أحدث الأخبار
الأربعاء 12 كانون أول/ديسمبر 2018
خطاب الخصوصية!!
بقلم : د.خالد الحروب ... 22.08.2015

هل ختان الإناث «خصوصية ثقافية» لبعض المجتمعات الإسلامية، تعبر عن تقاليد متوارثة وراسخة، أم أنه ممارسة وحشية ينبغي إدانتها ومحاربتها كاعتداء على إناث قاصرات؟ وهل التمسك بختان الإناث تعبير عن «الأصالة»، ورفضه يعتبر «تغريباً» للمجتمع وتخلياً عن القيم المحلية؟
يشير هذا المثال إلى الجدل المعقد والمستمر والاشتباك الدائم بين القيم والثقافة المحلية والقيم والثقافة الإنسانوية أو الكونية، وحول خطوط التماس بين منظومتي القيم. بمعنى آخر، هل هناك قيم إنسانية تتوافق عليها الثقافات والحضارات المختلفة، مقابل قيم وممارسات خاصة بكل ثقافة ومجتمع ولا ينبغي للحضارات السائدة تغييرها؟ الإجابة على هذا السؤال تبدو سهلة ومباشرة، لكن التعقيد يأتي دوماً في الحالات والأمثلة التطبيقية حيث تختفي الحدود الواضحة.
وبعيداً عن مثال «ختان الإناث»، هناك قائمة طويلة من الأفكار والقيم والممارسات التي يدافع عنها منظرو «الخصوصية الثقافية» باعتبارها خاصة بمجتمعات معينة، ويجب أن لا تخضع لأية منظومات قيم قادمة من خارج السياق الثقافي لمجتمعاتها. أطروحة «الخصوصية الثقافية» تظل حاضرة لكونها الأطروحة الأثيرة لمجاميع عريضة من المثقفين الذين ينطلقون من أرضيات مختلفة، لكنهم يلتقون على أرضيتها. على مربع «الخصوصية الثقافية» يلتقي أصحاب الأيديولوجيات الدينية المحافظة، وأعداء «الغربنة» ذوي الخلفيات اليسارية الراديكالية وغيرها. وفي نفس المربع يلتقي الجميع مع مثقفي ومنظري الدفاع عن الوضع القائم، سواء أكان اجتماعياً أم اقتصادياً أم سياسياً.. يتحد هؤلاء جميعاً ضد «القيم الوافدة» في دفاع مستميت عن «التقاليد» وما هو قائم، في موقف مناهض لمنطق الحداثة والتحديث الذي تعيشه جميع المجتمعات، بما في ذلك المجتمعات المعتدة بخصوصياتها الثقافية. وتصبح هذه الأخيرة قيداً يكبل أي مشروع تقدمي، وفي وضع كالذي نعيشه حيث سيطرة الإعلام المشبع بروح الخصوصية، يؤول المجتمع بأسره إلى حالة كاريكاتيرية ممزقة بين مظاهر الحداثة والخصوصيات الثقافية.
تاريخياً، وفي قلب جدل الحداثة وما حولها، ثارت معركة لم تهدأ حول مفهوم «التقدم»، وبحسب الحداثة الكلاسيكية، تسير المجتمعات من إشكال تقليدية في بناها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلى أشكال حديثة وفق مسار خطي. في البنية التقليدية تقوم العلاقات على الولاءات الغريزية، ويتكلس الاقتصاد على نحو بدائي وغالباً زراعي، وتظل السياسة استبدادية غير تشاركية، وتكون للأديان والغيبيات السيطرة الثقافية على الفضاء العام. كلما تقدمت المجتمعات وفق المسار الخطي، تتخفف من تلك الأثقال، فتتحول ولاءات الأفراد فيها إلى الأوطان والدول، وتخفت الأثنيات والطوائف، ويصير الاقتصاد إنتاجياً وصناعياً، والسياسة تقترب من المشاركة الديمقراطية، كما تنحسر وطأة الغيبيات على الفضاء العام. وخلال هذه السيرورة طويلة يُعاد تعريف الفرد من: «من أنت؟» (أي من أي طائفة أو فئة) إلى «ماذا تعمل؟». لكن ما يتوجب التأمل فيه هو النقد الشرس الذي تعرضت له فكرة الحداثة وما تستبطنه وتعلنه من حتميات تاريخية تفترض انتقال المجتمعات من مرحلة متأخرة إلى أخرى متقدمة. كل المجتمعات تسير على هذا المدرج ولو بسرعات متفاوتة، ومآلها النهائي هو الحداثة والتحديث الليبرالي تحديداً. جزء من النقد الشرس لفكرة «التقدم» يقوم على ضرورة احترام «الخصوصيات الثقافية» للمجتمعات، وعدم الخضوع للمنطق الحداثي الذي يفرض عليها تبني قيم «غربية» غريبة عنها. في الشكل العام يبدو هذا النقد موضوعياً وصائباً، لكن في التطبيقات العملية نقرأ قصة مختلفة تماماً. أطروحة «الخصوصية الثقافية» براقة ومغرية، لكنها توفر مسوغاً فعالا لتفادي الانخراط في عمليات الانفتاح السياسي والثقافي والاجتماعي. وهي أطروحة تفترض أن الحداثة سوف تقوم بمسح كل الخصوصيات الثقافية وتسوية الأرض الاجتماعية عولمياً، وإزالة كل الفروقات بين الشعوب. هذه الفرضية المُتوهمة هي عملياً ما يمنح فكرة «الخصوصية الثقافية» قوتها الإضافية، رغم أنها فرضية هشة ولا علاقة لها بالواقع. لكن التنظير للخصوصية الثقافية يأتي غالباً من تلك الدوائر التي تدافع عن «الوضع القائم»، وما يمنحه من مكتسبات لنخب محددة. فمثلا ثمة قراءات تقول إن الديمقراطية لا تناسب المجتمعات العربية لأنها تتناقض مع خصوصياتها الثقافية، أو أن فكرة الدولة المدنية العلمانية القائمة على فصل السلطات لا تناسب هذه المجتمعات، لأنها غربية ولا تتواءم مع المجتمعات غير الغربية. أو أن فكرة حقوق الإنسان برمتها ورغم مكوناتها المختلفة التي تدافع عن حريات الأفراد وتساوي بينهم، لا تناسب المجتمعات غير الغربية. على هذه الأطروحات العتيدة تعتاش العديد من الممارسات التي تحبط المجتمعات، ويتوسدها مثقفو ومنظرو الدفاع عن الوضع القائم.

1