logo
عائلات تونسية تلمّع أوانيها النحاسية مع حلول رمضان!!
بقلم : الديار ... 28.03.2023

**لا تزال بعض العائلات التونسية تحافظ على عادة تلميع الأواني النحاسية قبل حلول شهر رمضان من كل سنة لاعتقادهم أنها تحفظ القيمة الصحية للطعام، ورغم أن حرفيي النحاس ينتظرون هذا الموسم إلا أنهم يتحسرون على مهنتهم التي يتهددها الاندثار لغلاء المواد الأولية وعزوف العائلات التونسية عن شرائها.
تونس – يقف الحرفي الشاذلي المغراوي في ورشته بالعاصمة التونسية وسط أباريق وقدور متراصة هنا وهناك وفي انتظاره عملاء دأبوا منذ سنوات على جلب أواني الطبخ النحاسية لطلائها بطبقة من القصدير وتلميعها لاستعمالها في إعداد الأكل خلال شهر رمضان.
والمغراوي (69 عاما) من بين قلة قليلة من الحرفيين المتخصصين في طلاء وتلميع الأواني النحاسية، وهو وفيّ منذ عشرات السنين لورشته التي أنشئت منذ العام 1977 في حي باب الخضراء بالقرب من المدينة القديمة بالعاصمة التونسية، فيما لم يعد بريق هذه الحرفة يجذب الشباب التونسي الذي هجر الأعمال الشاقة.
ويحرص التونسيون قبل شهر رمضان من كل عام على حمل كل الأواني المصنوعة من النحاس إلى ورش متخصصة في تنظيفها وطلائها من جديد لتصبح جاهزة لإعداد مختلف الأطباق خلال هذا الشهر.
ويكرّر العديد من العملاء وغالبيتهم من النساء اللاتي يقفن في مدخل الورشة، طلب الإسراع بتجهيز أوانهن قبل أول أيّام رمضان. ويرد عليهن المغراوي بينما يعالج نيران موقده “لن يكون ذلك ممكنا. لدينا طلبات أخرى، وكما ترين أعمل بمفردي”. يذيب بين أنامله قطعة من القصدير ثم يطلي بسائلها وعاء ليكشطه لاحقا ثم يغرقها في سطل كبير من الماء.
ويطلق التونسيون على هذه العملية “القصدرة” وتتمثل في إكساء الآنية بطبقة من القصدير المُذاب لحماية الطعام وحفظه من الأكسدة التي يتسبب فيها معدن النحاس.
ويصبح إثر ذلك “الكسكاس” (وعاء لإعداد أكلة الكسكسي) أو “الكروانة” (وعاء لإعداد الحساء)، جميل الشكل وشديد اللمعان. ويشرح المغراوي أن هذا التقليد “موجود منذ قرون ويبقى دائما حيّا”.
وتحتفظ الأمّهات التونسيات بأواني النحاس في مطبخهنّ، يرثنها ويورّثنها لحفيداتهن لتكون من بين المستلزمات الأساسية في تجهيز بيوتهن قبل الزواج. وتقول سناء بوخريص (49 عاما) بكل فخر “أشعر بإحساس جميل عندما أستعمل ‘الدوزان’ (قنينة من النحاس) وهو يلمع طوال شهر رمضان”.
وتضيف بوخريص وهي متخصصة في المحاسبة ومتزوجة منذ 28 عاما “يذكرني هذا التقليد بالزمن الجميل واستعداد أمّي للشهر الفضيل”، وتتابع “هذه الأواني الموروثة من أمي فيها بركة”.
ولم تتمكن دليلة بوبكر (53 عاما) وهي ربة بيت، هذا العام إلا من تلميع قطعتين فقط، بينما تكابد عائلات تونسية أخرى بحثا عمّا تطبخ وسط أزمة اقتصادية واجتماعية حادة تمر بها البلاد. وتعلّق بوبكر قائلة “أصبحت الأسعار جدّ مرتفعة”.
"القصدرة " هي إكساء الآنية النحاسية بطبقة من القصدير المُذاب لحماية الطعام وحفظه من الأكسدة التي يتسبب فيها المعدن
وتبلغ تكلفة عملية “القصدرة” ما بين 20 ديناراً و200 دينار (بين 6 و60 يورو) وتختلف الأسعار بحسب مقياس حجم الوعاء.
وتشهد الصناعات الحرفية لأدوات المطبخ تراجعا بسبب ارتفاع أسعار معدن النحاس في كل أنحاء العالم، لكن في المقابل لا يزال ثمة طلب متزايد على تلميع الأواني القديمة في تونس، وفقًا للعديد من الحرفيين.
وينتظر الحرفي عبد الجليل العياري (60 عاما) كل سنة هذه الفترة التي تسبق شهر رمضان طوال الخمسين عاما التي قضاها في مهنته داخل ورشته في المدينة القديمة. ويلاحظ، أن “العملاء يريدون أن تجهز أوانيهم قبل بداية شهر رمضان وتسعد المرأة لكون مطبخها مزيناً بأوانٍ نظيفة”.
ويضيف بينما يدندن بأغنية للفنانة أم كلثوم تُبثّ من جهاز راديو قديم وضعه في ركن من الورشة “لا يوجد من يريد تعلم هذه الحرفة اليوم. يرفضون العمل وسط ورشة كلّها سواد ويخشون أن يتسخوا”.
ويقول مبروك رمضان (82 عاما) وهو حرفي يملك ثلاثة محلات في “سوق النحاس” بالمدينة القديمة “لم يعد باستطاعتنا قبول المزيد من الطلبات”.
ووسط هذا السوق الشهير بالعاصمة، يعرض حوالي خمسين متجراً مستلزمات المطبخ التي أخرجها الحرفيون بحلّة وتصميم جديدين. ومع اقتراب شهر رمضان يشتري التونسيون أواني للطهو وإعداد القهوة وأباريق للشاي وأكواباً صغيرة وقدوراً.
كما يعرض رمضان للبيع أواني قديمة إذ يقول عنها “إنها مثل المجوهرات بالنسبة لبعض العملاء”، كما يعرب الحرفي عن أسفه لعدم اكتراث أبنائه بأهمية هذه المهنة.
وثمة حسرة لدى المغراوي الذي اشترى بنفسه ورشته قبل عشرين عاما من ورثة صاحبها الذين لم يعد لديهم رغبة فيها. ويقول “في كل مرة نفقد زميلاً في الحرفة، يكون ذلك خسارة لهذه المهنة وخطوة نحو اندثارها”.
ويكشف عن يديه الملطختين بالسواد والمتضررتين بأخاديد عميقة ويخلص إلى أن “الجيل الجديد يبحث عن عمل سهل ولا يحب أن يرى هذا”.
ويشهد سوق النحاس بالقيروان حركية خلال شهر رمضان مع توافد أعداد غفيرة من النساء اللاتي يقمن بعملية “قصدرة” للأواني النحاسية كما تقبل العديد من العائلات القيروانية على شراء الأواني النحاسية التي تحفظ القيمة الصحية للطعام.
وتعد صناعة النحاس المطروق من أقدم الصناعات التقليدية التي عرفت بها مدينة القيروان على غرار صناعة الزربية، وهي صناعات تقاوم اليوم الاندثار بصعوبة بالغة.
ويقول كمال الصدفي، أحد حرفيي صناعة النحاس المطروق في القيروان، إن ما يزيد وضعية الحرفيين صعوبة هو ركود في التسويق عكس السابق، “عندما كان لا يخلو أيّ منزل من الأواني المنزلية النحاسية وديكورات الزينة”، إذ أصبحت عمليات اقتناء هذا المنتوج التقليدي تقتصر على المناسبات فقط.
وأضاف أن نسق العمل في السوق ناله الوهن، حيث كان عمل الحرفيين سابقا لا يتوقف، وأصوات المطارق لا تهدأ منذ ساعات الصباح الأولى إلى حد المساء، لتشكل ديكورات وأواني منزلية على شاكلة تحف فنية تستهوي كل محبي النحاس، لكن اليوم الحال لم يعد كما السابق “فحرفة صناعة النحاس المطروق أصبحت مهددة كغيرها من الحرف، وذلك نتيجة غلاء أسعار المواد الأولية وغياب تشجيع الحرفيين كي يواصلوا نشاطهم”.


www.deyaralnagab.com