عاجل
  • دمشق..سوريا : عشرات القتلى في غارات للتحالف الدولي على دير الزور!
  • الناصرة..فلسطين : مجلس الطائفة الارثوذكسية : لا لبيع الأوقاف الأرثوذكسية والتفريط بها!!
  • باريس..فرنسا : جرائم حرب بشعه : فرنسا سلحت ميليشيات “الهوتو” إبان الإبادة الجماعية في رواندا!!
الخميس 29 حزيران/يونيو 2017
"الوزيعة"..اللحم للجميع في رمضان الأمازيغ!!
  03.06.2017

يهتم الأمازيغ في شمال أفريقيا بشهر رمضان وكأنه ضيف عزيز سيحل لمدة ويرحل، ولذلك فإنهم يتفننون في استقباله من خلال عادات عريقة توارثوها عن أجدادهم، ومن أهم مظاهر استقبالهم لشهر رمضان الوزيعة وهي عادة حميدة تتمثل في توزيع اللحم يجتمع خلالها الناس للتآزر والتكافل.
الجزائر - تسود عند الأمازيغ في شمال أفريقيا منذ القدم عادة اجتماعية تعرف بـ”الوزيعة” التي كانت تتم في المناسبات الدينية والمواسم والأفراح، ورغم هذا التقليد بدأ يشقّ طريق النسيان، إلا أن عادة التراحم بدأت تعود خلال شهر رمضان في المحافظات التي يسكنها الأمازيغ شرق الجزائر.
ويعود هذا التقليد الذي يجسد التكافل الاجتماعي مع حلول شهر رمضان في كل من المغرب والجزائر وانقرض عند التونسيين إلا عند بعض العائلات الريفية القليلة.
وتعتبر “الوزيعة” أو “ثيمشراط” (وفق الأمازيغية)، تقليدا اجتماعيا تشتهر به منطقة القبائل الكبرى والصغرى التي تضم محافظات شرق العاصمة الجزائر، وبينها تيزي وزو، بجاية، سطيف، وبرج بوعريريج، منطقة الأوراس بشرق البلاد، وبني منيزاب بالجنوب.
وتتمثل الوزيعة في اشتراك عدد من الميسورين في جمع مبلغ من المال بمشاركة من يستطيع من خلال مساهمة تكون محددة مسبقا لكل عائلة، ليتم شراء بقرة أو ثور أو أكثر، ويتم نحرها وتوزيع لحومها على كل الأسر بالتساوي، مع تخصيص حصص إضافية للعائلات الفقيرة التي لم تتمكن من المساهمة بالمال.
وتعد الوزيعة ظاهرة اجتماعية تعبر عن التضامن في مثل هذا الشهر الذي يتسابق فيه المواطنون في فعل الخير والتآزر والتكافل.
وتنظم الوزيعة في الأعياد الدينية مثل عيد الفطر، “عاشوراء” (العاشر من محرم)، والمولد النبوي الشريف، وشهر رمضان، وأحيانا في رأس السنة الأمازيغية، التي تصادف 12 يناير من كل عام، وغيرها من المناسبات الدينية والاجتماعية.
ومع حلول شهر رمضان هذه السنة عادت الوزيعة إلى الواجهة في عدة مناطق شرق الجزائر، كما تنقل وسائل إعلام محلية يوميا، من أجل إعانة الفقراء ومحدودي الدخل على تحمل نفقات هذا الشهر.
وساهم ارتفاع أسعار اللحوم سواء البيضاء أو الحمراء مع بداية الأيام الأولى من شهر الصيام في عودة هذه العادة الحميدة بقوة، حيث تلجأ العديد من العائلات إلى إحياء تظاهرة النفقة أو الوزيعة للتخفيف والتقليص من المصاريف بسبب غلاء اللحوم التي تعتبر من المستلزمات لتحضير الفطور من جهة، ولتوريث عادات وتقاليد الأجداد من ناحية أخرى.
طقوس الفرح
يقوم أعيان وكبار المنطقة بجمع مبلغ من المال بمشاركة الجميع من خلال مساهمة تكون محددة مسبقا لكل عائلة ليتم شراء بقرة أو ثور أو أغنام، ويتم نحرها وتوزيع لحومها على كل الأسر بالتساوي، مع تخصيص حصص إضافية للعائلات الفقيرة التي لم تتمكن من المساهمة بالمال.
وتبدأ العملية قبل أسبوع من شهر رمضان بتسجيل الراغبين في الاشتراك، وهم عادة كل عائلات القرية، وبحسب القائمة يحدد عدد الرؤوس التي يتعين نحرها وقيمة اشتراك كل عائلة، وكلما زاد العدد كانت المساهمة بالمال أقل. وبعد جمع المال من المشتركين، يتوجه كبار القرية إلى سوق الماشية لشراء الثيران أو الأبقار، ويجتمع السكان في انتظار عودتهم في أجواء احتفالية بهيجة يشارك فيها الصغار والكبار على السواء.
وفي الاحتفالية التي يحضرها الأطفال والنساء، يعهد للشباب تحضير مكان النحر وتنظيفه، فيخرجون إلى البراري لجلب الأعشاب والأغصان لتغطى بها ساحة توزيع اللحم.
وقد تغير الوضع الآن بسبب وجود بدائل للأعشاب، ولتذليل التعب تغطى المساحة بقطعة أو قطع كبيرة من البلاستيك.
وبعد ذلك يتوضأ أمهر الذباحين ويجهز السكين ويختبره، فيما أقوياء القرية يسقطون الثور أرضا، وتتم عملية النحر بحضور سكان القرية أو الحي، ويجلس الجميع في حلقة واسعة يجرى وسطها توزيع اللحم، حيث توضع القطع واحدة واحدة حتى تشكل أكواما بعدد العائلات المعنية مصطفة بإحكام وسط الساحة.
ويسمى كل كوم من اللحم “السهمة”، ويمكن للعائلات الكبيرة أن تضاعف اشتراكها للحصول على حصتين، كما يمكن للصغيرة منها أن تحصل على نصف حصة باقتسام “سهمة” واحدة بين عائلتين، وفي جميع الحالات الأمور تجري في توافق بين الجميع وبما يرضي الجميع.
وترتسم الفرحة والبهجة على وجوه الأطفال، حينما يأخذ كلّ واحد نصيبه من اللحم في جو من القناعة والتضامن الاجتماعي، لتبقى هذه العادة تميز العائلات الأمازيغية، خاصة في شهر رمضان، حيث تقام العملية في آخر أيام شهر شعبان وتتكرر في النصف منه، لتعاد في ليلة السابع والعشرين من نفس الشهر، وتقام أحيانا كل خمسة أيام أو كل أسبوع.
يقول العربي غزالي، البالغ من العمر أربعين سنة ويقطن بمحافظة تيزي وزو، إنّ الوزيعة ترمز إلى الثقافة الجزائرية الأمازيغية، وهي تقليد له طعم خاص يجعله يشعر بالمحبة والإخاء مع أفراد قريته.
ويضيف “أعمل خارج محافظة تيزي وزو التي أسكن فيها، لكن أحرص دائما على حضور الوزيعة التي يقيمها أهل قريتي في مناسبات مثل عاشوراء، والمولد النبوي الشريف، ورمضان”.
ويشير العربي إلى أنّ ثمة أمورا تغيرت بهذا الخصوص نتيجة تغير عقليات الناس وذهنياتهم، لذلك يخشى أن تندثر تلك العادة يوما ما.
وتتحدث وسائل إعلام محلية في الجزائرعن تراجع عادة الوزيعة بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية، قبل أن تعود هذا العام بقوة مع ارتفاع الأسعار، والحاجة إلى التضامن الاجتماعي. ويقول هلال يحيى المتخصص في التاريخ والتراث الجزائري إن الوزيعة تقليد عريق وعادة حميدة متوارثة أبا عن جد في محافظته البويرة (شرق الجزائر) وكافة منطقة القبائل.
ويشير إلى أن الوزيعة تنتشر في منطقته (البويرة) بصورة كبيرة، وهدفها لمّ شمل أهالي القرى والسكان بصفة عامة تحت مظلة الأخوة والوحدة.
ويضيف يحيى أن الوزيعة بقدر ما هي عادة متوارثة فهي تعتبر عملية اجتماعية تضامنية وتعاطفية بين سكان القرية الواحدة.
ويشير إلى أن جميع السكان يستفيدون من الذبيحة لتكون الوليمة والفرحة في كل بيت وفي ليلة واحدة سواء في رمضان أو في مناسبة دينية أخرى.
كما يلفت المتخصص في التراث الجزائري إلى أنّ تنظيم الوزيعة يشهد بعض الاستثناءات كاللجوء إليها في المواسم الفلاحية تقربا إلى الله بهدف طلب نزول الغيث.
وكذلك قد يلجأ إليها السكان سعيا إلى خلق جو إنساني أخوي وعائلي، فيقومون بشراء الذبائح لتوزع على العائلات، وقد يتولى سداد قيمة الذبائح أحد المتبرعين من الميسورين.
يرى الحاج أحمد أن هذه العادة التي اختفت مع هجرة السكان لأراضيهم في العشرية الأخيرة من القرن الماضي تسجل اليوم عودة قوية مع عودة السكان والأمن والاستقرار.
وأكد أنه بفضل هذا النوع من التضامن يمكن لكل سكان الحي الواحد نيل قسطه من اللحم الطازج الذي أصبح في غير متناول أصحاب الدخل الضعيف والمتوسط.
ويشرح علي بن رابح من محافظة تلمسان اندثار عادة الوزيعة تدريجيا من المجتمع الجزائري، حيث أرجع ذلك إلى موت أعيان القبائل وشيوخها في القرى دون أن ينقلوا هذه العادة كما ينبغي إلى بقية الأجيال، ومنهم من هجروا الأرياف إلى المدن ولم
يبق إلا بعض العائلات محدودة الدخل. ودعا أهل قريته والفاعلين في مجال التراث إلى “حماية عادة الوليمة هذه من الضياع والحفاظ على عادات وتقاليد منطقة القبائل المتنوعة”.
ويؤكد الحاج مصطفى من إحدى قرى محافظة تلمسان أنه لا أثر للوزيعة في القرية التي يقطن فيها، والسبب أن أغلب سكانها من البسطاء ولا يوجد من يأخذ بهذه المبادرة، مضيفا “أن كل واحد صار يبحث كيف يلبي احتياجاته الخاصة قبل حلول شهر الصيام، خاصة مع الارتفاع الفاحش في الأسعار”.
بالمقابل يقول أحمد الشيخ السبعيني “الوزيعة سنة سارية ولا أتصور اختفاءها ما دامت ثمة قرى بهذه المنطقة”، مؤكدا أن الكثير ممن تركوا القرى إلى المدن يشتركون ويقطعون مئات الكيلومترات لحضور الوليمة والحصول على حصصهم من اللحم”.
ويرى أن الوزيعة “مناسبة تضامنية راقية حيث يتعاون الناس على الشراء وتقاسم ما يشترى جماعيا في أجواء من الفرح والتآزر وأخوة مثالية تقصي كل الضغائن وتفتح المجال للعناق والتقارب”.
وهناك نمط آخر من الوزيعة يتمثل في تكليف الأطفال والشباب بطرق أبواب كل البيوت وجمع ما أمكن جمعه من العائلات الميسورة كل حسب إمكانياته قبل حلول شهر رمضان، ليعاد توزيع ما جمعوه على اختلافه لكل محتاج.
ويعتبر تقاسم اللحم بداية للأفعال الخيّرة التي لطالما دأب عليها المواطنون نظرا إلى المكانة الكبيرة التي يحظى بها شهر رمضان في المجتمع الأمازيغي.
تجدر الإشارة إلى أن عادة الوزيعة حسب المختصين في علم الاجتماع والعادات الثقافية القديمة ترتبط منذ قدم التاريخ بالمناسبات والأفراح، ويرجح العارفون أن عمرها قرون من الزمن، وتطورت مع تطور الزمن وصارت تميز المناسبات الدينية الإسلامية.
ويقول الباحث في علم الاجتماع مصطفى بوعروج “ليس ثمة ما يدل على بداية هذه التظاهرة، ولكن ارتباطها بمناسبات الأفراح يعطي الانطباع بأنها قديمة جدا وصارت عادة متأصلة عمرها قرون من الزمن”، ولم يستبعد أن تكون بدايتها مع بداية التجمعات السكانية البربرية في العهود السحيقة.
ويحافظ الأمازيغ على إقامة طقوس روحية واجتماعية متنوعة خلال شهر رمضان، منها إقامة العائلات احتفالات يحضرها الأقارب ويكرم فيها الأطفال الذين صاموا لأول مرة أو أكبر عدد من أيام شهر رمضان.
ويصعد الطفل إلى سقف البيت عند صومه لأول مرة وذلك في السابع والعشرين من شهر رمضان، وفيه يقوم بتناول طبق رمضاني خاص يتمثل في الشربة والبيض المسلوق وقطعة من الخبز الذي يصنع مع الخميرة أو ما يعرف بـ”تموثونت”، هذا بالإضافة إلى شرب الماء من آنية فخارية بها قطعة سكر وشيء من الفضة، لينعم بالصحة الجيدة من جهة، وليعلو شأنه كعلو السقف من جهة أخرى.
وتعبر كل هذه العادات والتقاليد عن أصالة التراث الأمازيغي ومحافظة منطقة الشرق الجزائري على هذا الموروث الشعبي.

1 2 3 4754
1