logo
وثائق مفقودة... أهالي غزة بلا أوراق ثبوتية وملكية جراء العدوان!!
بقلم : أمجد ياغي ... 25.01.2024

لم يُمنح أهالي غزة الوقت للفرار، فكان القصف الإسرائيلي يباغتهم فيضطرون إلى الإخلاء بسرعة، تاركين أوراقهم الثبوتية والرسمية، وإن كانوا قد جهزوها في حقيبة. واليوم، الكثير من الغزيين بلا أوراق.
خلال العدوان الإسرائيلي الحالي والمستمر منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فقد الكثير من الغزيين وثائقهم الرسمية في ظل حرب الإبادة الجماعية التي استهدفت مناطق ومنازل المدنيين من دون سابق إنذار، الأمر الذي دفع الغزيين إلى الهرب بحثاً عن أماكن قد تكون أكثر أماناً. وفي ظل الهرب المفاجئ والنزوح من مكان إلى آخر، فإن أعداداً كبيرة من الغزيين داخل مراكز النزوح والخيام أصبحت من دون أوراق أو وثائق رسمية. وأضاع البعض بطاقات الهوية وجوازات السفر وأوراق ملكية الأراضي والمحال التجارية وشهادات الميلاد والشهادات التعليمية وغيرها.
خلال الهجوم الأخير على مدينة خانيونس بداية العام الجاري، والذي لا يزال مستمراً، فقد إبراهيم حمادة (44 عاماً) جواز سفره المصري خلال إخلاء سريع أثناء قصف عدد من المنازل في منطقة البلد وسط خانيونس. يحمل حمادة الجنسية المصرية على اعتبار أن والدته من أصول مصرية، وكان عاجزاً عن السفر وترك أسرته ووالدته المسنة بعدما دمر منزلهم في حي الجلاء وسط مدينة غزة، وخاضوا رحلة نزوح طويلة، لكنها لم تكن المرة الأولى التي يفقد فيها أوراقاً رسمية خلال هذا العدوان.
وفي وقت سابق، فقد هويته وجواز سفره الفلسطيني خلال إخلاء سريع أثناء قصف منزل جيرانهم. كان يضع الأوراق في حقيبة نجله المدرسية. لكن أثناء الإخلاء، فكر في النجاة وأفراد عائلته بأرواحهم. وكان قد سقط شهداء داخل المبنى المحاذي لمنزلهم الذي نزحوا إليه منذ 22 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وصل حمادة إلى مدينة رفح منذ 10 أيام سيراً على الأقدام. لكن هذه المرة، لم يعد يحمل أي أوراق ثبوتية، ولم يتمكن من الحصول على مساعدات على مدار خمسة أيام. فهو أمام النظام الرسمي وهيئات المساعدات لا يملك أوراقاً ثبوتية، لكنه استطاع بعد أيام إقناع موظفي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بقبول أوراق زوجته والحصول على مساعدات من أجل أسرة مكونة من 13 فرداً.
يقول حمادة لـ "العربي الجديد": "لا أملك هوية وجواز سفر ووثائق وبطاقة الأونروا التي عليها أسماء بلداتنا التي هجرنا منها. نحن أمام الجهات الدولية وغيرها من دون أي إثبات. حاولت الحصول على مساعدات من أي مؤسسة دولية أخرى غير الأونروا، لكن ذلك لم يكن ممكنا من دون هوية أو أية إثبات للشخصية. هذه شروط الحصول على مساعدات".
لا مجال للفرار بالوثائق
خلال العدوان الحالي، يباغت القصف الغزيين ما يدفعهم إلى مغادرة بيوتهم بسرعة على أمل النجاة. وفي القصف العنيف الذي يدمر عدداً من المنازل في ضربة واحدة موجهة، كان الغزيون يفقدون أي فرصة للحصول على أوراقهم. في حروبهم السابقة، كان جنود الاحتلال يعمدون أحياناً إلى إطلاق تحذيرات للمباني التي ينوون قصفها، ليشاهد الغزيون بيوتهم تتدمر، لكن ذلك كان يمنحهم دقائق قليلة لإخراج بعض الأوراق، وهو ما لا يحصل الآن. يشار إلى أن الغزيين اعتادوا تجهيز حقيبة يضعون فيها الأوراق الرسمية والمتعلقات الأسرية المهمة والمال والذهب.
حازم أبو فول (40 عاماً) هو أحد الذين حضروا الحقيبة تحسباً لأي إخلاء سريع. لكن الاحتلال الإسرائيلي استهدف منزل جيرانه وألحق أضراراً بمنزله. يتكون مبنى العائلة من ثلاثة طوابق وفي داخله أكثر من 8 عائلات في مدينة دير البلح، وأصيب منزله بأضرار وأصيب وزوجته بإصابات متوسطة.
يشير أبو فول إلى أن عدداً من أشقائه خسروا وثائقهم، وقد التقى بهم في مدينة رفح بعد أكثر من شهر من الإصابة والعلاج ثم النزوح إلى مدينة رفح. ويقول إنه كان قد نجا من قصف إسرائيلي خلال عدوان عام 2021 في مايو/ أيار، لكن الوضع مختلف خلال العدوان الحالي، إذ يجبر الناس على النزوح بشكل سريع إلى درجة لا يفكرون في حمل الحقيبة التي تضم أوراقهم.
ويوضح في حديثه لـ "العربي الجديد": "جهزت حقيبة فيها هويات جميع أفراد العائلة، بمن فيهم أمي وأبي وشهادات ميلاد أطفالي الثلاثة وبطاقة الأونروا التي تخولنا الحصول على العلاج والمساعدات الغذائية من الوكالة، وبطاقة الأمراض المزمنة لعلاج والدتي، وشهادتي الجامعية ومبلغ مالي، لكن هذه الحقيبة لم تعد موجودة جراء القصف".
يضيف: "خلال القصف، أصيب 7 أفراد من العائلة. وكانت إصابتي في يدي اليمنى بسبب انهيار مبنى جيراننا على منزلنا الملاصق. خرجنا بأعجوبة، وعندما سألت أحد جيراننا عن حال المنزل أخبرني أنه مدمر بالكامل ولا وجود لأغراض ومتعلقات شخصية. وقد أغار الاحتلال على المكان نفسه بعد أسبوع من القصف ودمر الكثير من المنازل في منطقتنا".
استخراج أوراق جديدة مهمة صعبة
يخشى الغزيون عدم القدرة على استخراج وثائق جديدة بسبب الانقسام الفلسطيني منذ عام 2007. ولا خيار غير انتظار انتهاء العدوان من أجل إصدار جوازات سفر وبعض سندات الملكية التي يتم إصدارها من رام الله حيث الحكومة الفلسطينية.
من جهتها، تقوم اللجنة الإدارية لشؤون قطاع غزة بتخصيص إصدار بطاقات تعريفية للغزيين الذين فقدوا بطاقات الهوية داخل مكتب للخدمات العامة في مدينة رفح، وتتضمن أختام الجهة الأمنية التي تُقر المعلومات الشخصية بناءً على قاعدة البيانات الحكومية المحفوظة في غزة، من أجل تسهيل بعض الإجراءات اليومية لإتمام حصولهم على العلاج أو المساعدات الإنسانية أو بعض الإجراءات الطارئة لتسجيل البيانات الرسمية.
إلى ذلك، فقد عدد من الخريجين في قطاع غزة شهاداتهم الجامعية ووثائق تبين الدرجات بفعل قصف وتدمير المنازل. والمشكلة الأكبر هي أن الاحتلال الإسرائيلي ألحق أضراراً بجامعات وكليات قطاع غزة. من جهته، يشير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن نحو 300 ألف خريج جامعي في قطاع غزة لم يجدوا فرصة عمل ولو لمرة واحدة.
وأعلنت عدد من الجامعات أن الوثائق الخاصة بالطلاب محفوظة ضمن قاعدة بيانات. لكن بعد انقضاء العدوان، يمكن الحصول على نسخة من الشهادات وكشوفات الدرجات. مع ذلك، يشعر كريم النحال بالخوف. الأخير كان يسعى إلى السفر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة حيث يوجد شقيقه، لكن فقدان شهادته الجامعية بتخصص هندسة البرمجيات من الجامعة الإسلامية وتدمير غالبية مباني الجامعة الإسلامية في عدد من المحافظات قد يكون عائقاً.
يقول النحال لـ "العربي الجديد": "قررت السفر للعمل في الخارج بعدما بات عمري 31 عاماً وما زلت عاطلاً عن العمل. عملت فترة بسيطة في العمل الحر، لكن هناك صعوبة في الحصول على الحوالات المالية. دمر منزلنا في حي الرمال وخسرت بعض أوراقي الرسمية وحزنت بشدة على دمار الجامعة. المشكلة ليست في الأوراق فحسب، فقد قضوا على الذكريات والشهادة الجامعية".
لا يكتفي الغزيون بالحزن على الوثائق الأساسية مثل الهويات الشخصية وجوازات السفر وبعض سندات الملكية، بل هناك الوثائق التي ترتبط بذكريات أجدادهم وآبائهم، منها ما يثبت ملكيتهم للأراضي المحتلة، بالإضافة إلى شهاداتهم في مراحل دراسية سابقة وبعض الأوراق الرسمية الأخرى التي تمثل ذكرى جميلة. كانوا يضعونها بإطار في المنزل، وهذا ما كان يفعله أيضاً صائب الجدي الذي احتفظ بمستندات عائلية كثيرة.
الجدي من هواة جمع الوثائق القديمة والمتعلقة بجده إسماعيل الذي كان مناضلاً مع جيش التحرير الفلسطيني في لبنان وتعرض للمطاردة من الاحتلال. وكان يحتفظ بشهادات ميلاد عائلته وجده ووالده المتوفي منذ أعوام. صحيح أنه فقد هويته وشهادة ميلاده، لكن لم يحزن عليها كما حزن على الوثائق الخاصة بوالده وجده. يقول الجدي لـ "العربي الجديد": "في كل منزل فلسطيني أوراق رسمية قديمة تعود للجد والأب وآخرين، ومنها شهادات تكريم وشهادات جامعية وغير ذلك. لكننا عرضة لفقدان كل شيء في أية لحظة. الحرب تسعى إلى القضاء على ذاكرتنا الفلسطينية. يريدون محو كل شيء، وحتى ذاكرتنا التي لا نزال نحتفظ بها".

*المصدر: العربي الجديد

www.deyaralnagab.com