن مُنعن من السفر، بما فيهن اللائي حضرن محادثات السلام في الكويت، حيث تعرضن لحملة في وسائل التواصل الاجتماعي قللت من أهمية مشاركتهن، ويشمل ذلك قول أحدهم إن “النساء انتهازيات” وإن “حقوق النساء غير مهمة بالنظر للوضع المزرى للبلاد”. وأشار التقرير لعددٍ من المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية وثقت حالات تهديد واعتقال تعسفي وعنف ضد المرأة هناك.
وعلى المستوى المحلي، قال التقرير إن النساء يواجهن، أيضا، تهديدات سلامة واسعة النطاق، خاصة مع انتشار الأسلحة ومستويات عالية من العنف الجنسي والنوعي والتهديد بالقتل والإخفاء القسري والهجمات الجسدية واستخدام السجون غير القانونية.
تحديات
ونوه التقرير إلى العوامل التي تسهم في إشراك المرأة في أنشطة بناء السلام والاستقرار في اليمن والمعوقات التي تحول دون ذلك. وفي هذا تحدث عن نظام التعليم الذي شهد هناك تحسنا بين عامي 2008 -2013، مع انخفاض تسرب الفتيات من المدارس من 31 في المئة في عام 2008 إلى 21 في المئة في عام 2013، وانخفاض تسرب البنين من 16 في المئة إلى 8 في المئة خلال الفترة نفسها. وأشارت البيانات إلى تراجع في تلك المكاسب في تعليم الفتاة منذ عام 2013 كما انخفضت معدلات محو الأمية لدى النساء، حيث لم تتعلم القراءة والكتابة سوى 53 في المئة من اليمنيات حتى عام 2013.
كما أشارت تلك البيانات إلى أن 1.9 مليون طفل يفقدون حاليا التعليم في اليمن، وأن أكثر من 4.1 مليون طالب في حاجة للدعم. ومما يزيد من تعقيد الاستثمار في التعليم الثانوي للبنات هناك ارتفاع معدلات الزواج المبكر.
إلى تلك التحديات، فإن المرأة في اليمن، ووفقا للقواعد الاجتماعية، ما زالت مسؤولة عن الطهي والتنظيف، وجمع المياه والحطب، ورعاية الأطفال والمسنين والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة. كما تعمل النساء في أكثر من نصف زراعة المحاصيل، وتمثل أكثر من 90 في المئة من عمالة رعي الماشية، الأمر الذي يعيق قدرتها على المشاركة في الحياة العامة.
الجنوبيات
وكان، المحور الأول من التقرير، اشتمل على عرض لما كانت عليه مشاركة المرأة اليمنية في الحياة العامة منذ ستينيات القرن الماضي. ففي جنوب اليمن وبعد الاستقلال من الاستعمار البريطاني عام 1967 أصبحت حقوق المرأة واحدة من الأولويات من خلال انتهاج سياسة “تحرير المرأة”. وتم تشجيع النساء في الشطر الجنوبي من اليمن حينها على الانضمام للحياة العامة سواء في التعليم أو التوظيف أو السياسة، بغض النظر عن الخلفية الاجتماعية أو العرقية أو العمر أو الحالة المدنية. وصدر، في تلك الفترة، قانون الأسرة “القانون رقم 1 لسنة 1974” والذي حد من المهر “الصداق” وشجع الزواج بحرية الاختيار.
أما في المناطق الشمالية من اليمن (كانت تسمى الجمهورية العربية اليمنية حتى الوحدة اليمنية في عام 1990) فيقول التقرير إنه كان يحكمها تحالف عسكري قبلي “وفق قراءة أكثر تحفظا للشريعة الإسلامية” حتى تم اصدار قانون الأسرة عام 1978 (القانون رقم 3 لعام 1978). وأشار التقرير إلى أن أجندة حقوق المرأة عقب توحيد البلاد أصبحت “أكثر محافظة” وهي المرحلة التي شهدت فيها البلاد مشاكل اقتصادية وحربا أهلية اتسعت معها معاناة الناس، وتراجعت حقوق المرأة، إلى أن اندلعت أحداث الربيع العربي، فتشكل حينها واقع جديد قدمت تفاعلاته أملا بإدماج النساء في مراكز صناعة القرار، لكن حدة الحرب خيبت الآمال إثر تجاهل الحقوق والإمعان في التهميش من قبل جميع أطراف النزاع لتعود جميع مناطق البلاد في علاقتها بحقوق النساء والحريات والحقوق العامة بل وبالمفاهيم الوطنية عموما مسافة طويلة للخلف، وهو ما يضع مستقبل البلد على محك ثقافي وطني إنساني مدني في غاية الخطورة.

1