أحدث الأخبار
الجمعة 23 آب/أغسطس 2019
"الأسد خط أحمر" وسوريا إلى الجحيم…!
بقلم : سهيل كيوان ... 23.01.2014

الآن وصلنا إلى المفاوضات،وصلنا عبر الطريق الأصعب، وبعد بحار من الدماء، مررنا في طريق الآلام كلها، ولمّا نصل بعد، وصلنا إلى المفاوضات ولم يشبع العالم لا المتقدم ولا المتأخر، لا البشري ولا المتوحش من مشاهدة دماء السوريين أنهارًا، وصلنا ولم يحرّك العالم ساكنًا وهو يرى أطفال سوريا يرتجفون حتى الموت الكيميائي.
يصل النظام بعد ثلاث سنوات من استنزاف شعبه على أمل تحقيق نصر مستحيل على ثورة لم تأت من كوكب بعيد، بل أتت من الشعب السوري الذي غذاها بدمائه الزكية.
وصل وفد النظام للتفاوض ليس مع شعبه بل مع القوى الدولية، وصل بعدما كذب ألف مرة وقال’خلصت خلصت’، وصل بعدما زعم أن الثورة ليست سوى بعض المشاغبين والمخرّبين، وبعدما صوّر ثورة شعب لم يشهد التاريخ الحديث مثيلا لها بأنها فبركات تلفزيونية وفوتو مونتاج، وبعدما زعم أن الناس لا يخرجون للتظـــاهر، وإنما لتلقي رشوة تافهة عبارة عن (ساندويشة) كباب وعشرة دولارات لكل مشارك، يأتي وفد النظام بعدما قطع ونحر حناجر كثيرة غنّت للثورة، وبعدما شوّه صورة شعبه، ثلاث سنوات وهو يحاول إقناع العالم أن الشعب السوري ليس ناضجًا ولا يستحق الحـــرية، رغم حضارته الممتدة في عمق التاريخ البشري لآلاف السنين، ورغــــم إهدائه للإنسانية أولى أبجدياتها فهو شعب يذبح الأبرياء ويشـــق صدورهم ليأكل قلـــــوبهم وأكبادهم، هو شعب متعطّش للدم وللحـــم البشـــري، وصل النظام إلى التـــفاوض وهو يبث ويؤكد للعالم أنه ليس هناك سوى مسلمين سلفيين متعطشين للدماء وخصوصًا دماء الأقليات، وأنهم ليسوا سوى مجمــــوعات من الجهلة تدمّر الآثار والفنون الإنسانية، يأتي إلى جنيف 2 وهو يصوّر الثورة كمجموعة من الأوباش تهتك الأعــراض وتنهب بيوت الناس وأملاكهم، يأتي وقد صوّر أنها حرب بين عرب وأتراك وأكراد وسنة ووهابية وشيعة وعلــــوية، وأن القتل والذبح يمارس على الهوية، وكذلك تدمير المقامات والأضرحة والمقدسات ودور العبادة، صوّر الشعب السوري وكأنه مجموعات مسلحة قادمة من بلاد واق الواق، ولهذا فالسلاح الكيميائي ليس كثيرًا عليهم، لأنه مُعدٌ أصـــلا لهم وليس لغيرهم، وصل وفد النظام وهو يحثّ العالم أن يختار بينه هو العلماني المتنور الإنساني وبين ظلاميين لا هم لهم في الدنيا سوى الذبح والنكاح،وها قد جئنا نطلب عونكم في محاربة المجموعات الإرهابية، فنحن وأنتم أيها الغربيون (وإسرائيل من ورائكم) ضحايا للإرهاب الإسلامي.
يأتي النظام بعدما صوّر أن الصراع هو صراع بين أناس متنورين منفتحين يؤمنون بحق المرأة وبين أناس يوجههم كبتهم الجنسي، وما قتالهم وتضحياتهم إلا لتحقيق أخيلة جنسية مريضة في الدنيا والآخرة يسمونها (جهاد النكاح)، يأتي بعدما صوّر وأصر خلال المؤتمر بأن شعبَه الثائر عميل ومجرور وتابع ويعمل لأجندات أجنبية ولا إرادة له، وكأن مخلوقات فضائية هبطت في مدنه وقراه واغتصبته، يأتي بعدما قال للعالم أتركنا فنحن طائفيون ومذهبيون وعمر صراعنا ألف وأربعمائة سنة، صراعنا ودماؤنا ليست سوى ثارات قديمة لا علاقة لها بالحرية والعدالة، كل ما يجري ليس سوى أحقاد تاريخية!
يأتي النظام بعدما تسبب بترحيل وتشريد الملايين وكشفهم للاستغلال الوحشي، ووضَع عائلات السوريين تحت رحمة التجار والسماسرة والإستغلاليين والحقيرين، وبعدما أرغم بعضهم على الهرب من الجحيم إلى البحر ليغامر فيصل شاطئ الغربة أو تبتلعه الأمواج، يأتي وقد حوّل عشرة ملايين من السوريين والفلسطينيين إلى محتاجين للدعم الغذائي، وبعد كل هذا يقول هذا الوفد ‘الأسد خط أحمر’.
خط أحمر لأنه لم يترك فرصة إلا للنار والدماء، خط أحمر لأنه لم يترك سلاحًا إلا واستخدمه في وجه شعبه!
‘خط أحمر’ لأنه قبض أرواح السوريين بالكيميائي، خط أحمر لأنه لم يرُدّ ولو بقنبلة صوتية على غارات إسرائيل المتكررة على منشآت سورية عسكرية ومدنية، خط أحمر لأنه لو لم يستخدم صواريخه بعيدة المدى ضد شعبه لأكلها الصدأ. خط أحمر لأنه استعان بقوات الحرس الثوري الإيراني ولواء أبو الفضل العباس وقوات حزب الله والدعم العسكري الروسي المستمر لقمع شعبه!
كل هذا ولم ينته الأمر بعد، فالمخفي أعظم بكثير مما رآه العالم، وعما قريب سوف تبدأ الجرائم المهولة بالظهور، عشرات آلاف الجماجم تنتظر الكشف عنها في المقابر الجماعية السّرية والتي اعتبرت مفقودة أو داخل المعتقلات.
في المقابل تأتي المعارضة محملة بالأخطاء، تأتي وقد سمحت للنظام بتفتيتها وتقسيمها بين صالح وأقل صلاحية وغير صالح، تأتي المعارضة بعدما اختُرقت وارتكبت جرائم وحشية باسمها، تأتي المعارضة وقد أخطأت عندما بنت أوهامًا بأن أمريكا والغرب سيتدخلون عسكريًا لدعمها، تأتي وقد سقط بعضها وحوّل الصراع من اجتماعي سياسي إلى صراع مذهبي طائفي بتوجيه سعودي هدَفَ لدفن الثورة العربية في أرض الشام، والحؤول دون انتقالها إلى شبه الجزيرة العربية خصوصًا بعد بزوغ براعمها في بداية الثورات العربية، تأتي المعارضة وقد تلاعبت بها الأهواء شاءت ذلك أم أبت، بإرادتها أو بغير إرادتها، فقد أدلى كل من يستطيع بدلوه، وكل من له مصالح، وتحوّل الشعب السوري والفلسطينيون على أرضه إلى رهائن بأيدي نظام لا يرحم ومعارضة مرتبكة مُخترقة مشوّهة، ورغم هذا فالمسؤولية كلها تقع على كاهل النظام المجرم، وهو الذي يجب أن يدفع ثمن جرائمه التي كانت أمًّا لكل الجرائم التي تفرّعت وتناسلت عنها، والتي نشأت في تربة العنف الوحشي الذي مارسه النظام وما زال يمارسه وسوف يستمر بممارسته ظنا منه أنه سينقذه من انهياره الذي بات محتومًا مهما تفذلك وتشاطر وتفلسف.

1