أحدث الأخبار
الاثنين 16 كانون أول/ديسمبر 2019
درس ديمقراطي من كردستان!!
بقلم : د.خالد الحروب ... 14.10.2013

الحديث عن الانتخابات والديمقراطية الكردية تستدعيه حاجتان، الأولى الإشادة بها وبما تكرسه من مأسسة للديمقراطية، والثانية إعادة طرح السؤال: لماذا تنجح كل الديمقراطيات المجاورة للعرب (تركيا، إيران، إسرائيل، كردستان... عدا عن بلدان إسلامية أخرى مثل ماليزيا، وإندونيسيا) في ما تفشل ديمقراطيتهم؟ الانتخابات التي نظمت في كردستان العراق آخر الشهر الماضي، ونجاحها ونتائجها وما رافقها من ممارسة سياسية وديمقراطية... تنتزع الاحترام. لم تكن العملية خالية من العيوب، ذاك أنه، وكما في معظم انتخابات العالم، سُجلت بعض التجاوزات والانتهاكات هنا وهناك، لكن في المجمل العام رسخت هذه الانتخابات العملية السياسية، وعملت على تعميق الممارسة الديمقراطية، وأكدت على التمرين القاسي بتبادل مواقع الفوز والخسارة في المعارك الانتخابية. في هذا الإقليم، وسواه من الأقاليم الكردية (في تركيا وإيران وسوريا) عانى الأكراد من ظلم تاريخي امتد لعقود طويلة واصطبغ تاريخهم مع جيرانهم بالصراع والدم، وكذا اصطبغت صراعاتهم الداخلية وانشقاقاتهم. بيد أنهم يخرجون الآن، في جناحهم العراقي، من تاريخ الصراع إلى تاريخ البناء المؤسسي، ليقدموا لنا درساً في الديمقراطية والبناء! ينتقل الصراع من ميادين الرصاص والعنف إلى ميادين السياسة وصناديق الاقتراع.
في الانتخابات الأخيرة والتي تجاوزت نسبة المقترعين فيها 74 في المئة، تنافس الحزبان الرئيسان، «الاتحاد الوطني الكردستاني» (بقيادة الطالباني)، و«الحزب الديمقراطي الكردستاني» (بقيادة البارازاني)، مع أحزاب المعارضة، وأهمها «حركة تغيير» (كوران)، و«الحزب الإسلامي الكردستاني» وأحزاب أخرى أقل تأثيراً. أحد الحزبين اللذين هيمنا على السياسة الكردية لعقود طويلة، وهو «الاتحاد الوطني الكردستاني»، مُني بخسارة ثقيلة، وفقد موقعه كثاني أكبر الأحزاب الكردية في السياسة وفي التمثيل البرلماني. وتقدم عليه حزب معارض هو «حركة تغيير» التي احتلت الموقع الثاني بعد «الحزب الديمقراطي الكردستاني» متصدر المشهد والأغلبية البرلمانية.
بيد أن الدرس الأهم تمثل في الكيفية التي تلقّى بها «الاتحاد الكردستاني» خسارته الانتخابية القاسية، وهنا يستحق الحزب وقادته الذين أقروا بالخسارة، التقدير والاحترام، إذ أصدر الحزب بياناً قال فيه: «إن نتائج الانتخابات مقلقة وليست مفرحة... وإن الحزب يتحمل المسؤولية الكاملة عنها، وسيعيد النظر في آليات عمله، مثلما يحترم إرادة الشعب ويتلزم بها». لم يخرج الحزب إلى الإعلام ليلفق اتهامات بأن الانتخابات مزورة، ويطعن في العملية برمتها، بل توجه إلى نفسه بالنقد الذاتي، مقراً بأن الخسارة سببها سوء الأداء. وفي الوقت ذاته احترم إرادة الشعب التي اختارت غيره.
لا يتوقف الأمر عند ذلك، بل أبعد منه ما صدر عن برهم صالح نائب رئيس الاتحاد الكردستاني من إقرار بالهزيمة واحترام لإرادة الشعب، واتهام حزبه ذاته بمحاولة التزوير في بعض المناطق وإدانته لتلك الممارسة كونها ضد إرادة الناخب الكردي وتصادر قراره الحر. وفي تصريحات نقلها الإعلام يقول صالح: «إن النتائج الأولية لأعضاء الاتحاد الوطني في انتخابات الإقليم تظهر بأن الجماهير غير راضية عن أداء وسياسة الاتحاد الوطني وأسلوبه في إدارة مهامه للمرحلة الراهنة... وأن الخسارة مُرّة، لكن التهرب من قرار الشعب مخجل، وإن أي شخص أو جهة تحت أية ذريعة كانت إذا ما سعت للتلاعب بقرار الشعب، فإنها تخالف قرار المكتب السياسي وقيادة الاتحاد الوطني». ثم يشدد على «ضرورة الالتزام بإرادة شعب كردستان والتمعن في رسالة العتب والنقد التي بعثها ومراجعة سياسات الاتحاد وقيادته، وأسلوب عمله على أمل الحصول على دعم وثقة الشعب».
وأياً ما كانت خلفية تلك التصريحات، فإن العملية برمتها يجب أن تدفعنا للتأمل عربياً، وللتساؤل وفق رؤية نقدية: لماذا تستعصي الديمقراطية العربية وتتقدم غيرها؟ كل الأطروحات التي وقفت في وجه الديمقراطية في دول ما بعد الحقبة الكولونيالية تفككت إطروحة بعد الأخرى، ولم تعد هناك أي منها تمتلك طاقة الاستمرار. وتبعاً لذلك فقد قصرت أعمار النظم الاستبدادية في العالم والمنطقة، وبدا تيار الدمقرطة وموجتها زاحفاً كقدر تاريخي. تآكلت أطروحة تأخير الديمقراطية حتى انتهاء الدول الناشئة والمستقلة حديثاً من طور البناء الاقتصادي والاجتماعي، وتأمين الطبقة الوسطى التي تشكل البنية التحتية التي تقف عليها الديمقراطية بصلابة، حيث برزت تجارب ديمقراطية ناجحة في دول فقيرة، وفي دول تعدادها السكاني مهول مثل الهند. وتآكلت أطروحة إثارة العداء للديمقراطية والحداثة بمسوغ كونهما منتجات غربية وإمبريالية يفرضها المتروبول الاستعماري على الهوامش العالمثالثية. وثبت أن كل تلك المقولات لم يكن لها هدف سوى تسويغ الاستبداد «النضالي» الذي استظل بمظلة «الأخ الأكبر» المُستبد في موسكو خلال الحرب الباردة. كما تآكلت مقولتان أخريان استخدمتا لدرء الديمقراطية عربياً بسخاء وتكرار، وهما الانشغال في الحرب مع إسرائيل، والخصوصية الثقافية. وُظفت الأولى من قبل أنظمة على اليسار وعلى اليمين، وتحت شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، فقُمع صوت الشعب نفسه وأُخرس وتم الحجر على إرادته، ومرت عقود طويلة على صوت المعركة ودفن الديمقراطية فلم ينتج عن تلك المعركة الصورية سوى سلسلة من الهزائم. أما الخصوصية الثقافية فقد اشتغلت بفاعلية أيضاً، لكن ها هي تستنزف طاقتها وفاعليتها.
لم يعد لأي من تلك الأطروحات مكان مُعتبر في ثقافة اليوم، ومع ذلك لا تزال الديمقراطية العربية عرجاء، ويدفعنا عرجها للتطلع نحو الجوار مرة هنا ومرة هناك، وهذه المرة إلى إخوتنا الأكراد ونجاحهم الديمقراطي الذي يستحق منا التحية.

1