أحدث الأخبار
الاثنين 16 كانون أول/ديسمبر 2019
النقب: النكبات إذ تتوالى!!
بقلم : الديار ... 12.05.2016

عشية إحياء مسيرة العودة الـ19، للتأكيد على حق العودة للمهجرين في وطنهم، التي ستقام في „وادي زُبالة (السُبالة)“ بالنقب، يوم غدٍ، الخميس، استعرض محاضر العلوم السياسية في جامعة بئر السبع، د. منصور النّصاصرة، الخارطة السكانية لعرب النقب ومحطات هامة في مسلسل التهجير والاقتلاع المنهجي، التي تنتهجه السلطات الإسرائيلية.عشائر جنوب فلسطين
منذ القرن التاسع عشر وما قبله، كان جنوب فلسطين يعرف ببلاد غزة، وكان يديره بصورة مباشرة متصرّفُ القدس. فقد ذكر الباحث مصطفى الدبّاغ، في موسوعة „بلادنا فلسطين“، أن مساحة قضاء بئر السبع كانت تقدَّر بـِ 12,577,000 دونم. حيث امتدّت مساحته من الفالوجة شمالًا وغزّة غربًا والخليل شرقًا إلى أم رشرش على خليج العقبة جنوبًا، أي ما يقدر بنصف مساحة فلسطين.
قطنت على أرض قضاء بئر السبع والنقب التاريخيّ منذ عقود عديدة 95 عشيرة بدويّة فلسطينية، مقسّمة إلى 7 قبائل وهي: الترابين، التياها، الجبارات، العزازمة، الحناجرة، السعيدين والأحواتّ. ففي نهاية الحكم العثمانيّ لجنوب فلسطين، أي في العام 1914، قُدِّر تعداد القبائل البدويّة الفلسطينيّة بـِ55 ألف نسمة. وفي العام 1922، بدايةَ الانتداب البريطانيّ لفلسطين، قَدّرت وثائق أرشيفيّة بريطانيّة تعدادَ سكّان النقب من العرب البدو بـِ 71,115 نسمة، وبلغ هذا التعداد أكثر من 95,000 نسمة، قُبَيْل عام النكبة.
سقوط مدينة بئر السبع
سقطت مدينة بئر السبع في أيدي القوات الصهيونية في تشرين الأول/ أكتوبر من العام 1948، لتكون بداية لتهجير غالبية قبائل جنوب فلسطين إلى الأردن، سيناء مصر وغزة. فتشير الإحصائيّات أنّه قد نزح وهُجّر معظم البدو الفلسطينيّين الذين قطنوا قضاء بئر السبع، ولم يتبقَّ منهم إلاّ نسبة لم تتعدَّ الـ 10%، أي ما لا يتعدّى الـ 13,000 نسمة من أصل 90,000 في أواخر فترة الانتداب.
وتشير إحصائيات أرشيفية ومصادر كثيرة إلى أن غالبية العشائر تركت وطردت من النقب، حيث بقيت في البلاد بعض من عشائر التياها، الترابين، العزازمة وعشائر أخرى قليلة، بيد أن تلك المصادر أشارت إلى أن السواد الأعظم من عشائر الترابين، هجرت ونزحت إلى غزّة، خان يونس ورفح. وأن غالبية عشائر الجبارات نزحت إلى الأردن، حيث يعيش جزء منهم اليوم في مخيمات فلسطينية مثل البقعة. أما عشائر الحناجرة، فقد نزحت غالبيتها إلى قطاع غزة. في حين هجّرت أغلبية عشائر العزازمة إلى سيناء، مصر والأردن.
ونتيجة مباشرة للتهجير وفرض الحكم العسكري، الذي استمر حتى عام ١٩٦٧، فقدت غالبية العشائر البدوية أراضيها الواقعة في النقب الغربي والشمال؛ فلم تسمح سلطات الحكم العسكري لهم بالعودة إلى قراهم المهجرة أو الاعتراف بأي ادعاء ملكية قدمها البدو للمحاكم الإسرائيلية حتى يومنا هذا.
أما عن تأثيرات التهجير والنكبة، فقد قال النصاصرة إنها كانت وما زالت كبيرة على عرب النقب، فمن الناحية الاجتماعية، فقدت الكثير من العشائر علاقتها التاريخية مع الأرض ومع النسيج الاجتماعي التاريخي لسكان هذه المنطقة. هذا بالإضافة إلى نزوح القيادة العشائرية والطبقة المتعلمة للدول العربية المجاورة.
وتابع النصاصرة أن عمليات التهجير لم تنته بانتهاء الحرب، لكنها استمرت في النقب حتى عام 1959. فعشائر العزازمة التي تبقت داخل الحدود الإسرائيلية، عانت من سياسات التهجير حتى بعد سنوات عدة من النكبة، فعلى سبيل المثال، تشير وثائق وزارة الخارجية البريطانية من العام 1949 إلى أن عشائر العزازمة، التي قطنت في منطقة عوجة الحفير، هُجِّرت قسريًا إلى ما وراء الحدود، بعد أن رفض مشايخها الحضور إلى بئر السبع وإعلان الولاء لحكومة بن غوريون. أما مراقب هدنة وقف إطلاق النار، الجنرال بيرن، فقد وثق بعد اتفاقية الهدنة (في كتابة الهدنة الدامية) أنه تم ترحيل قرابة الـ6000 شخص من العزازمة إلى ما وراء الحدود المصرية، بالإضافة إلى تهجير عشيرة الصانع إلى ما وراء الحدود الأردنية في عام 1952. أما عملية التهجير الأخيرة، التي واجهتها عشائر العزازمة، فقد كانت في عام 1959، حيث تشير إلى الإحصائيات الأرشيفية إلى أن بعض عشائر العزازمة هجرت قسريًا ونزحت إلى ما وراء الحدود المصرية والأردنية، بعد عملية „هاجر“ الإسرائيلية ضدهم. موجة تهجير العزازمة في عام 1959 كانت الهجمة الأخيرة التي طرد فيها مواطنون عرب في النقب إلى ما وراء الحدود في فترة الحكم العسكري. هذا بالإضافة إلى منع أهل النقب من العودة إلى قراههم التاريخية المهجرة في شمال النقب والنقب الغربي، وأيضًا، قرى تاريخية أخرى في قضاء بئر السبع وغزة. نذكر بعض من القرى المهجرة في القضاء الجنوبي، والتي لم يسمح لأهلها بالعودة إليها، مثلا الشلالة، زمارة، الشريعة، قرية وادي زبالة، الجمامة، الحسي, صفيحة، أبو جابر (الجبارات)، هوج، الكوفخة والمحرقة، أبو سمارة، غزالة، خربة معين، طويل أبو جرول، خربة، زحيليقة، تل الملح، الخلصة، فطيس، وادي المليحة، عوجة الحفير، وغيرها الكثير.
كامب ديفيد ضوء أخضر لاستكمال التهجير
لم تنته عملية التهجير القسري الممنهج في النقب، حتى بعد انتهاء الحكم العسكري. ففي عام 1979، وبعد اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، التي نصت على سلام مع مصر، لكنها، في نفس الوقت، أعطت الضوء الأخضر لترحيل عشائر „تل الملح“، حيث هجر ما يقارب الـ5000 من أصحاب البلاد من تل الملح إلى مدن التوطين القسري: رهط، كسيفة، وعرعرة.
سيناريو تل الملح ما زال يعيش في ذاكرة أهل النقب، حين نتحدث عن مخطط برافر الاقتلاعي، الذي يدعو إلى تطبيق قوانين إسرائيلية تنادي بترحيل 40 ألف من عرب النقب من أراضيهم التاريخية وتركيزهم في قرى التوطين القسري. دفعت قرية العراقيب رصيد خطة برافر التهويدية منذ أن هدمت في عام 2010، وما زالت تعاني عمليات الهدم المستمرة حتى يومنا هذا. أما قَريَتَيْ عتّير وأم الحيران فهما، أيضًا، تعانيان من خطط تهجيرية لتبنى مكانها مستعمرة تحمل اسم حيران.
القرية المهجرة وادي زبالة/سبالة
وحول قرية وادي زبالة، والتي ستستضيف على أراضيها مسيرة العودة الـ19، قال إنها إحدى القرى البدوية الفلسطينية المهجرة في النقب، مثلها مثل العشرات من القرى المهجرة المجاورة في النقب الغربي والشمالي، مثل الشريعة، الشلالة، زمارة، أبو جابر، وغيرها. تقع قرية وادي زبالة شمالي مدينة بئر السبع (منطقة البطيحة)، وهي ضمن حدود كيبوتس شوفال اليوكو، الذي أقيم في سنوات الأربعينيّات من القرن الماضي، حين سيطر على أراضٍ كثيرة مجاورة له بعد أن طرد أهلها.
وتابع: نزحت وطردت جميع العشائر التي قطنت وادي زبالة، أسوة بكل العشائر التي سكنت في النقب الغربي والشمالي، إلى قرى التوطين القسري والتي يسكن بعضها اليوم في مدينة رهط المجاورة، ومناطق أخرى في النقب.
كانت عشيرة أبو القيعان آخر العشائر التي نزحت من وادي زبالة في بداية سنوات الحكم العسكري، وذلك بأمر من الحاكم العسكري نفسه. تقطن اليوم عشيرة أبو القيعان في قريتي عتير وأم الحيران، وهي، أيضًا، مهدّدة بالتهجير.
يشار إلى أن أحد معالم قرية وادي زبالة، والتي ما زالت شاهدة على تاريخها، هي بئر ماء ومحطة بوليس بريطانية. تدل محطة الشرطة البريطانية، التي بنيت في بداية سنوات الأربعينيّات على الأهميّة الإستراتيجية لوادي زبالة، في مراقبة تحركات العشائر ومحاولة السيطرة عليها.
بعد النكبة، تحولت نقطة الشرطة الإنجليزيّة في وادي زبالة إلى محطة حكم عسكري إسرائيلي، استعملها الحاكم العسكري لإصدار تصاريح للعرب البدو للتحرك من منطقة إلى أخرى.

المصدر: عرب 48
1