أحدث الأخبار
الثلاثاء 21 كانون ثاني/يناير 2020
المشترك بين ترامب وشعبان عبد الرحيم !!
بقلم :  سهيل كيوان  ... 05.12.2019

صادف الثالث من كانون الأول/ديسمبر اليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة.
تختلف درجة الإعاقة بين الناس، من إعاقة بسيطة إلى إعاقة شديدة، ومن إعاقة جسدية ظاهرة إلى إعاقة ذهنية وفكرية، وهذه قضية معقّدة جداً قد يعاني منها ملايين البشر دون أن يشعروا بإعاقتهم، ودون أن يشير إليهم أحدٌ بهذه الإعاقة، ولكن لا يوجد بشر أو حيوان خال من الإعاقة، جميعنا محدودون في قدراتنا الجسدية والذهنية.
الجميع يلاحظ أن هناك إعاقة فكرية لدى دونالد ترامب زعيم الدولة الأعظم، وقد أبدى هذه الملاحظة عدد من شخصيات اعتبارية في أمريكا، مثل كاتب يدعى دانا ميلبانك في «واشنطن بوست» قبل عام، فهو لا يفكر إلا في اتجاه واحد، ولا ينظر حوله أو وراءه، وهناك شبه كبير بين إعاقته وإعاقة زعيم كوريا الشمالية وآخرين كُثر من زعماء دوليين، ولكن بدرجات متفاوتة وتعبيرات مختلفة، بسبب ظروف كل بلد ونوعية نظامه.
هناك من اعتادوا واعتدنا على إعاقتهم، حتى بتنا نظن أن الأمر بديهي وطبيعي لا لبس فيه، بل بتنا لا نرى التشوّهات والإعاقات التي يعانون، أو نعاني نحن منها.
كوكب الأرض بما عليه يشبه قطعة حلوى، يعيش عليها أكثر من ثمانية مليارات من النمل، تكافح كل واحدة منها لأجل البقاء، هذا يشبه إلى حد بعيد فقاعات الصابون وزبد البحر.
دونالد ترامب ناضل بإمكانياته العقلية والمادية والفكرية كي يصبح رجل أعمال غنياً، ثم كافح لبلوغ هدف سياسي مستخدماً الشعبوية المبتذلة، كذلك فعل شعبان عبد الرحيم رحمه الله، فقد بذل إمكانياته وإن كانت محدودة، وكسب تعاطف فئة من الناس من خلال شعبويته وتبسيطه للفن إلى حد الابتذال، هكذا نلاحظ أن تعامل ترامب في السياسة مبتذل على مستوى شعبولا في الفن، مع فارق جوهري، هو أن السياسة ممكن أن تَخدع، وممكن أن توصل أناساً إلى قمة القيادة وإلى مفاتيح القرار، وحتى إلى أزرار السلاح النووي، بينما في الفن لا ينفع الحزب أو المال ولا التحريض على الآخرين، ويتوقف عند قدرات الفنان الحقيقية.
في الإعاقة الذهنية إشكالية كبيرة، هناك إعاقات واضحة ظاهرة نميّزها من الوهلة الأولى، وهناك إعاقات معقّدة من الصعب تشخيصها، بعضها يترجم إلى إبداعات أدبية وفنية، مثل الموسيقى والرسم والنحت وفنون كثيرة أخرى، أو إلى قدرات رياضية خارقة مثل الملاكمة (تايسون) كمثال، وبعضها إلى شعبويات سياسية، وهؤلاء كثيرون.
أليس معاقاً من يرى نفسه أفضل من غيره من البشر بسبب لون بشرته المختلف، أو لجنسه، أو لقوميته، أو لموقعه الجغرافي، أو لدينه، بينما في الواقع لم يكن له أي خيار في أيٍ منها!
أليس معاقاً من يرى أن الطريق إلى تحقيق طموحاته السياسية يمرُّ عبر التحريض الدموي على الآخر، كما فعل ويفعل قادةُ دولٍ وأحزاب لها تأثيرها؟
أليسوا معاقين أولئك الذين تسلّموا شؤون الناس فأغرتهم ملذات الحياة فنهبوا وسرقوا وزيّفوا وارتشوا ورشوا وخانوا شعوبهم فسَجنوا وقَتلوا وشوهوا صورة من اعترض عليهم؟
أليسوا معاقين أولئك الذين يخزنون الذهب والأموال بالأطنان، بينما الناس من حولهم يتضوّرون جوعاً وعاجزون عن اقتناء الدواء لأطفالهم وتوفير التعليم والمسكن الكريم لأبنائهم؟
أليس معاقاً ذلك الذي يرتكب الجرائم كي يزيد من تراكم ثروته فتتحول إلى أرقام هائلة فائضة عن حاجاته وحاجات أحفاد أحفاده، ولكنه يظن بأن الكنوز قادرة على تخليده، إلى أن يرحل في لحظات، ويتحول خلال ساعات إلى جيفة يضطر ورثته إلى دفنها بأسرع ما يمكن، وكثيراً ما تكون ثروته سبباً لصراعات دموية بين ورثته؟
معاق هو القائد الذي يحشد قدرات بلاده ليذلَّ وينهب بها خيرات شعوب أخرى ثم يعلن انتصاره، كالضبع يرقصُ فوق جيفة.
معاق ذلك الإنسان الذي يَقتُل ويُقتل لأجل حجارةٍ بناها أسلافه وقدّسوها، ففعل مثلهم دون تفكير.
كلنا ذوو احتياجات خاصة، كلنا معاقون مع فوارق بسيطة جداً.
أعجبتني رواية ذلك الشاب الفلسطيني (فادي أبو شقارة) الذي جاء إلى الدنيا بلا ساقين، وبذراعين كجناحي عصفور، وبجسدٍ توقّف عن النمو منذ ولادته باستثناء الرأس، أعجبني فادي في روايته (رهين الجسد)، فحكى فيها كيف عامله والداه والأطباء والممرضون والمعلمون والطلاب والناس عموماً، منذ اللحظة الأولى التي اعتبروا فيها أن مجرّد بقائه قيد التنفس «معجزة لم تشهدها البشرية».
فادي دعا الناس إلى معاملة روايته كإنتاج أدبي، ولا يريد تعاطفاً معه بسبب وضعه الخاص.
في الخامسة من عمره اكتشف قسوة التحديقات، وفهم أنها سترافقه إلى الأبد، تلك النظرات الفضولية من قبل الناس، من قبل أطفال يمسكون بأيدي بعضهم بعضاً عندما يرونه على عربته، نظرات تعرّيه من الداخل. كما يقول.
«لا أحد ينوي إهانتي قصداً وتجريحي عمداً، ولكن منظري الاستثنائي يثير الفضول عند جميع من يقابلني أوّل مرة، إنها غريزة الإنسان التي تتغلب عليه في بادئ الأمر، ويتغلب عليها لاحقاً، معظم الأحيان».
يمر الأطفال بجانبه، فيقول أحدهم للآخر:
-سمعته بِحكي؟
-شو قال؟
-صباح الخير
-كذّاب..
-بِعَرْض أختي سمعته!
يركض أحدهم في اتجاهه، فيخفض من سرعة عربته الخاصة تدريجياً حتى التوقف، يسأله الطفل:
-وين إجريك؟
-فيرد ساخراً: ليش خيّا، بدّك ترقص معي؟
«في كل مشوار أجذبُ الأنظار والتعليقات، كأنني شخصية مشهورة أو فتاة عارية». فادي تسلّح بالسخرية من وضعه ومن طريقة تعامل الناس مع حالته، فهو يرى في السخرية وسيلة قوية فيقول في روايته: «تبنيتها شخصياً وتذرّعت بها لمواجهة ما أعطتني الحياة من مآسٍ سابقاً، وما تحضّره لي لاحقاً، وكما أعرفها، فهي سخيةٌ جداً ولا تبخلُ بالتبرع بالكوارث حتى مجاناً، ولا تنتظر مقابلاً». شخصياً، قرأت واستمتعت من الأسلوب الساخر، ومن الإرادة الفائقة التي يتمتع بها فادي.

1