أحدث الأخبار
الثلاثاء 17 أيلول/سبتمبر 2019
نهاية عصر الإيتيكيت… !!
بقلم :  سهيل كيوان  ... 15.08.2019

جلس أمامي، وقد بدا مختنقاً وفي حاجة ماسّة إلى أن يبوح بشيء ما، يبدو خطيراً، ينظر إليّ كأنما يحثّني بأن أسأله، فقلت:
– أِنت مِشْ على بعضك اليوم!
-يا زلمة بدّي أنفجر، بدّي أموت.
-ولو! سلامتك، شو السيرة؟
-قُل لي، الله يساعدك..
-الله يساعدك، شو القصة؟
-أختك..
-أختي؟!
-نعم أختك، لا أعرف كيف أشرح لك، لأنه موضوع تافه، ولكنه عقّدني، جنّنتي..
-يا ساتر، إحك، إطلع كل ما في قلبك…
-يا زلمة، قبل أن أخرج معها إلى أي زيارة لأيٍ كان،
تشرح لي كيف يجب أن أتصرف وكأنني طفل صغير: لا تنس أن تسأل الزّلمة عن صحته وعن أولاده وشغله، لا تجلس صامتاً، لا تنس أن تسأل زوجته عن حالها وأن تجبر بخاطرها، ابن خالها توفي في السّويد قبل ثلاثة أسابيع..
-طيّب هذا عادي…
– شو عادي؟ التحقيق يبدأ قبل أن نخرج: لماذا ارتديت هذا القميص، إنه غير مكوي، إرجع واشلحه لأكويه لك، أو إلبس غيره، لالا بلاش أزرق..إلبس الأخضر، لا بلاش الأخضر، خُذ هذا البيج، مْبَحبَح عليك..
-طيّب، هذا لأنها تريدك في مظهر لائق..
– ليست عندي مشكلة مع ما أرتدي، ولكنها تقول إنني أسوّد وجهها، يا أخي ما المشكلة ببعض انثناءات بسيطة في القميص؟ يا أخي كل واحد حرّ بنفسه، بناتنا وكل بنات الحارة يرتدين بناطيل ممزقة على الركبة، وأنا ممنوع من ارتداء قميص فيه انثناءة بسيطة، طيّب إحسبيها موضة، القمصان المجعلكة كمان صارت موضة، صح ولا لأ؟؟
-أنا فاهمك، هي تشعر أنها مسؤولة عن مظهرك، هكذا الجيل القديم..أقصد الجيل المتوسط
– يا زلمة، أي متوسط وأي قديم؟ هذه من عصر الجزار وحتى قبل الجزار، ما أن نستقر في مجلس عند أيٍ كان، حتى تبدأ بالنظر إليّ تلك النظرات التي تعني أن شيئاً ما غير مضبوط…أنت تعرف تلك النظرات التي تنخز مثل الدّبابيس؟
-أعرفها أعرفها…
– أسـألُ الناس كيف الشغل؟ كيف الأولاد؟ كيف دراسة البنت؟ كيف الحاج والحاجّة؟ كيف جيرانكم، كيف أنسباؤكم وأنسباء أنسبائكم، كيف القرود، أحاول أن لا أنسى شيئاً، ولكن دائماً توجد ملاحظات.
-طيّب، هي تريدك أن تكون كاملاً، هذه ملاحظات امرأة تهتم بزوجها..
-ما إن نخرج حتى تسألني: ليش كنت تلف ساقاً فوق ساق؟ هكذا لا يحترمون الناس، أنا نظرت إليك كي تفهم، وأنت بالجّقارة ظللت تلف ساقاً على ساق.
أستغفرُ الله العظيم، يا عمّي رؤساء دول وملوك يلفّون ساقاً فوق ساق في لقاءاتهم، هل أنا غلطان؟
-الصراحة، يعني أن تلف ساقاً على ساق ليس ممنوعاً، ولكن هذا يتعلق باتجاه الحذاء، ومن الذي يجلس قبالتك، شاب أم عجوز، صديق أم غريب.
– صحيح الاحترام واجب، أنا لم أقل شيئاً، ولكن أنا صرت أشعر أنني فاشل في كل شيء، حياتي كلها غلط، في الطعام واللباس والضيافة والجلوس، حتى البيضة المسلوقة، هل تصدق بأنها تقول إنني لا أعرف كيف أقشرها، البيضة صارت فناً وشطارة،
والشوربة، انتبه لا تخرج صوتاً، أشعر أنني في روضة أطفال، لقد صار عمري خمساً وخمسين سنة..
روّقها، وأفهمها أن ملاحظاتها الكثيرة تزعجك..
-مساء أمس كنا مدعوين إلى حفل زفاف، لم يبق كثيرٌ من الوقت، غابت الشمس، وعلينا أن نستحم ونستعد للمغادرة، في هذه الأثناء جاء ابن عمتي ألماظة وزوجته..
-آه…
-المهم، استقبلتهما بترحيب وحرارة، وحسب الخريطة والدستور، سألتهما عن أولادهما والدراسة والصحة والعمل وعن عطلة الصيف، لم أترك سؤالاً إلا وسألته، المهم صار ابن عمتي يتحدث عن رحلاته مع لجنة الموظفين في المدرسة، ثم لا أعرف لماذا صار يحكي عن العسل وأنواعه، وكيف نعرف الأصلي من المزيّف، وهي منسجمة مع زوجته، مرّت أكثر من نصف ساعة وهو يتحدث، يظهر أنه يتاجر بالعسل، لا تكفيه الوظيفة، كل عمره طمّيع، أبو القروش، المهم صار علينا أن نخرج إلى الفرح، وواجبي أن أصل قبل الناس، العرس لابن صديقي، يا سيّدي بلاش قبل الناس، على الأقل مثل الناس، صحيح؟
-طبعاً صحيح.
فكّرت، هل أخبرهما بالأمر مباشرة، أم بطريقة غير مباشرة؟ أنا قلبي طيب ونيّتي صافية، قلت لنفسي أتركها معهما وأعدّ نفسي، حينئذ سيفهمان بالإشارة. تركتهم، وخلال سبع دقائق بالضبط، كنت جاهزاً وعدت مبتسماً، فوقف ابن عمتي وقال: يبدو أن عندكما سهرة، لماذا لم تقل؟ نحن لسنا غرباء.
جاملتهما وقلت: ما زال أمامنا بعض الوقت، اجلسا.
جلس دقيقتين ثم قال: لن نؤخّركما ثم خرجا، بارك الله فيهما، مضيا بالصلاة على النبي، سُررت وقد ظننت أنني أصبت الهدف، لكن هيهات، ما أن غادرا حتى التفتت وهي مكشرة: ليش عملت هيك؟
أنا صُدِمْت: شو عملت؟
-يعني مش عارف؟ لو قلت لهما عندك سهرة، أفضل من عملتك هذه!
اسمع، أنا شعرت بالدم يغلي برأسي، وقلبي كاد يتوقف. ورغم ذلك قلت يا ولد أبلعها، عشان ننقلع إلى السهرة، قلت لها: على كل حال الوقت ضيّق، يلا جهّزي نفسك، وبعدين نتفاهم.
دخَلتْ الحمّام، وعلقت عشر دقائق، ربع ساعة، ثلث، كأنها تعاقبني، فهي تعرف أنني أحب الوصول إلى قاعة الأفراح مبكّراً، لأنني أحب أن أختار مكان جلوسي براحتي، ومن يتأخر عليه أن يرضى بالجلوس في أي مكان يقررونه له، صحيح أم لا؟
-صحيح..
-وصلنا متأخّرين أكثر من ساعة ونصف، أجلسونا في طرف القاعة قرب المطبخ، مع أناس لا نعرفهم، وطبعاً ظلّت مكشّرة، لم يعجبها، يعني تريد أن تتأخر ثم تجلس في أحسن موقع في القاعة، وكالعادة عندما تزعل، بقي طبقها نظيفاً، لم تأكل شيئاً..
-يا سيّدي بلاش، لن تموت جوعاً…
-بعد ساعة صارت تتذمر وتريد الخروج من السّهرة، بالغصب بقينا نصف ساعة أخرى ثم خرجنا وعدنا وهي زعلانة.
-بسيطة، كل هذا يحدث بين الأزواج..
-شو بسيطة؟ اليوم الصبح حاولت أن أتفاهم معها، فانفجرت في وجهي، وراحت تتحدث عن عدم احترامي للناس، وصارت تتفطن وتحكي قصصاً من ثلاثين سنة، لا أذكر منها شيئاً، حتى أنت شخصياً، قال أنا لا أحترمك!
-لا لا هذا غير صحيح…
– جنّنتني، كأنها فتحت جبهة، صرخت حتى تعبت، قلت لها اسمعي، أنا مهذب ومؤدب أكثر واحد بالعالم، ولا أريد أن أحترم أحداً بعد اليوم، سأضع قدميّ على الطاولة وألف ساقاً على ساق، ولن أستقبل من يزورني بدون موعد مسبق، سأرتدي ثياباً مجعلكة وممزّقة، ومن ينظر سأقلع عينه، سآكل البيض بقشرته، وألطّخ صدري بالزيت، وأشفط الشوربة مع زغاريد وصفير، بالنسبة لي خلص، انتهى عصر الإيتيكيت!!

1