عاجل
  • كردستان العراق: اشتباكات بين الحشد والبيشمركة على طريق أربيل كركوك!!
  • كركوك..العراق : نحو 100 ألف كردي فروا من كركوك منذ الاثنين والبيشمركة تنسحب من سد الموصل وناحية ربيعة بشكل كامل!!
الجمعة 20 تشرين أول/أكتوبر 2017
قراءة في ديوان "فوضى البدايات" للشاعر هاشم ذياب!!
بقلم : حسن عبادي ... 09.08.2017

كي لا يكون ما كان ...
أسهمت الحداثة إلى حد كبير في تحرّر الشعر العربي من أسْر التاريخ وقانون الجماعة، من نمطية النظرة الدينية الفقهية، من سلطة المعجم والماضي، مقدّساً كان أو تاريخيّاً، كما أسهمتً في دفعه إلى اتجاه التفكير الفلسفي والحدس وتحريض اللاوعي، من خلال تخطي موضوع الشكل الشعري وتجلّياته في قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر مما يطفو على سطح الحداثة إلى الأعمق مما يتصل بإعادة النظر في تعريف الشعر نفسِه، وتعميق مفهومِه ودورِه، وفتحِه على المغامرة الإنسانية الكبرى.
قرأتُ ديوانَ فوضى البدايات للشاعرِ الحداثيّ هاشم ذياب الصادرِ عن دار "مجد" الحيفاوية للنشرِ وهو يحوي في طيّاتِه 58 قصيدةً, وقد قامت بمراجعتِه لغويًّا الكاتبةُ الواعدةُ خلود فوراني – سرّية وقامَ بتصميمِه وإنتاجِه الفنان الفلسطيني ظافر شوربجي .
قرأتُ الديوانَ بشغفٍ وهذا دليلٌ على أنه شدّني وشوّقني لطريقةِ عرضِه وموضوعِه ، بدايةً بلوحةُ الغلافِ "يوم الأرض" من رسمِ الفنانِ الشاعرِ هاشم ذياب، فهي لوحة جميلةٌ ومعبّرةٌ وتتماثلُ مع قصائدِ الديوانِ آخذةً بعين الاعتبارِ القيمَ الجماليةَ للتصميمِ الحاضرةَ على كل صفحاتِ الديوانِ.
كي تكونِ أديبًا وشاعرًا في يومِنا هذا، عليك أن تكون مثقّفًا، ولأن تكون مثقّفًا ، عليك ان تكون قارئًا ثم قارئًا ثم قارئًا ، وهاشم نِعمَ المُثقّف - حيث أخذني معَه بسلاسةٍ ولباقةٍ ودون تكلّفٍ إلى عالمِه في ملحمةٍ شعريّةٍ .
روّضَ هاشم الاسلوبَ النثريَّ في القصيدةِ والموسيقى الداخليةَ وبذل قُصارى جهدِه وفوضويّتِه ليبحرَ بين عشقِه للأرضِ والحريّةِ والوطنِ ليهزَّ القضبانَ ويحطّمَ القيودَ مضمونًا وأسلوبًا، متمرّدًا على جميعِ القواعدِ والمنظوماتِ، الله يسامحك يا أنسي الحاج!
يصرخُ هاشم متمردًا على التكلّسِ والتقوقعِ الفكريِّ والعقائديِّ والبكاءِ على الأطلالِ "كي لا يكونِ ما كانَ" لأنّه قلقٌ وثائٌر على طريقتِه مخاطبًا سكانَ التوابيتِ ليوصلَ صرختَه المدوّيةَ إلى روضتِه "الشهيدة" مجلجلًا "لا تخرسوا !".
يحاولً هاشم عبرَ ديوانِه مخاطبةَ كلِّ رفاقِ دربِه ويصيحُ عاليًا "هل هناك من يسمع؟" ناحيًا منحى الأمميّةِ والعَولمةِ بفوضويّتِه المفرطةِ ومناديًا على الشهيدِ والناصريِّ لمرافقتِه في رحلةٍ أبديّةٍ حاملًا جملَ محاملِه فتتناثرُ قصائدُه على بابِ وطنِه المنشودِ لتخلّي رفاقَه عن اللحاقِ به والتحليقِ معَهُ.
حلّقتُ وهاشمَ في رحلةٍ عشقيّةٍ موجعةٍ ومؤلمةٍ في قيلولتِه عبرَ حفلةِ الشايِ و"نوايا" ليطيحَ بي من علٍ بفوضويّةٍ راميًا بعرضِ الحائطِ تشرذمَ الأمةِ العربيّةِ وحكاّمِها و"ربيع العري والعار" حيث صرخ :
"من هنا .. مرَّ الحلمُ
أجمع أشلاءَهُ .. بقلمٍ
وأنشرُهُ .. وسادةً..
لي .. وللوطنِ"
موجهًا رسالتَه ومعنونًا صرختَه إلى الأممِ المتّحدةِ مباشرةً متخطيًا تلك الرؤوسَ ليقولَ ويجزمَ "هذا ليس صراعَ حضاراتِ".
روّضَ هاشمُ الأسطورةَ في شعرِه خادمةً فكرةً أرادَ إيصالَها بفوضويّةٍ ونجحَ بمهارةٍ دونَ مواربةٍ ورياءَ صارخًا صرخةَ مظفرِ النوابِ لآذانِ الامّةِ العربيّةِ وقادتِها عابرًا سجناءَ الحريّةِ ومعاناتِهم ، مرورًا بغزةَ هاشمِ المباحةَ لشبقِ الغريبةِ كافرًا بالجهلِ وقوّاديِه وسماسرتِه.
لم ينسَ هاشم بعروبيّتِه اليمنَ ومآسيها باحثًا "عن معنَى .. للعروبةِ" عند قارئةِ الفنجانِ فوجدَ أن "ليل العربِ ... طويلٌ !؟" وأخيرًا التقى ضالّتَه المفقودةَ في "تابوت سفر" حين "قامَ الشهيدُ" ليصرخ :
"أيّها الموتُ ..
تأخذ.. ولا.. تملكُ
لا.. اعتراض.. عليكَ
لا.. نُسَبِّح.. بِحمدكَ
هذا الفارسُ.. الناسكُ
من ضيافَتِهِ..
لا.. يعفيكَ"
صالَ هاشمُ وجالَ في مرثيّاتِه لمن فقدَ : روضة وجول والقس شحادة شحادة بفوضويّةٍ محمولةٍ حاملًا رسالةً موقوتةً تنزفُ حزنًا وغضبًا ساخطًا مشتعلًا علّها تنيرُ دربَ الأجيالِ القادمةِ ليكملوا المسيرةَ.
للمرأةِ حضورٌ مميّزٌ عبرَ قصائدِ الديوانِ، كأنثى وأمٍّ وحبيبةٍ وعشيقةٍ وشهيدةٍ !! فهاشمُ نصيرُ المرأةِ، تحدّى التابوهاتِ المتوارثةَ بجرأةٍ تُميّزهُ عبرَ قصائدِ ديوانِه ثائرًا ناقمًا على كلِّ من له عَورةٌ.
حاولَ هاشمُ في ديوانِه قدرَ المستطاعِ الابتعادَ عن المدرسةِ الدرويشيّةِ، الأدونيسيةِ والقبانيّةِ ، ولا عيبَ في هذا ، خاصّةً انّ هذا الديوان باكورةُ إصداراتِه، ونجحَ في ذلك وتشفعُ له النكهةُ الكنفانيّةُ في رائعتِه "عائد إلى حيفا" حيث قال :
"سيعود الأحفادُ
إلى عروسِ البرِّ..
لن نُلقي بكم
في البحرِ..
لن نشعلَ النّارَ
إلّا في المنارِ والمنابرِ..
كونوا قناطرَ
لمن يعودُ من المهاجِر..
تعالوا نسترجعَ المزاميرَ..
نعتُقُ الأفكارَ
من الأسير والمقابرِ..
نتلوا من كتبِ الأحرارِ
نثرًا وشعرًا..
وما تيسّر منه للبشرِ.."
نهايةً، أعجبني الديوانُ من أولِ نظرةٍ ومن أولِ قراءةٍ لأن النظرَ اليه مريحٌ للعينِ بسبب التصميمِ الغرافي الراقي حيث أخذ كلَّ القيمِِ النصيةِ (الخطوط) مهتمًّا بأوزانِ النصِّ، تقريبها وأبعادها عن العنوانِ وعن بعضِها البعض . الفراغُ بين الأسطرِ مريحُ، وتمّ الأخذُ بجميعِ المعاييرِ للخطوطِ ونقلِ المعلومةِ مما يقرّب القارئ للنص ويستحوذه.

1