أحدث الأخبار
الخميس 25 تموز/يوليو 2024
خذلتُ نفسي..!!
بقلم : سهيل كيوان ... 13.07.2023

لا شكّ بأنّنا نحاول بثَّ صورة جميلة عن أنفسنا إلى الآخرين، وكذلك إلى أنفسنا، فنحنُ نتجاهل سلبياتنا وهفواتنا وسقطاتنا ونتنكّر لها، نحاول تزيينها أو تبريرها كي نتجاوزها، كما لو كنا نُجري عملية تطهير لإزالة الشوائب، فنبقي أنفسَنا كُرماء ولطفاء وحتى شجعاناً، ونخفي السَّقطات والجوانب السّيئة من شخصياتنا.
قد نَجْبُن في موقف ما، وقد نبخَل، وقد نخذل من أملوا ووثقوا بنا.
هل جرّبتَ الشُّعور بأن تخذل كريماً طلبَ مساعدتك، ولكنك لم تكن على قدر الثقة التي ظنّها بك؟
هل عشت هذا الشُّعور المختلط بين النّدم والأسف والخيبة، لأنّك في لحظة ما كُنْتَ تافهاً!
ما أقسى أن يتوجّه إليك كريمٌ يطلب مساعدة وتخذله، وخصوصاً إذا كنت قادراً على ذلك، ولكنّك رددته خائباً.
حدث معي مرَّةً، ولم أغفر لنفسي حتى الآن، فقد خذلتُ رجلاً محترماً طلب مني مبلغاً بسيطاً من المال كان في حاجته، توجّه إليّ وهو مبتسم وبثقة كبيرة، «هل أجد معك مبلغَ كذا تقرضني إياه لبضعة أيام لأمرٍ ضروري»؟ فاجأني طلبه هذا لأنّ علاقتنا ليست بهذا العمق الذي يتيح مثل هذا الطلب، فلكلِّ علاقة نسيجها وخصوصيتها.
قد يكون أحدهم مستودع أسرارك، تحدّثه عن كل ما قد يمر في ذهنك وهواجسك، وتبوح له بأدقّ تفاصيل حياتك، وأنت واثق بأنّه يفرح لفرحك ويحزن لحزنك، إلا أنك قد تخفي حاجتك المادية عنه، وهو كذلك، وقد يكون سبب نجاح صداقتكما أصلاً هو عدم الدخول في قضايا مادية اقتصادية، فالمال قد يفسدُ الصداقات المتينة، مثل النجاح، فبعض «الأصدقاء» يحبُّك قابعاً في مكانك، فإذا نجحتَ غلَبَتْه غيرتُه وفسُدت صداقته، كانت جدّتي تقول «الناس يحبونك فقيراً».
علاقتي بهذا الرّجل أقل من متوسطة، هي عبارة عن ابتسامات ومجاملات عامة متبادلة بين أبناء البلدة التي يعرف الناس فيها بعضهم بعضاً، علاقة طيّبة ولكن لم تمتحنها التّجربة، أحترمه وأشعر باحترامه لي، هو من النوع الذي إذا دخلت مكاناً عاماً فيه مئات من الناس، أختار الجلوس إلى جانبه، لأنني أشعر براحة بالقرب منه.
المبلغ الذي طلبه كان في حوزتي، فهو ليس كبيراً، لم يكن في جيبي ولكن بإمكاني سحبه من أي صرّاف آلي، لكن لسببٍ ما تسرّعت وربما بدون تفكير قلت له: للأسف لا، ليس معي ما تطلبه.
عاملته كما لو كان مشكوكاً في أمانته، وليس كرجلٍ كريم توجّه لمن ظنّ به خيراً ليسعفه في لحظة ضيق!
ما أقسى الخذلان! ابتسمَ ابتسامةً غريبة كأنّه شعر بخطئه بتوجهه إليّ بمثل هذا الطلب، تبدّل لونُ وجهه كأنّه ضَبط نفسَه مرتكباً عملاً غير لائق، كان يودُّ لو أنّه لم ينطق بهذا، رأيتُ فوراً معنى خذلان الكريم في نظرته الحائرة ثم طأطأته واستدارته بخطوات ثقيلة وهو يقول «ولا يهمّك، شكراً إلك، سأدبّر الأمر».
شعرتُ فوراً بفداحة خطئي، ولكن لم يعد بالإمكان أن أناديَه وأن أعترف له بالخطأ، لأنّه سيوقن أنّني كذبت، كان سريع الخطى وهو يولي مبتعداً كأنّما يريد مسح هفوة وأن ينساها بسرعة.
فكَّرت بإصلاح الموقف، ولكن كيف يمكن فعل هذا! هل أعترف له بأنني أملك المال ولكنني لم أعمل حسابي جيَّداً!
هل أصارحه بأنني تسرّعت بإصدار القرار لكثرة ما سمعتُ عن مماطلات في تسديد ديون، وأنّ مقولةً سلبية جالت في خاطري «إذا أردتَ أن تخسر صديقك أقرضه من مالك فتخسر كليهما!».
هنالك إمكانية بأن أذهب إليه في الساعات القريبة، وأمثّل بأنّ المال قد توفّر لي.
في اليوم التالي، ذهبت إلى بيته متحمّساً لاستعادة الثقة، ناديته بصوتٍ قويٍّ حاولت أن أظهرَ صادقاً، ألحَحْتُ إلى أن فتح الباب وأطلّ مستغرباً، وبلا مقدّمات، قلتُ ويدي في جيبي توحي بأنّني أهمُّ بإخراج المال منها: عزيزي، المبلغ الذي طلبته توفّر صباح هذا اليوم الحمد لله، وجئت كي ألبّي طلبك! قلت هذا وتمنيتُ أن يوافق.
لكنّه جاء في الصيغة التي ما زالت تثقل عليّ «بارك الله فيك، أعرف أنّك لن تبخل عليّ، لهذا طلبت منك أنت وليس من أحدٍ غيرك. على كل حال، أنا دبّرت أمري لم تعد بي حاجة، الحمد لله، أشكرك على اهتمامك، كأنّك أعطيتني وزيادة، تفضّل اشرب قهوة».
مرّت سنوات كثيرة على هذه الحادثة التي بدت بسيطة لأوّل وهلة، ولكنّني ما زلتُ أشعرُ بالخجلٍ نفسه إذا ما التقيت به أو تذكّرته أو ذُكر اسمه أمامي، أتذكّر خذلاني لرجل طيّب وثِق وأمِل بي، وخصوصاً كلماته «كأنك أعطيتني وزيادة»، أشعر أنّ العلاقة التي كانت قبل الحدث قد تراجعت رغم محاولاته إظهارها كما كانت من قبل! أستغرب لماذا تصرّفت هذا التصرّف الغريب عني، وأفسدت الثقة التي يبدو أنّني لم أكن أستحقها.
هنالك مواقف مشابهة كثيرة حدثت معي، وخرجت منها راضياً عن نفسي.
أذكر مرّة في مقهى في برلين «الشرقية» عندما عرف رجل ألماني أنني عربي، طلب مني عشرة ماركات على أن يعيدها لي في المكان نفسه في اليوم التالي، فناولته إياها بلا تردد، وحينئذ حكى أنّه اشتغل في الجزائر، وأنّه تراهن مع زملائه الجالسين حول الطاولة بأنه يستطيع الحصول مني على عشرة ماركات لأن العرب كرماء.
قدّمتها برضى تام، رغم أنّني كنت متأكِّداً بأنني لن أعود إلى ذلك المكان في الغد، ولن يعود هو أيضاً، لكنني سُررت لمجرّد أنّني كنت عند حسن ظنّه، وكلما تذكّرت هذه النهفة البسيطة، أشعر بأنّ قيمة الموقف المعنوية تساوي آلاف الماركات وليس عشرة فقط.
شعوري أن الرّجل المحترم فهم ما جرى بالضّبط، فعيناه الذكيّتان لمعتا تلك اللمعة التي تقول، أنا أفهم أنّك تحاول إصلاح موقفك!
وهذا زاد مشاعري سوءاً، لأنّه اعتراف بأنني لم أكن على مستوى الرجولة والنّخوة.
قد تكون الكتابة عن هذا عمليّة تطهير، فأتخلّص من شعور يطفو فجأة كلّما التقيت بالرّجل صدفة، حتى صرت أرتبك عند لقائي به، ولا أحبُّ الجلوس إلى جانبه لأنني أرتبك وأشعر بأنّني أرْبِكُه، ربما لا يستحق الموضوع كل هذا الاهتمام، وأنني أبالغ! أحاول أن أوهم نفسي بأنني برفضي هذا أنقذت صورته التي كان يمكن أن تتشوّه لو أنني أقرضته المال وتلكأ في إعادته! ولكنّها أوهام، فالرجل ما زال كما عرفته، ذا سمعةٍ طيّبة بل ويزداد وجاهةً، وبكل بساطة خذلته، ولكن الأهم من خذلاني له، هو خذلاني لنفسي التي تأبى عليّ مثل هذا الموقف، وما زالت تذكّرني وتؤنّبني بسببه!!

1