أحدث الأخبار
الخميس 23 أيار/مايو 2024
كلمة الديار...09.05.2024
هل تساهلت القاهرة مع احتلال معبر رفح؟!

لأسباب كثيرة، لا تتعلّق بوجود «معاهدة سلام» بين مصر وإسرائيل فحسب، من الصعب جدا توقع أن تتدخّل السلطات المصرية بشكل يتجاوز الطرق الدبلوماسية للتعامل مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
غير أن احتلال القوات الإسرائيلية لمعبر رفح (الذي يقابله معبر فيلادلفيا من الجانب المصري) أول أمس، وانتهاك الدولة العبرية أحد أركان معاهدة السلام بين القاهرة وتل أبيب، فرض على السلطات المصرية تحديا باعتباره خطوة يمكن أن يؤدي التساهل معها إلى فتح الباب لمزيد من الانتهاكات الإسرائيلية التي لا تخرق اتفاقات كامب ديفيد فقط، بل يمكن أن تهدد السيادة المصرية أيضا.
تعمّدت القوات الإسرائيلية، بعد اجتياح الجزء الفلسطيني من المعبر، اتخاذ خطوات تزيد من مفاعيل الاستفزاز للقيادة المصرية عبر رفع العلم الإسرائيلي وإدخال الدبابات، وقد سرّبت مصادر إعلامية أن ما حصل «أحدث حالة غضب ضمن القيادة المصرية» ولكن كيف تعاطت سلطات القاهرة مع هذا التحدي؟
أرسلت الحكومة المصرية، حسب مصادر إعلامية، رسالة احتجاج على توغل الجيش الإسرائيلي تحذّر من أن التصرّف الإسرائيلي «قد يدفع مصر إلى مراجعة دورها في الوساطة» في مفاوضات غزة خلال الفترة المقبلة، وتدعو تل أبيب إلى الالتزام بالاتفاقيات الموقعة بين الطرفين مشددة على أنها «ستكون مضطرة للبحث عن بدائل لإدخال المساعدات لغزة بخلاف معبر رفح».
لا يمثل الجزء الأول من الرسالة، الذي يتضمن التحذير من مراجعة الدور في الوساطة، ردا فعليا على التحدي لأنه يقترح إجراء لا يتطرّق إلى تغيير الوضع الذي جرى على الأرض، أما الجزء الثاني فيقترح «بديلا» عن المعبر «لإدخال المساعدات» وبذلك يتجاهل أن المسألة تتعلّق بانتهاك «معاهدة السلام» وليس فقط بموضوع المساعدات الذي هو أمر طارئ، كما تتعلق بفقدان الفلسطينيين، (بمن فيهم قادة «السلطة الوطنية» في رام الله وليس «حماس» فحسب) السيطرة على المعبر بما يعنيه ذلك من تقويض أحد أسس تسوية النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وتدمير معنى الدولة الفلسطينية المفترضة.
أحد تفسيرات التعاطي المصري المتساهل مع اجتياح معبر رفح هو أن العملية برمتها تمت بتنسيق أمريكي وأن الجانب المصري تم إخطاره بأن مقصود العملية هو منح رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انتصارا يمكن تسويقه لدى وزراء اليهودية الصهيونية المتطرفين لتخفيف غلوائهم وإعدادهم لإمكانية «نزول نتنياهو عن الشجرة» في حال وافقت واشنطن على قبول «حماس» لوقف إطلاق النار الذي أعلنته مساء الإثنين الماضي.
وقف شحنة الأسلحة الأمريكية الدقيقة، الذي جرى بعد عملية معبر رفح، ضمن هذا السياق، يمثل استعدادا أمريكيا لامتناع نتنياهو عن هذه الخطة والاستمرار في عملية عزل وخنق القطاع كجزء من خطته الأكبر لاستكمال اجتياح رفح لتحقيق «انتصار مطلق» على «حماس» كما يردد، وهو ما يفسّر أيضا الحراك الذي يقوده مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية وليام بيرنز (الذي كان الطرف الأمريكي الذي أشرف مع رئيس الموساد ديفيد برنيع على عملية معبر رفح) والذي سيجمع كل الأطراف المعنيّة بوقف إطلاق النار في القاهرة للدفع في اتجاه وقف إطلاق للنار.
الواضح أن كل الأطراف المعنيّة تحتفظ بأوراق أخرى في حال قرّر نتنياهو المضيّ بالعملية إلى آخرها، وأحدها، على الجانب المصريّ، لا يبدو مطمئنا، ويتمثّل بالسلطات المتزايدة لما يسمى «اتحاد القبائل العربية» ولرئيسه إبراهيم العرجاني، وكان لافتا في هذا الصدد توجيهه رسالة إلى مجلس الأمن يحذر فيه من اجتياح رفح، كما لو أنه السلطة المعنيّة بالأوضاع في غزة، وليس الحكومة المصرية!
*المصدر..القدس العربي
**اقرأ ي ايضا..
رفح والهولوكوست: تزامن خارج قوانين الصدفة!!
لم يكن سلوكاً مستغرباً من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن يجمع بين إحياء ذكرى الهولوكوست في متحف ياد فاشيم، وبين إعلان تصميمه على إرسال الجيش الإسرائيلي لاجتياح مدينة رفح وارتكاب مجزرة جديدة مروعة لن تكون أقلّ من تذكير صريح بأنّ أهوال المحرقة تُستعاد هذه الأيام لكن بأيدي أحفاد الضحايا المنقلبين إلى جلادين ومجرمي حرب.
كذلك لم يكن طارئاً على ألاعيب نتنياهو، في مخادعة الرأي العام العالمي وابتزازه واستدرار الشفقة عن طريق استدعاء ذاكرة الهولوكوست، أنه لم يستخدم اللغة الإنكليزية في خطابه ذاك إلا حين أوحى بأن العالم يمكن أن يتخلى عن دولة الاحتلال، وأنها مع ذلك سوف تقاتل وحيدة إذا اضطرت إلى ذلك، مستغفلاً العقول التي لا يخفى عليها مقادير ما تمتعت وتتمتع به دولة الاحتلال من مساندة أو تواطؤ الولايات المتحدة والغرب عموماً.
ساعات قليلة فصلت بين هذا الخطاب المتشدد والمتباكي في آن معاً، وبين مسارعة جيش الاحتلال إلى إلقاء منشورات على سكان مدينة رفح، تطالبهم بإخلاء الأحياء الشرقية للمدينة والتوجه إلى منطقة المواصي جنوبي غرب القطاع. وفي غضون وعيد نتنياهو وإنذار جيش الاحتلال، لم يتوقف القصف الوحشي الإسرائيلي على عموم قطاع غزة، ثم على رفح، من دون استثناء منطقة المواصي ذاتها التي يُؤمر السكان بالتوجه إليها.
ولقد بات ثابتاً ومعروفاً أن اجتياح رفح ظل أحد الخيارات القصوى أمام نتنياهو لإدامة حرب الإبادة ضد القطاع، وتأجيل انهيار ائتلافه الحاكم إذا توقف العدوان، والهرب إلى الأمام من استحقاقات قضائية وانتخابية يمكن أن تقوده إلى السجن قبيل سلة مهملات التاريخ.
كذلك ظل هذا الخيار أداة ابتزاز يستخدمها نتنياهو كلما أراد جرّ إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى تقديم تنازل هنا أو التراجع عن ضغط هناك، ولا فرق يُعتدّ به إزاء أي اعتراض أمريكي في كل حال لأن وزير دفاع الاحتلال أبلغ نظيره الأمريكي بقرار البدء في الاجتياح، وكذلك فعل مع وزير الخارجية الأمريكي، بما يدل على أن نتنياهو غير مكترث حتى باطلاع سيد البيت الأبيض شخصياً على القرار والتوقيت.
واضح في المقابل أن الجديد في التوقيت الراهن خلف التلويح باجتياح رفح يتمثل في إفشال مفاوضات صفقة التبادل والهدنة التي تشهدها القاهرة، أو حتى نسفها نهائياً، استكمالاً لإجراء حظر قناة «الجزيرة» بما قد ينطوي عليه من استفزاز للوسيط القطري. غير جديد، وغير مفاجئ بدوره، أن يتزامن التوقيت مع وقائع مثل إحياء ذكرى الهولوكوست، وتواجد مدير المخابرات المركزية الأمريكية في المنطقة، وتصريحات مصدر مصري «رفيع المستوى» بأن قصف كرم أبو سالم تسبب في تعثر المفاوضات وكأن استشهاد عشرات الفلسطينيين يومياً لا يفسد للتفاوض قضية.
فإذا بدأ اجتياح رفح فعلياً فإن تزامنه مع التطورات والوقائع والملابسات، السابقة أو سواها مما طرأ أو سيطرأ، لا علاقة له بقوانين الصدفة، إذ يندرج مباشرة في قوانين حرب الإبادة وتكرار أو استئناف جرائم الحرب التي تذكّر بأهوال الهولوكوست الأبشع.

1