أحدث الأخبار
السبت 02 تموز/يوليو 2022
حكاية الفارس توفيق عبد الفتّاح...!!
بقلم : سهيل كيوان ... 20.05.2022


عندما نذكر بلدة كوكب أبو الهيجاء، نسمع تعقيبًا فوريّا بأنّها من أجمل البلدات العربية، أو من البلدات العربية القليلة، التي ما زالت تحافظ على أجواء الريف، إضافة إلى نظافتها التي يلاحظها كل من يطوف في شوارعها.
من هذه القرية الهادئة، يطلُّ علينا ابن كوكب، الصحافي توفيق عبد الفتاح في كتابه فارس والحكاية.
يعيدنا فيه إلى أجواء سنوات السبعينيات من القرن الماضي، حيث عمل مع بقية أبناء أسرته مباركة الأولاد في موسم التّبغ في سهل البطوف، حيث كانوا يقضون الموسم في السَّهل، وهذا أثّر على دراسته وتخلّفه عن زملائه، فقد خسر الكثير من المواد التعليمية، وهذا أدى إلى مروره في تجربة قاسية مع المدرِّسين الذين كانوا يعتبرون العنف طريقة لتهذيب الطلاب وحثّهم على الدراسة، يضاف هذا إلى عنف الوالد الذي يتذكّره بألم، ولكنه لا يحقد، بل يحاول هذا الفتى الطري، فهم الظروف التي ينمو على خلفيتها هذا العنف، ليكتشف فيما بعد، بأنه عنف السُّلطة في الأساس تجاه الشعب العربي.
في مرحلة المراهقة، عمل في منطقة عتليت في قطف الخضار عند مقاول يهودي، وكان يبيت في مخزن مع بقية العمال وهي فترة يعتبرها جميلة رغم قسوة ظرفها، إلا أن شقيقه الأكبر الذي يعتبره نموذجًا طيِّبا، والذي سيكون لاحقَا ناشطًا سياسيًا، يبحث عنه حتى يصله وينصحه بالعودة إلى القرية، لإتمام دراسته حتى الصف الثامن على الأقل.
بعد الصف الثامن يقرّر الفتى (فارس) الفرار إلى المدن اليهودية، فيتعرّف على عالم المدينة والحياة الليلية، حيث يعمل في مطعم ومرقص ليلي في نهريا، وهناك يلمس معاملة إنسانية من مشغِّلَيه اللذين يحترمان تعفُّفه عما يفترض أن يقع فيه شبَّان في مثل عمره، مثل المخدرات والخمرة وبنات الليل.
في نهريا المدينة البحرية السِّياحية القريبة من الحدود الشَّمالية، يفتح عينيه في إحدى الليالي على حادثة عسكرية، يُسمع فيها إطلاق نار، حيث يعيش ليلة من الرعب، ويتبين أن خلية فدائية مسلحة دخلت من جهة البحر إلى نهريا، وهكذا يجد نفسه قريبًا جدًا من بؤرة الصراع الدائر بين أبناء شعبه، وبين أناس يعيش ويعمل بينهم، وستبقى تلك الليلة محفورة في ذاكرته، بإيجابها وسلبها والدماء التي أريقت فيها وسوف تؤثِّر على وعيه.
يمر فارس في تجربة الاعتقال على خلفية أحداث سياسية في مطلع الثمانينات، في مناسبات يمرُّ بها المجتمع العربي، يكتسب من خلالها المزيد التجارب الإنسانية وتتّسع دائرة علاقاته ومعارفه، ثم تأتي التجربة الأعمق على خلفية اجتياح بيروت عام 1982 ومجزرة صبرا وشاتيلا، حيث يلتقي الدّاخل الفلسطيني مع الشتات في لبنان، ولا يلبث أن يتجنّد في خلية سرّية ويعتقل ويحكم في السجن بضع سنوات مع رفاق له، من المثلث والجليل والضفة الغربية.
يحكي في هذه المرحلة تفاصيل، عن طرق التحقيق والخِدَع التي يبتكرها جهاز الأمن العام، كذلك يسرد بعين ناقدة علاقات الفصائل بعضها ببعض داخل جدران الأسر، حيث نرى لدى البعض التعصّب والتشدّد للتنظيم، ونرى من جهة أخرى قيادات واعية، تسعى إلى توحيد القوى وتعزيز التلاحم فيما بينها.
بعدها يخرج إلى حياة ما بعد الأسر، والصراع لأجل الحياة الكريمة، ومعاناته وملاحقته مع أسرته بسبب ماضيه الأمني!.
يسعى الأسير المحرر إلى خلق حالة ثقافية وطنية منظّمة في بلده، وتأطير الشباب للجمع بين التثقيف وروح العطاء من خلال العمل التطوعي، ويُصدم في هذه المرحلة من تنكُّر البعض للقِيَم، ولكنه يلتقي مع آخرين حفظوا الوُدَّ والمعروف.
قصة فارس، تمثّل شريحة من الفتية الوطنيين الذين خرجوا من بيئة محافظة، وضحّوا سنوات من أعمارهم في سبيل قضية شعبهم، ليقول فيها إننا قادرون على البقاء في وطننا، والعيش بكبرياء وكرامة، دون تراجع عن القيم الأصيلة والمبادئ.
الفتى الذي ترك المدرسة في الصف الثامن يجتهد ويثقف نفسه، ليصبح صحافيًا، فينشر في القسم الثاني من كتابه مقالات ومقابلات وتقارير أجراها في موقع عرب 48 الذي يعمل فيه.
قدم للكتاب صديق ورفيق الكاتب زياد كيال، وممّا يقوله "لقد عبرَّت عما يجول في خاطر جميع المقهورين، وكلِّ شخصٍ من أبناء الحركة الوطنية المخلصين، ورسمت بريشتك الناعمة، قساوة الأيام، والسَّاعات التي مرَّ بها فارس، وكيف جعل من طفولته وشبابه حالة جمعية رصد من خلالها هموم أبناء شعبه". الكتاب صادر عن دار الرعاة للنشر، وجسور للنشر والتوزيع. يقع في 162 من الحجم المتوسط.

1