أحدث الأخبار
الاثنين 17 حزيران/يونيو 2024
لا تكن نصفَ قلبك… كن كلّه ماذا تبقّى؟
بقلم : إبراهيم نصر الله ... 22.05.2024

بقيت تلك الروح، وذلك القلب الذي يرفض أن يتوقّف عن الخفقان، وبقيَ ذلك السّعي على فتح نافذة وباب في كل جدار مصمت، وبقي ذلك الإيمان بأن هذا الشعب سيحقق ما ظنه البعض بأنه أمر مستحيل، فبقدر ما تمثل الحكاية الفلسطينية صراعاً على المكان، بقدر ما تمثل صراعاً على الثقافة، فالمكان سُرق في البداية، أو في الهجمة الأولى، كحيز مُحتضِن للبشر، وبعد أن تمّت سرقته بدأ السعي لسرقة ثقافته. ثقافة المكان هي اسمه وجوهره، ومعنى وجود البشر فيه، ذاكرتهم وحكاياتهم، طعامهم، هندسته، فالمكان بما فيه يكتمل، لا بفراغه أو إفراغه، كالقلب الإنساني، يكتمل بما يحتضنه من بشر وأحاسيس، المكان ثقافة وسيرة لأرواح البشر. كتبتُ لأقول إن الإنسان الفلسطيني محتشد بالحبّ، حبّ بيته وأشجاره، موسيقاه، صوره، حياته، وموته لتظل الحياة حياة، عن تلك الجوانب الحميمة، التي لا تتوقّف عندها بعض الروايات طويلاً.
الفكرة
رأيت دائماً أن الفكرة هي أشبه ما تكون كملعقة السُّكر في كوب الشاي، تتذوقه ولكن لا تراه. والفكرة هكذا، تحسّها بقلبك وتعيشها حالة روحية، قبل أن تنتبه أنها أصبحت جزءًا من وعيك. أُدرك أن قوة الرواية قائمة في هذا. وهذا أمر لا يتعلق بحرية الكتابة فقط، بل بحرية القراءة، إذ أؤمن تماماً بأن حرية القارئ كحرية الكاتب، ومن الصعب أن يُقدِّم المرء كتابة تتحدث عن الحرية عبر سرد مُقيَّد ومُيِّقد، جاف، أو عبر أسلوب تلقيني، فالتلقينية ابنة القيد.
قوة البقاء
الأمر كلّه، فلسطينياً، متعلّق بمعادلة المحو والبقاء، والكتابة معنية بطرَفي هذه المعادلة، بل لعلها قائمة عليهما بشكل أساسي؛ والبقاء لا يعني البقاء في الأرض وحسب، بل البقاء في الفكرة، في «ظلال المفاتيح» يُقتَلع الفلسطيني من أرضه، فيقيم داخل فكرة العودة. قد تكون فكرة العودة هنا هي المفتاح، وليست وجود مفتاح حقيقي معلّق في أعناقنا، وقد تكون في حالات أخرى هي اللوحة، المقطوعة الموسيقية، القصيدة، حكاية شعبية مستعادة، أو رقصة، أو مظاهرة، وقد تكون الرواية نفسها هي الأرض التي تتجمّع فيها الشخصيات في فكرة عودتها. تماماً، كما هو الأمر في تعامل كريمة عبود، بطلة «سيرة عين»، مع الصّور التي تلتقطها، فالصورة هنا مساحة للبقاء ضدّ المحو، والأمر نفسه في «دبابة تحت شجرة عيد الميلاد»، فالبقاء في الأرض أمر جوهري، لكن فكرة البقاء لا تكتمل إلا بالحرية أيضًا، وهنا تأتي جماليات الثورة.
في حالة الكتابة الفلسطينية، تُضمر الكتابة جوهراً هو أن هذا الشعب يُعطي ويجدد ويواصل تطوُّره وعطاءه، متحدّياً الاحتلال ومتحدياً منافيه. الفلسطيني لا ينقصه وطن، لأن الوطن فيه، وهو وطن كبير، لكن تنقصه دولة ليحقق الشرط البسيط لحياة البشر، والماثل في حريتهم ووجودهم وحقّهم في ألا يكونوا غرباء، أن يكون لهم مكان يعودون إليه باختيارهم، بعيداً عن التهميش والتمييز والحصار وكل ما يمكن أن يُمارس ضدهم. لذلك، الكتابة هنا فعل وجود، وما تحققه من أثر جزء من فعل هذا الوجود، وبها وبغيرها من كل أشكال الرفض والجمال لا يستطيع الآخرون إلّا أن يروك، لأنك شخص ماثلٌ لا خفي، ولم تستطع ستّ وسبعون سنة أن تحوّلك إلى ضباب.
الشعر.. الرواية
في الكتابة لا تستطيع أن تفتعل، في الكتابة لا تستطيع أن تكون كاتباً إن لم تكن أنت، إن لم تكن إنساناً. وكما قلت في قصيدة لي: «لا تكن نصفَ قلبكَ.. كن كلَّهُ». هذه الأنواع هي جزء من ذاتي، كتبتُ الرواية والشعر منذ أيام المدرسة، ونمَتِ الروايةُ والشِّعر معاً. قبل نشر ديواني الأول بعامين، كنت منشغلاً بكتابة روايتي الأولى «براري الحُمّى»، ولكنني كنت أطمح دائماً بعد المدرسة أن أدرس الموسيقى، وكنت أمارس التصوير أيضًا، ولم أزل، وأشاهد السينما، وعلاقتي بها، أي السينما، لا تقلُّ قوة عن علاقتي بالفنون الأدبية والمرئية الأخرى، ولذا كان من الطبيعي أن تترك أثرها فيّ. أنت حين تفتح عينيك وترى شيئاً جميلاً، لا تغمضهما عن شيء جميل بجانبه؛ ربما يلفتُ انتباهك جمال ما، ولكن عليك أن تُدرك أن الجمال عظيم في اختلافه، تنوّعه، والشغف درب مفتوح نحو جماليات التنوع، لأن التنوع بشكل أو بآخر هو الذي يشكّل المعنى الكلي للجمال.
الكتابة.. البحيرة
التنوع نفسه هو ما يمكن أن ندعوه روافد للكتابة التي تشكل البحيرة، كل كاتب في النهاية بحيرة، وهناك أيضاً ثقافته وحساسيته وتجاربه ومعايشته الجوّانية للعالم حوله. هناك اهتمامه، فالذي لا يكترث بما يحدث في هذا الكون لا يكترث بقضيته، لذا لا يستطيع إلا أن يكرس أعماله لكل ما يمكن أن يمسّ الإنسان، وفي ظني أن كل ما يمسّ هذه القضية، وأعني هنا القضية الفلسطينية، يمسّ جوهر الإنسان، وكل ما يمسّ الجوهر الإنساني يمسّها.
اليوم، ما نراه من يقظة ضمير في العالم يثبت أننا لا نستطيع إلا أن نكون يوماً بعد يوم جزءاً أكبر ثم أكبر من هذا العالم، وعلينا أن نوسع هذا المساحة، لا لنذوب فيها بل لنستردها.
عتبات مُهشّمة
تذهب إلى التاريخ، لا لتستعيده، بل تذهب إليه لتقرأه أو تعيد قراءته، إنه في الأغلب عتبة مهشَّمة أو عتبات مهشَّمة، صعدناها مُرغمين فوصلنا إلى أبواب مُقتلعة وبيوت بلا سقوف. تذهب إلى هناك لترممه برؤاك. إعادة قراءتك لهذا التاريخ هو ترميم لتلك العتبات، كي لا نواصل التّعثر بها في طريقنا إلى «الآن» والغد. كي نصل في النهاية إلى أبواب جميلة، وبيوت بسقوف وجدران، لا إلى بيوت لا شيء فيها سوى الزوايا، نذهب إلى التاريخ ليكون ابن الحقيقة لا ابن الزيف.
.. والحاضر، كل حاضر هو لحظة تاريخية، نراها تُنتهك اليوم بألف وسيلة. في الماضي كان المؤرخ والسلطة والمدوِّنون يُزوِّرونه، واليوم تزوِّره سلطات لا عدد لها، يزوّره التلفزيون، الإعلام، وسائل الاتصال، ويزوِّره الكِتاب المدرسيّ، ويزوّره صحافيون يلعبون دور الكُتاب الطلائعيين وهم يوهمون البشر أنهم منهم، ويمارسون الزيف والتضليل والإلغاء ويعمّمون العمى والحياد ويروجون لطهارة الكتابة ضد الدم الذي يعتبرونه مفسدًا لوضوئها وصلاتها أيضًا.
من الرهيب أن يواصل كثير من المثقفين العرب هذه «الطهارة الملوثة» وهذا الاعتقاد حول الكتابة والدم، في وقت وصل هذا الدم إلى كل بقاع العالم وأحياها، وهم ميّتون.
جزء من شهادة أدبية حول «الكتابة وجودًا».

1