أحدث الأخبار
الاثنين 23 أيلول/سبتمبر 2019
ليس بوسعي إلا السباحة ضد التيار!!
بقلم : فاطمة ناعوت  ... 21.06.2015

حوار مجلة نصف الدنيا مع الشاعرة فاطمة ناعوت في العدد التذكاري
اختارها الشبابُ أهمَّ شاعرة في الربيع قرن الماضي
فاطمة ناعوت: ليس بوسعي إلا السباحة ضد التيار
حاورتها: إليس المنقبادي
تصوير: حازم خالد
** شخصية مبدعة استطاعت أن تحصد إعجاب الكثريين خلال فترة قصيرة. فهي صاحبة فكر جريء وقلم رشيق. أبدعت في مجال الشعر والمقالات الفكرية المتميزة. ولها آراؤها الخاصة الشائكة في شتى المجالات التي تطرحها دون تردد بالرغم من علمها بأنها مثيرة للجدل في كثير منها. فمنهجها يعتمد على المناقشة الحرة، وتأكيد النظرية التي تقول: "ما فائدة الشمعة إذا عاشت طوال الزمان بيضاء لا تمسها النار، فلا تضيء؟!”
فاطمة ناعوت التي تثدّرت اختيارات عدد كبير من الشباب في استفتاء الموقع الإلكتروني لـ"نصف الدنيا"، بمناسبة مرور 25 عامًا على ميلادها، فجاء اسمها باعتبارها الأولى في مجال الشعر خلال الربع قرن الماضي، لذا كان لزامًا علينا أن نلتقيها لتهنئتها وتشاركنا الاحتفال بمجلتنا.
س: = قبل خمسة و عشرين عاما .. حين ولدت نصف الدنيا .. كانت فاطمة ناعوت طالبة حديثة التخرج بكلية الهندسة قسم عمارة... وبدلا من أن تسلك طريقها المهني الطبيعي والمفترض، قررت فجأة أن تحول مسارها، لتبحر في بحور الفكر والترجمة والشعر , ترى ما قصة هذا التحول و لماذا لم تختاري منذ البداية أن تقوم دراستك على اتجاهاتك الفكرية , علما بأنه من الواضح تفوقك دراسيا مما كان يتيح لك حرية الاختيار؟
ج: ** بداية، أقول لمجلة "نصف الدنيا" كل سنة وأنت كلّ الدنيا، وكل سنة وأنت أجمل وأرقى. وأشكر كل زهرة من زهور كتيبة تحرير المجلة الذين واللواتي جعلوا وجعلن منها في غضون سنوات مِشعلًا مهمًّا من مشاعل تنوير المرأة والرجل في مصر وفي كل العالم العربي. وأما اختياري كلية الهندسة، فلأنني كنتُ ومازلتُ عاشقةً للرياضيات والهندسة والمنطق الرياضي والتفاضل والتكامل والفراغية وسواها من رياضات العقل. واشتعل هذا الولعُ والعشق حينما دخلتُ عالم الديالكتيك وأسرتني الفلسفة اليونانية القديمة واكتشفت الميثاق الغليط بين الفلسفة والرياضيات، فلم تكن صدفة أن جميع الفلاسفة علماءُ رياضيات مثل فيثاغورث وإقليدس وحتى ديكارت من المحدثين وسواهم، وتأكدت لي هذه الصلة حين قرأتُ على باب "أكاديميا" أفلاطون عبارة: “مَن لا يحبُّ الرياضيات لا يدخل علينا.” فأما أفلاطون، فكما يعرف الجميع، أحدُ كبار فلاسفة الإغريق العظام، صاحب الحوارات و“الجمهورية” و”القوانين”وسواها . وأما "أكاديميا" فهي المكان الذي كان يلتقي فيه الفيلسوف بتلامذته من مُحبي الحكمة ليحاورهم ويعلمهم. وأما أنا، فمغرمة بالفلسفات بوجه عام، وبالإغريقية منها بوجه خاص. ولا دهشة في مقولة أفلاطون. فمن درس المنطق الفلسفي يدرك جيدًّا مدى التشابه بين الفلسفة وعلوم المنطق الرياضي والمنطق الهندسي. فكان ما سبق أحد أسباب قراري بدخول كلية الهندسة. سوى أنني في نهاية دراستي الثانوية فكرت بالفعل في دخول كلية الآداب، لكن قراري ذاك قوبل برفض عائلي عارم، خصوصُا من شخصين. جدي الذي كان مهندسًا معماريًّا ويرى أنني خليفته في المهنة وأن عدم دخولي الهندسة بمثابة "الخيانة" لعهدي معه. وأمي، ليس فقط من باب "استخسار المجموع"، المبدأ الشهير في الثقافة المصرية، حيث التهافت على كليات القمة (الطب والهندسة ) ولا أدري لماذا هي قمة؟! إنما أيضًا لأنها وطّنت نفسها منذ طفولتنا، شقيقي وأنا، على أن طفليها سيكونان طبيبًا ومهندسة. وهذا ما كان.
وأما الأدب، فهو غرامي القديم والجديد. ولا أجد مشكلة من امتهان الأدب بينما دراستي علمية بعيدة عن الآداب. فالدراسة العلمية بوجه عام، ودراسة الهندسة على وجه الخصوص تنظّم العقل وتعلّم الإنسان التحليل والدقة وتأمل الفكرة من جميع زواياها. خصوصًا أن العمارة بالذات من بين أقسام الهندسة، لا تبتعد عن الفنون والآداب كثيرا. فهي أم الفنون، كما وسمها الإغريق وهم يقسمون الفنون إلى ستة فنون تندرج تحت قسمين. قسم يعتمد الإيقاع البصري (العمارة- النحت- التشكيل)، وقسم يعتمد الإيقاع السمعي (المسرح- الموسيقى- الشعر). فكان المسرح أبا الفنون، والعمارة أم الفنون. وإذن فالعمارة رافدٌ من روافد الفنون، فلم أبعد كثيرا.
س: = تصنف أعمالك الفكرية سواء من خلال كتبك أو مقالاتك أو حتى حواراتك التليفزيونية على أنها اعمال تثير الكثير من العواصف الجدلية ... ألا يستوقفك ذلك ولو للحظات بين الحين والأخر لتوجهي السؤال البديهى والذي كثيرا ما يطرح نفسه بقوة: لماذا أعرض نفسي للهجوم والنقد المستمرين؟ في حين أن بإمكانى الفوز بقاعدة شعبية أكبر إذا ما توقفت عن السباحة ضد التيار؟
ج: ** ذكرتِني بخالي الحبيب "أسامة"الذي يُنهي كل مكالمة لي بعبارة: “اللهم اكفكِ شرَّ قلمك!” وحين أسأله ضاحكة: “هو فيه قلم شرير يا خالو؟" يجيبني: “الشرُّ هو مخالفة القطيع.” والحقُّ أن المثقف لا يجب أن يفكّر في مجبّة قول ما يؤمن به. لأنه لو فكّر في إرضاء الناس كلهم سوف يضيع إذ سيظلُّ يبحث عن وجهه في عيونهم وعلى مراياهم. ومع الوقت سيغدو مسخًا أشوه مثل الصورة المنعكسة على مرايا كثيرة متجاورة مقعرة ومحدبة ومستوية، حتى ينسى بالتدريج ملامحه الأصلية، ويختفي صوته الخاص بعدما يصبح بوقًا يردد أقوال الناس. لا أحد يحصد رضا الناس جميعًا حتى الأنبياء. والشمسُ على هولِها لا تُصيبُ من الأرض إلا نصفَها. المفكر الحقيقي ليس عليه إلا أن يُلقي حجرًا في البِركة الراكدة، ثم يمضي فورًا دون أن ينظر إلى الدوامات التي صنعها حجره، بل يبحث عن بركة راكدة آسنة أخرى ليُلقي فيها حجرًا آخر، وهكذا. ليس على المثقف إرضاء الناس بل إرضاء قيم الحق والعدل والجمال، ثم ينام قرير العين، حتى ولو عاداه البشرُ كافة. ولا تنسي يا عزيزتي أن السمكة الميتة فقط هي التي تسبح مع التيار. وأنا لستُ سمكة ميتة.
س: = كيف ترين وضع المرأة المصرية خلال الربع قرن الماضي على الصعيد الثقافي والمهني والاجتماعي؟ وكيف ترينها في المستقبل؟ وما هي المقومات التي يجب عليها دعمها و إثقالها حتى ترتقى بنفسها ؟ وهل تستطيع ذلك بمجهودات فردية ؟ أم أننا نحتاج إلى قيادات نسائية واعدة،, تتمتع بنضرة الفكر المبتكر بعيدا عن الشعارات الرنانة ؟
ج: ** وضع المرأة الآن أفضل من وضعها منذ خمس سنوات، لأنها بدأت تدرك أن لها حقوقًا يجب أن تدافع عنها. لكن وضع المرأة اليوم أسوأ من وضعها منذ خمسين عامًا حيث كان المجتمع كله أفضل شأنا من الآن، على المستوى المجتمعي والفكري والأخلاقي. فالمجتمع المصري ضربته رِدّتان مجتمعيتان قصمتا ظهره في نقطتين على خط الزمن الحديث. الأولى في منتصف الخمسينيات، بعد ثورة 1952 بعدة سنوات، والثانية في منتصف السبعينيات بعد ما يُسمى الانفتاح الاقتصادي الذي قلب موازين الهرم المجتمعي وصدّع معه هرم القيم والأخلاق والمُثُل. حيث أصبح المال في يد الطبقة غير المثقفة، وأصبح المثقفون والطبقة البرجوازية الوسطى من الفقراء، فأملى الأغنياءُ الجدد قيمهم الخاصة وفرضوا على المجتمع شروطَهم وذائقتهم الفنية والسلوكية والأخلاقية، فانكسر الخط القيمي والفني والأخلاقي للمجتمع المصري. وهو السبب في استفحال ظواهر جديدة على المجتمع المصري مثل تلال القمامة والتحرش بالنساء والأغاني الهابطة وانعدام الأناقة في الأزياء وواجهات المباني والمحال وانحطاط السلوك العام لدى المواطنين وغيرها مما نراه من تلوث سمعي وبصري كل يوم. ولأن المرأة جزء من المجتمع، أصابها ما أصاب المجتمع. لكننا نراهن الفترة القادمة على النهوض بمصر الجديدة بكاملها، ومن ثم النهوض أيضًا بالمرأة.
س: = في تصورك , هل هناك صورة جادة او هزلية لما سوف يكون علية حال المرأة المصرية عام 2040 .. اى بعد ربع قرن آخر من الأن؟
ج: ** ما رأيك في أن نجعلها صورة شعرية؟ أراها امرأة جميلة مثقفة أنيقة مالكة زمام أمرها ربّة بيتها وأولادها وزوجها، ماهرة في عملها، إن تكلمت أنصت الجميع، وإن صمتت انتظر الجميع قولها. أراها حفيدة شرعية تشبه جداتها الميثولوچيات العظيمات ماعت وإيزيس وجداتها الحقيقيات حتحور وحتشبسوت. الأم الفرعونية كانت تنصح ابنتها العروس قائلة: “كوني سيدةً بالنهار، وامراةً بالليل." أراها "نصف الدنيا"، وتساوي "كل الدنيا".
س: = على الصعيدين الشخصي و المهني لفاطمة ناعوت .. ما هي الأهداف التي ترين أنك قمت بتحقيقها بنجاح خلال الخمسة وعشرين عاما الماضية؟ وما هي الأشياء التي كنت تتمنين تحقيقها، ولم يتسنّ لك ذلك؟
ج: ** على الصعيد الشخصي حققت أمومتي لشابين جميلين: مازن وعمر، الأكبر فيهما الآن معيد جميل بكلية الهندسة قسم العمارة، مثلي ومثل والده. وعلى الصعيد المهني أنجزتُ واحدًا وعشرين كتابًا أفخر بكل حرف فيها، وأعكف على الانتهاء من عدة كتب أخرى سترى النور قريبا. أما قائمة أحلامي التي لم تتحقق بعد فلا حصر لها. لكن تقف على رأس تلك القائمة أن أرى العالم أكثر جمالا وتحضرا ووعيا وسموا وعدلا. لا أستوعب أن أرى الوحشية والتباغض والكراهية بين الناس ونحن في الألفية الثالثة بعدما قطعنا على سلم السعي الحضاري ملايين السنين، وأتساءل: متى سنصبح بشرًا كما أراد لنا الُله أن نكون؟!
س: = على مدى السنوات الأربع الماضية شهدت مصر الكثير التطورات التي أذهلت العالم و غيرت مسار السياسات العالمية التي وقفت في ذهول أمام قوة وصلابة أحفاد الفراعنة، كيف ترين مصر في هذه الحقبة التاريخية , وماذا تتوقعين من الرئيس في الفترة القادمة ؟!
ج: ** كلي ثقة في أن مصر قد بأت بالفعل في استعادة مجدها العريق، بطيئًا لكن بثقة، Slowly but Surely كما يقول الإنجليز. وأعلم عن يقين أن الرئيس عبد الفتاح السيسي سوف يدشّن هذا العهد المصري الجديد الذي يضع مصر في المكانة التي تليق بها بين دول العالم. مصر هي كاتبة السطر الأول في كتاب التاريخ الإنساني، ومن يقرأ كتاب "الچبتانا" يعرف كيف أهدت مصر فكرها المتحضر دينيًّا واجتماعيًّا وأنثروبولوچيا للكون كله ليتعلم. من يعرف تاريخ مصر الحقيقي بالفعل يفخر بها ويفخر بمصريته لو كان مصريًّا.
س: = نعلم انك قد ترشحت للإنتخابات البرلمانية القادمة عن دائرة مصر الجديدة .. ترى ماذا تحمل فاطمة ناعوت في جعبتها لتقدمة لبلدها خلال مرحلة تعد من أصعب المراحل التى مرت بها مصر على مدار تاريخها العريق ؟؟ ما الذى دفعك إلى الترشح .. ماهى اهدافك .. و هل هناك خطة مدروسة لتحويل احلامك إلى حقيقة ؟؟
ج: ** لم أقدّم برنامجًا، لأن مجمل كتبي ومقالاتي وأعمدتي الصحفية اليومية تحمل برنامجي التنويريّ الذي يعرفه كل جمهوري وتطرح أحلامي وأهدافي التي لا تخفى على أحد. منذ خمسة عشر عامًا أكتبُ في قضايا التنوير والعدالة والتحضر والارتقاء بالتعليم والحراك الثقافي والفنون الراقية في مصر. أكتب حول وجوب استعادة الفخر بهويتنا المصرية القديمة وتعليم قيمها السامية للنشء الجديد. أكتب حول حتمية احترام حقوق المرأة، وما يسمى الأقليات (رغم رفضي المصطلح، فأقباط مصر المسيحيون ليسوا أقلية لأنهم مواطنون كاملو الحقوق، ومصطلح أقلية يُطلق فقط على الوافدين مثل “الأقلية المصرية في الصين، الخ) وحل مشكلة العشوائيات وأطفال الشوارع (رغم رفضي المصطلح؛ فأولئك الأطفال لهم علينا حقوقًا أهدرناها نحن بطمعنا. وأولئك الأطفال يمتلكون سهمًا في كل بيت من بيوتنا، فكيف نسميهم أطفال شوارع؟! ) والمعوقين أو ذوي الاحتياجات الخاصة (رغم رفضي المصطلحين معًا؛ لأن كل البشر ذوو احتياجات خاصة؛ وأولئك ليسوا معوقين بل هم أكثر سواء من الأسوياء. إنما أسميهم "الاستثنائيون" لأنهم يمارسون حياتهم على نحو كامل ويؤدون واجباتهم نحو الوطن رغم نقص إمكاناتهم، فهم بهذا يفوقون سواهم من كاملي الإمكانات). لو أراد الله أن أدخل البرلمان سوف أكرّس جهودي في إصلاح منظومة التعليم لإيماني المطلق بأن الاستثمار في أطفال مجتمع ما وفي شبابه ونشئه هو الضمانة الأولى والوثقى للنهوض بهذا المجتمع. وسوف أعمل على تنقية التعليم من كل حرف عنصري يشيع روح الطائفية والتباغض بين الناس. وسوف أعمل على تكريس قيم العدالة بين جميع المصريين دون النظر إلى العقيدة أو التوجه الفكري. سوف أعمل على الارتقاء بالفنون لأنني أؤمن أن الفنَّ الراقي خصيمُ البلطجة والتطرف والتحرش واللصوصية والفساد. أحلمُ بمصرَ راقية متحضرة خضراء بلا ضوضاء ولا قمامة ولا إسفاف ولا جهل ولا عنصرية. أحلم بدولة سيادة القانون واحترام القيم وتقديس حق الآخر. كما ترين أحلامي بسيطة جدًّا ومنطقية جدًّا لدرجة أنني أرى أنه من العيب أن تكون تلك البديهيات أحلامًا.

1