أحدث الأخبار
الاثنين 23 أيلول/سبتمبر 2019
ماذا إذا ارتكبت أمريكا حماقة؟!
بقلم : سهيل كيوان  ... 11.07.2019

«إذا ارتكبت أمريكا حماقة غير محسوبة فبقدرتنا أن نُغرق حاملة طائراتها»، هذا ما صرّح به مسؤول عسكري إيراني، وهي ليست المرة الأولى التي يلوح بها عسكريون إيرانيون بقدرتهم على ضرب أهداف أمريكية في المنطقة.
يعتبر الأسطول الإيراني رابع قوة بحرية على مستوى العالم من الناحية العددية، بينما تحتل كوريا الشمالية المكان الأول عددياً، أما البحرية الأمريكية فهي الثانية عدديا بعد كوريا، ولكنها الأولى عالميا من الناحية النوعية، وفي رأي الخبراء فإن قوتّها وقدراتها تعادل مجموع القوى البحرية للثلاثين دولة التي تليها بالترتيب، بما في ذلك روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا.
لقد حدث أن جرى إغراق بوارج حربية وغواصات أمريكية من قبل، كان هذا في ديسمبر/كانون الأول عام 1941، إذ أغارت 354 طائرة انطلقت من ست حاملات طائرات يابانية على ميناء بيرل هاربر في جزر الهاواي، وأدى الهجوم إلى تدمير عدد كبير من القطع البحرية الحربية وحوالي 190 طائرة، وإلى مقتل وجرح حوالي أربعة آلاف شخص، مقابل خسائر ضئيلة جداً لليابانيين، هذا الهجوم أسرع في انضمام الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الثانية. بعد استسلام ألمانيا النازية في يونيو/حزيران 1945 استمرت اليابان في الحرب، رغم تقهقرها، فألقت أمريكا قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغازاكي في أغسطس/ آب 1945 استسلمت اليابان على إثرها، ويعتبر مؤرخون أن إلقاء القنبلتين النوويتين، كان انتقاماً أكثر منه حاجة عسكرية، وما زالت آثارها المدمّرة حتى يومنا هذا، وما زالت للقوات الأمريكية قواعد عسكرية في جزيرة أوكيناوا اليابانية ولها قواعد في خمس وثلاثين دولة عبر العالم.
يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إقامة حلف دولي تحت شعار حفظ حرية الملاحة الدولية، هذا الشعار يتيح لحلفاء أمريكا الانضمام، وقد قامت بريطانيا بحجز ناقلة النفط الإيرانية غريس 1، بناء على طلب أمريكي. هذا الحلف هو الحلف العسكري الذي يسعى ترامب لإقامته، وهدفه مواصلة خنق إيران اقتصاديا، من دون أن تستطيع الرد بالمثل، مثل حجز ناقلات نفط أو تدميرها أو إغلاق المضيق، وإذا ما فعلت، فهذا يعني البدء بعمليات حربية ضدها بحجة حماية الملاحة الدولية. في حالة كهذه، حتى لو تمكنت إيران من ضرب عدد من الأهداف الأمريكية أو لحلفاء أمريكا في المنطقة، فإن النتيجة في كل الأحوال لن تكون في صالحها. إغراق حاملة طائرات أمريكية بما عليها من طواقم وطائرات وأجهزة متقدمة، هي مهمة صعبة جداً حسب خبراء عسكريين، لما تتمتع به هذه الحاملات من تكنولوجيا إلكترونية متقدمة جداً، ولكنها ليست مستحيلة، وعلى فرضية أنه تم إغراقها، فهذا يعني ضربة عسكرية قوية وخسائر بشرية كبيرة، ستؤدي إلى منح أمريكا فرصة وذريعة لاستخدام كل قدراتها، بما في ذلك استعمال سلاح نووي محدود موجّه إلى المناطق التي يعتقد أنها مفاعلات نووية. في مواجهة العقوبات وانسحاب ترامب من الاتفاق النووي رفعت إيران وتيرة تخصيب اليورانيوم، وتهدّد بالمزيد، ولكن هذه الورقة سلاح ذو حدّين، هي ورقة ضغط على الأطراف الموقعة على الاتفاق النووي، ولكنها أيضاً ورقة ضغط على إيران لأنها تقرّبها من مواجهة غير مطلوبة. من حق إيران كدولة ذات سيادة أن تخصّب اليورانيوم، بل ومن حقها صناعة رؤوس نووية مثل الهند وباكستان وإسرائيل وشمال كوريا والدول الخمس العظمى.
هذا من ناحية فلسفية وأخلاقية وكبرياء وتعامل بندّية، ولكن هناك واقعاً ومنطقاً في السياسة، يجب أن يوجِّه القيادة الإيرانية في قراراتها وليس الحق والعدل المطلق. لا نتمنى لإيران مصير اليابان وألمانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية، ولا مصير العراق، الذي ما زال ينزف ظلماً نتيجة لمواجهة عسكرية مع أمريكا وحلفائها. حتى لو كانت إيران تملك الحق الأخلاقي، إلا أنها إذا تورطت في مواجهة عسكرية فلن تجد أي دولة تقف إلى جانبها باستثناء الموقف المعنوي من هنا وهناك، مهما كان لبعضها مصالح اقتصادية مثل الصين، ولكنها ستجد عشرات الدول التي ستقدم المساعدة لأمريكا، وطبعا تكاليف الحرب على العرب.
هناك واقع ومنطق في السياسة، يجب أن يوجِّه القيادة الإيرانية في قراراتها وليس الحق والعدل المطلق
لن يستطيع الأوروبيون التمرّد على أمريكا، ويعرفون أن تورط أمريكا في حرب يعني تورطهم هم كذلك اقتصادياً وعسكرياً، ولهذا يهرعون لإيجاد وسيلة لتخفيف التوتر ومنع تدهور الوضع أكثر. على القيادة الإيرانية أن لا تمنح ترامب ومن يدفعه فرصة لتنفيذ تهديداته العسكرية، لأن النتيجة مهما كانت في بدايتها متوازنة عسكرياً، أو حتى لصالح إيران، وأغلقت مضيق هرمز لشهرين أو ثلاثة أشهر، وارتقى الشعور بالكبرياء القومي أو العقائدي الديني إلى ما فوق السحاب، فالنتيجة النهائية ستكون كارثية على إيران وشعبها، وقد تعيدها عشرات السنين إلى الوراء في كل المجالات.
على قيادة إيران أن تتحلى بالحكمة القصوى، هذا يعني أن تظهر ليونة للمبادرة الأوروبية أو الدولية، بل أكثر من هذا وحفظا لكبريائها، فمن المفضل أن تبادر وتعلن وقف كل برامجها النووية ذات الطابع العسكري وتضعها تحت رقابة دولية لعشر سنوات بدون إملاءات أمريكية ولا دولية، مقابل رفع العقوبات عنها كلياً، كي لا تصل إلى النتيجة نفسها بعد ثمن باهظ قد تدفعه في حالة المواجهة العسكري!!

1