عاجل
  • القدس المحتلة : انتفاضة العاصمة : استمرار المواجهات في الضفة وغزة وعشرات الإصابات وتواصل حملة الاعتقالات وحماس تدعو لجمعة غضب!!
  • الموصل.. العراق : الموصل تحتفل بـ«الانتصار» على تنظيم «الدولة»..13 الف قتيل ودمار هائل وأغلب سكانها في مخيمات النزوح!!
  • بيروت..لبنان : قمة مسيحية إسلامية في لبنان ترفض قرار ترامب بشأن القدس!!
الجمعة 15 كانون أول/ديسمبر 2017
بركات السِّت سومة!!
بقلم : سهيل كيوان ... 05.10.2017

ها هو الإعلام السعودي في مداره الجديد، وببادرة حسن نية تجاه النساء يطلق سراح أم كلثوم إلى الشاشة بعد منع فادح في ظلاميته دام حوالي الأربعة عقود.
لافت أن الفضائية الثقافية السعودية اختارت مقطعًا من أغنية «لأجل عينيك»، وهي من كلمات الأمير السعودي عبد الله الفيصل وألحان رياض السنباطي، فالاختيار مقصود، وجاء ليتناسب مع الموقف السياسي والحلف الرسمي المصري السعودي قيد التبلور.
إن تقاطع أم كلثوم هذا كأن يقاطع الغربيون بيتهوفن فخر إبداعهم، هم يفخرون ببيتهوفن ونحن العرب نفخر بأم كلثوم، التي هي وحدها مع ملحنيها العمالقة ممكن أن تكون معادلا شرقيا للفن السيمفوني الغربي. السعودية ليست وحيدة في مجال استثمار منجم أم كلثوم كنافذة تتوسل من خلالها هدفا سياسيا واجتماعيا، فقد أطلقت بلدية الاحتلال في القدس عام 2012 برئاسة اليميني المتطرف نير بركات، اسم أم كلثوم على أحد شوارع بيت حنينا في القدس المحتلة، وفي كلمته الاحتفالية قال نير بركات إن أم كلثوم فنانة عظيمة، محاولا استثمار اسمها للظهور بمظهر الشخصية المعتدلة غير العنصرية، ولكن جرى هذا في الوقت الذي كانت فيه جرافات الاحتلال تهدم بيوتا قبل افتتاح الشارع بيوم واحد، وما زالت بلدية بركات تمارس بركات الهدم والتضييق ضد جمهور أم كلثوم المقدسي، فتجعله يعيش الكوابيس ويتقلب على جمر نار العنصرية. إذاعة إسرائيل العربية بإدارتها الذكية، كانت قد اكتشفت الإمكانيات الكامنة باستثمار صوت كوكب الشرق، فخصصت وما زالت تخصص ساعة يوميا لأم كلثوم منذ الستينيات حتى يومنا هذا.
لم تكن أم كلثوم محبوبة في الوسط الرسمي الإسرائيلي، فقد اعتبروها من طاقم جمال عبد الناصر المعادي لإسرائيل، ولكنها كانت محبوبة اليهود الشرقيين بلا منازع، خصوصا الأجيال التي عاصرتها، أما رسميا فقد حرّض السياسيون ضدها كما يحرضون على أي سياسي لا يرضون عنه، وبالمقابل كانوا رسميا يمتدحون الفنان فريد الأطرش لغرض في نفس شمعون بيرس، كانوا يطلقون عليه لقب «الفنان الدرزي»، وهذا ليس ذنب فريد الأطرش، إذ حاولوا استغلال فنه بنوايا تكريس سياسة فرق تسد، التي ما زالت تتفاقم حتى يومنا، كذلك فهم يعرفون فيروز على أنها فنانة مسيحية. لم تكن أم كلثوم هرما فنيّا فقط، بل مثلت رأيا عاما وطنيا وقوميا، وقد أدرك الملوك والزعماء قوتها، فمنحها الملك فؤاد وسام سيدة العصمة، ومنحها الملك فاروق وسام الكمال، ومُنحت وسام الرافدين من الملك فيصل العراق، ووسام النهضة من الملك حسين الأردن، ووسام الجمهورية من بورقيبة تونس، ووسام الاستحقاق من هاشم الأتاسي سوريا، والأرز من رشيد كرامة لبنان.
لم يفت الرئيس جمال عبد الناصر عاشق أم كلثوم، الذي سبق وطلب سماع «غلبت اصالح في روحي عشان ما ترضى عليك» من الإذاعة المصرية أثناء حصاره في الفلوجة مع أنور السادات عام 1948، كان يدرك أهمية فنها وشعبيتها، فعمل على إعادتها للإذاعة المصرية، وإعادة الاعتبار لها بعدما قاطعها الضابط مدير الإذاعة واعتبرها فنانة البلاط الملكي القديم، تدخل عبد الناصر بوفد شخصي إلى بيتها وأقنعها ونشأت بينهما علاقة صداقة وإعجاب متينة، ثم عمل على التصالح بينها وبين عبد الوهاب بعد حساسية طويلة، ليمنحا الموسيقى العربية روائع فنية خالدة، كان أولها تفجير «إنت عمري» عام 1964 الذي أشعل منافسة قوية لتلحين أكثر من ثلاثين أغنية بين بليغ حمدي والسنباطي وعبد الوهاب حتى رحيلها عام 1975، لم يتخللها لغيرهم سوى أغنيتين لمحمد الموجي، «للصبر حدود» و»اسأل روحك»، ويتيمة «يا مسهرني» للسيد مكاوي. غنت أم كلثوم لفلسطين وفي فلسطين وتبرعت لها منذ الثلاثينيات في مواجهة الاستيطان الصهيوني.
هذا جانب لا يحبه نير بركات، ولا أعتقد أن الثقافية السعودية ستتطرق إليه، ذلك أن إعلام السيسي نفسه يتجاهل كل ما له صلة بتحشيد المشاعر القومية أو إحيائها، وخصوصا تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية. أنشدت في مقاومة الغزو الأوروبي الصهيوني لمصر في أكتوبر 1956 «والله زمان يا سلاحي» من كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل، اتخذه النظام الناصري نشيدا وطنيا، حتى طلبت إسرائيل من الراحل أنور السادات تغييره، لأنه يذكّر بالعدوان الثلاثي، فاستبدله بموسيقى بلادي بلادي عام 1979. بينما غيّره الراحل صدام حسين عام 1981 بعد العمل به في العراق منذ 1963.
غنت لفلسطين وللعروبة،»راجعين بقوة السلاح»و»إنا فدائيون نفنى ولا نهون» و»ثوار ثوار ولآخر مدى»، و»أنا الشعب أنا الشعب»، و»قوم بإيمان وبروح وضمير» والثلاثية المقدسة التي تغني فيها للكعبة المشرفة والمسجد النبوي وللأقصى والقيامة، وفيها إشارة لحريق الأقصى عام 1968، الذي ما زال ينتهك حتى يومنا هذا من دون أي ملاحظة من الجنرال السيسي، الذي يكاد أن يطالب المقدسيين بترك الفكّة للمستوطنين، كذلك غنت يوم كان هناك تحدٍ وعزم لردع العدوان «أصبح عندي الآن بندقية.. إلى فلسطين خذوني معكم» وذلك عام 1969 من كلمات نزار قباني، ولها الكثير من الأغاني القومية والوطنية، ومنها لجمال شخصيا، فقد كانت موجة انجراف في محبة الزعيم عمّت الأمة كلها في تلك الأيام.
ومثلما أن عِشق نير بركات رئيس بلدية القدس العنصري مزيف ويُقصد منه ذر الغناء في الآذان عن ممارساته العنصرية الصاخبة ضد شعب بيت المقدس الكلثومي الهوى، فإن عودة عرض أغاني أم كلثوم على الفضائية السعودية الثقافية، لا يعني أن هناك تغييرا أو ثورة إصلاحية، فالثورة وحتى الإصلاح أبعد بكثير من هذه الحركات البركاتية، نذكر هنا أنه في الوقت الذي يعتبر ظهور أم كلثوم في الفضائية الثقافية السعودية إنجازا فإن أم كلثوم أسست نقابة للموسيقيين المصريين وترأستها عام 1943، فمتى ستصبح نقابة فنانين سعودية ترأسها فنانة سعودية؟ مع الاحترام والتقدير للفنانات السعوديات، بل وننحني احتراما لمن استطعن منهن إسماع أصواتهن في هذا الجفاف والجفاء والعداء للفنون عموما والنسائية منها بشكل خاص. استعنت بغوغل فوجدت تسجيلا منذ عام للفنانة السعودية (وعد) تعاتب فيها المسؤولين لحرمانهم الفنانات السعوديات من المشاركة في أوبريت قُدّم في اليوم الوطني للسعودية، وبدلا من السعوديات تمت الاستعانة بمغنيات عربيات أخريات للغناء إلى جانب الفنانين السعوديين الذكور. نأمل أن تكون إطلالة الست سومة بركة على السعوديات، وأن يعشن في السنين المقبلة أياما أفضل وأجمل وأكثر إبداعا وحرية.

1