أحدث الأخبار
الثلاثاء 20 شباط/فبراير 2018
تفضل أقعد جنب الراديو…!!
بقلم : سهيل كيوان ... 15.02.2018

احتفل العالم يوم الاثنين بيوم الإذاعة العالمي، لم أنتبه لوجود يوم كهذا سوى هذه المرة، وأظن أن لكل واحد ممن صاروا كهولًا ذكريات مع الراديو، يوم كان هذا الجهاز مصدر الأخبار والمعلومات والترفيه الأول.
كان جهازا ضخما على طاولة مرتفعة في زاوية البيت عُلّقت فيه كلمتا «راديو السعادة»، في بيوت أخرى كان اسم الجهاز نفسه راديو الأمل أو راديو أولومبيا وحتى المحبة. تحت الطاولة قنينة زجاجية مملوءة بالماء، فيها سلك موصول من الراديو، وفهمت أن هذا يحمي الراديو من البرق، وكانت هناك بطارية مثل بطارية السيارة، لها علاقة في الموضوع، وفوق الراديو قطعة قماش بيضاء مخرّمة عليها تطريزات زرقاء وخضراء، أضافت له هيبة ووقارا، وكان يستغرق وقتا عند بدء تشغيل الجهاز حتى يحمى.
أجمل ما أذكره في العلاقة مع الراديو هو لمة الأسرة قبيل أذان المغرب في الشهر الفضيل حول مائدة الإفطار، والاستماع بخشوع إلى المقرئ الشيخ محمد رفعت أو عبد الباسط ثم أذان المغرب، تليه تواشيح السيد النقشبندي، ثم مسلسل ألف ليلة وليلة كتبها للإذاعة طاهر أبو فاشا.
كانت مقــدمــــــة موسيقى المسلسل موسيقى روسية وكلـــمات عربية، ثم: بلغـــني أيها الملك السعـــيد ذو الرأي الرشيد», وموسيقى رهيفة جدا على الكمان كأنها خيط حرير يصّاعد في الفضاء،وجواب يوحي بقطرات ماء تتساقط على سطح غدير ممتلئ وصامت في ظلال شجرة بلوط في واد سحيق، بعد عقود عرفت أنها سيمفونية شهرزاد لريمسكي كورساكوف.
في عيد الثورة المصرية، وحفلات أم كلثوم وأضواء المدينة كان المذيع جلال معوض يدخل المستمعين إلى أجواء درامية، يصور مسرح الحدث بدقة.
عندما وصل التلفزيون في الستينيات قبيل حرب حزيران ،لم يكن التقاط القناة المصرية سهلا ، كان معظم رجال القرية يأتون إلى قاعة السينما ليشاهدوا العرض العسكري والأغاني الوطنية صوت الجماهير ووطني حبيبي، وخطاب الرئيس جمال عبد الناصر.
أذكر الجمهور يشاهد النمش والثلج على شاشة التلفزيون، ويسمع الراديو المثبت على رف إلى جانبه في الوقت ذاته، فيختلط التصفيق والهتافات مع الصوت المرافق للنمش والصورة التي تظهر لحظة ثم تختفي.
عندما قال المذيع بعد حرب حزيران إن جمال عبد الناصر تنحى كسر أحد رجال الحي الراديو وهو ينتحب…عبد الناصر انتحر عبد الناصر انتحر، وكان على رجال الحي أن يوضحوا له، بأن التنحي هو غير الانتحار.
يتحول يوم الجمعة إلى حالة من البهجة، فالإذاعات تقدم أفضل ما لديها، يهدي الناس الأغاني لبعضهم البعض، وخصوصا للطلبة المتفوقين، وبرامج تُبث مباشرة مثل على الناصية الذي قدمته آمال فهمي، وحول الأسرة البيضاء، حيث كانت المذيعة سامية صادق تزور المرضى في المستشفيات وأحيانا تفاجئهم بفنان كبير مثل فايزة أحمد أو عبد الحليم أو شادية ونجاة. برامج الصباح المصرية مثل طريق السلامة، وكلمتين وبس للمرحوم فؤاد المهندس، وأغنيات الصباح، الورد جميل، وشباكنا ستايرو حرير، وتمختري وتمايلي يا خيل، وغيرها.
صوت فلسطين صوت الثورة الفلسطينية من القاهرة، يبث الأمل في الشعب المنكوب،»أنا لن أعيش مشردا،أنا لن أظل مقيدا»، غناء غازي الشرقاوي، و«يا ويل عدو الدار من موكب الأحرار»، لمحمد قنديل، ودع سمائي فسمائي محرقة لفايدة كامل التي كرست فنها للقضايا الوطنية، حتى أن الجمهور لم يتقبلها في الأغنية العاطفية، ولم تنتشر سوى أغنية يا حضرة العمدة ابنك حميدة حدفني بالسفندية، وحتى الآن لا يعرف 88٪ من الشعب الفلسطيني ما هي السفندية وأنا منهم. الأمة عشقت أغنية شادية يا حبيبتي في مصر وكانت تبث أكثر من مرة في اليوم، عاطفية ووطنية.
لم أنتظر برنامج لغتنا الجميلة لفاروق شوشة، ولكن عندما كنت أسمعه صدفة، أشعر بمتعة في طريقة إلقائه للشعر والطرف الأدبية.
الإذاعة السورية كانت تصلنا ضعيفة كأنها صوت يوسف من الجب، وأكثر ما كان يهمنا هو نشرة الأخبار لأن توقيتها مختلف فهو على الساعة… والربع، خصوصا عندما تكون أحداث عسكرية، وكان لمارش نشيد القسم قبل نشرة الأخبار رهبة خاصة. كذلك مارش»بغداد يا قلعة الأسود» من إذاعة بغداد، أما مارش الإذاعة الأردنية فقد كان غريبا كالمغرد خارج السرب والنشرة محبطة من الخبر الأول.
صوت الثورة الفلسطينية الذي صار يبث من لبنان، وأناشيده أنا صامد صامد،وطالع لك يا عدوي طالع والرسائل المشفرة، وغيرها.
دار الإذاعة الإسرائيلية أطلقت برنامج سلاما وتحية، كان فلسطينيو الداخل يرسلون من خلاله سلاماتهم إلى أقربائهم المشردين، كان طاقم من الإذاعة يدور على القرى ويسجل البرنامج لبثه بعد مروره على الرقابة، ويختم جميع المتحدثين بعبارة: كما ونشكر دار الإذاعة الإسرائيلية التي أتاحت لنا هذه الفرصة. على ذمة أهل نحف أن إحدى المسنات من مجد الكروم قالت أثناء تسجيل البرنامج مخاطبة شقيقها المشرد.. دير بالك من اليهود المجرمين خيّا، كما ونشكر الإذاعة الإسرائيلية التي أتاحت لنا هذه الفرصة، والرقابة صُدمت.
كانت برامج مشابهة من الإذاعات العربية، ترسلني والدتي إلى عجوز مُهجّرة مثلها سكنت في الحي، فأركض إليها لأقول، بتسلم عليكِي إمي وبتقول لك نمر بهديكي السلام. وتكون قد سمعت الخبر من قبل، ولكنها لا تدعني أخرج بدون ملبّسة لاطمئنانها على ابنها.
كان في الحارة رجل لا ينام إلا والراديو الذي صار على بطاريات ناشفة في حضنه، وفي ليلة ما واصل التنقل من أغنية إلى أخرى ومن نشرة أخبار إلى أخرى، وكانت والدته عصبية المزاج بسبب اللجوء والضيق من بعد يُسر، تنام معه في الغرفة نفسها، ويبدو أنه أقلقها وحرمها النوم، فبقيت صابرة عليه على مضض حتى أغلق الراديو أخيرا، وإذا بها تطلق زغرودة بعد منتصف الليل أذهلته وسمعها كل أهل الحارة مستغربين.
قبل أعوام وجدت على اليوتيوب مونولوجا قديما للفنان عزيز علي من العراق يمتدح فيه الراديو:
الراديو ينوّر الأفكار، الراديو يفتّح الأبصار،
الراديو ينقل الأخبار،مادام يفتح الأبصار، مادام يفضح الأسرار، يعني يضر الاستعمار يحيا الراديو.. إلخ.
ولا بد أن يكون للأرض نصيب، في قريتنا يحكون عن أحد أبناء البلدة أنه باع بضعة دونمات من الأرض يقدر ثمنها اليوم ببضعة ملايين من الدولارات، ليقتني جهاز راديو، وكان إذا جاءه ضيف، يدعوه للجلوس إلى جانب الراديو تكريما له، تفضل والله ما بصير إلا تقعد جنب الراديو!!

1