أحدث الأخبار
الاثنين 25 حزيران/يونيو 2018
اخرجوا من عوالمكم ومعتقداتكم الوهمية!!
بقلم : د. فيصل القاسم ... 26.05.2018

كل الأنظمة السياسية والدينية في العالم، بما فيها الديمقراطية قبل الديكتاتورية تعمد إلى تنميط الشعوب ووضعها في قالب واحد يناسب الأنظمة الحاكمة، ويسير على هواها ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وحتى دينياً. دعكم من الكلام الفارغ الذي تضحك بها علينا الأنظمة الغربية عن الحرية والتنوع والتعدد، فكله مجرد ضحك على الذقون، لأنه مهما امتلك الإنسان من عقل ومعلومات يظل عرضة لتأثير وسائل الإعلام والأنظمة التربوية والاجتماعية والثقافية والدينية العملاقة المفروضة على الشعوب الغربية. وقد أكد ذلك بصريح العبارة رائد التلاعب بالعقول الأمريكي إيدوارد بيرنيس في كتابه الشهير: «بروباغاندا» الذي كتبه عام 1922، وكان الكتاب المفضل لهتلر ووزير إعلامه الشهير جوزيف غوبلز صاحب مقولة: «اكذبوا ثم اكذبوا حتى يعلق شيء في أذهان الجماهير». وقد أوضح بيرنيس في كتابه أعلاه أنه من السخف أن تصدقوا الشعارات الديمقراطية التي يروّجها الغرب عن حرية التعبير والاختيار والتنظيم، ففي واقع الأمر، هناك حكومات خفية غير الحكومات المنتخبة تسيّر الشعوب وتحدد لها حتى أذواقها في كل شيء، بما فيه الأكل والشرب. ويضيف بيرنيس أن تلك الأذرع الخفية تتلاعب بأذواق وتوجهات الناس بسهولة وتسيّرهم في الخط المطلوب دون أن ينتبه الناس إلى أنهم مسيّرون وليسوا مخيرين في تصرفاتهم الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية. وبالتالي، تخلق تلك القوى الخفية التي تتلاعب بالشعوب، تخلق لكل فرد عالمه الخاص، وتضعه في قوقعة مغلقة، فيظن أن تلك القوقعة التي حبس نفسه فيها هو العالم الحقيقي، وأن الجميع يعيش معه في هذا العالم، ويفكر بنفس الطريقة، ويرى الأمور من نفس المنظار، مع العلم أن هذا تصوّر وهمي يتولد لدى البشر، ويصبح أشبه بحقيقة وهمية راسخة بالنسبة لهم. وعليه، يجب أن يعلم الإنسان، أن العالم الذي حبس نفسه داخله هو عالم وهمي يخصه وحده ولا يشاركه فيه أحد أبداً.
كل إنسان يخلق عالمه ويؤمن بمعتقداته الخاصة، فيظن أن عالمه الخاص هو العالم الصحيح دون أن يعلم أن الآخرين لديهم أيضاً عوالمهم الخاصة التي يعتقدون أنها العوالم الصحيحة. والحقيقة انه ليس هناك عالم صحيح وعالم غير صحيح، بل هناك عوالم مختلفة قد تكون كلها غير صحيحة. لهذا من الخطأ أن نفرض عوالمنا وأفكارنا ومعتقداتنا على الآخرين، ومن الخطأ أن يفرض الآخرون معتقداتهم وعوالمهم الخاصة علينا في ظل هذا التلاعب الخطير بعقول البشر سياسياً واجتماعياً وثقافياً ودينياً. لاحظوا مثلاً كيف بدأت السعودية تغير توجهات شعبها الدينية وتقلبها رأساً على عقب في عهد ولي العهد الجديد محمد بن سلمان الذي انقلب على النظام الديني والاجتماعي القديم، وبدأ بتأسيس نظام اجتماعي وديني وثقافي جديد لا علاقة له بالنظام القديم. بعبارة أخرى، فإن العوالم التي ظنها الشعب أنها عوالم حقيقية تبين أنها عوالم مصطنعة بطلب من أمريكا كما اعترف بن سلمان نفسه، عندما قال إن نظامنا الديني والثقافي ليس نظامنا الخاص، بل نظام فرضته علينا أمريكا لمواجهة المد الشيوعي. وهذا ينسف معتقدات وأفكار وأوهام الملايين الذين كانوا يعيشون على وقع تعاليم النظام السابق. وبما أننا نرى الآن أمام أعيننا كيف يغيّرون توجهات الشعوب حتى الدينية، أليس حرياً بنا أن نخرج من قواقعنا وعوالمنا الخاصة التي حبسنا أنفسنا داخلها، وظننا أنها العوالم الحقيقية الوحيدة؟
من حقك أن تستمتع بعالمك ومعتقداتك الخاصة، لكن إياك أن تظن أنها الأصح. لا أحد يمتلك الحقيقة الكاملة غير الله عز وجل، ونحن وعوالمنا ومعتقداتنا وأفكارنا لا نشكل سوى جزيئات وذرات من الحقيقة الكاملة. ويرى الفيلسوف الألماني نيتشه أن بعض البشر لا يستطيعون التخلّي عن أوهامهم التي عاشوا عليها طوال حياتهم خوفاً من التردّي في مهاوي التلف وتنهار حياتهم بكاملها…لذلك نرى أصحاب الدّوغمائية مثل القوميين والإسلاميين العرب لا يريدون التخلّي عن إيديولوجيتهم السقيمة حاملة الشعارات الرنّانة رغم ما أظهرته من فشل وكذب، لأنهم يخشون من انتهاء حياتهم المبنيّة على الأوهام و الخيالات زهاء عشرات السنين.
وقد عرّف الفلاسفة ٌ الدّوغما ٌ بالابن غير الشرعي للفلسفة، لأن الفلسفة تستسلم أمام الحقيقة، أمّا الدّوغما فلا، بل هي ترى الحقيقة المطلقة في ذاتها.
ولو انتبه الحابسون أنفسهم في عوالم ضيقة إلى كلمة يختلفون وتختلفون، وكم مرة وردت في القرآن الكريم لبدأوا يخرجون من قواقعهم. في (113) من سورة البقرة، و(19) يونس، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) السجدة)، (48) المائدة.
(إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) المائدة) (فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) البقرة)
(إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) الجاثية) الإسلام نفسه أقر وجود الاختلاف بين الناس في فهمهم و اعتقادهم وتوجههم. حتى القرآن يختلف في فهمه العلماء. وليس هناك فهم موحد.
يقول ديكارت ( 1650 / 1556 ) مقولته الشهيرة (إن العلم لا يبدأ بالشك فقط ولكنه ينتهي بالشك أيضاً)، فالعلم ينسخ بعضه بعضاً ويحوله مرة، ويستبدله أخرى ويطوره مرات أخرى.
اخرجوا من عوالمكم الضيقة، واستمتعوا بالعوالم الأخرى، فالحياة ليس عالماً واحداً، ولا حتى إيماناً واحداً، ليست كلها فناً، أو ديناً، أو فلسفة، أو موسيقى، أو سياسة، أو اقتصاداً، أو رياضة، أو اعتقاداً روحياً يتيماً لا شريك له، فلا تنظروا إلى العالم من منظار اختصاصكم واهتمامكم وهوياتكم وتوجهاتكم ومعتقداتكم الضيقة، بل انظروا إليها نظرة بانورامية، فستجدون أنها أجمل بكثير من عالمكم الضيق الذي ظننتموه العالم الحقيقي. لا أبداً، ليس هناك عالم واحد، بل عوالم بعدد سكان هذا هذا العالم. كلٌ يصنع عالمه الخاص، ويظن أنه العالم…لا يا عزيزي إنه عالمك الخاص الذي لا يمت لعوالم الآخرين بصلة. اخرجوا من قواقعكم!

1