|
تحولات الإنسان والمكان في رواية «إسعيدة»!!
بقلم : موسى إبراهيم أبو رياش ... 13.01.2026
تقدّم رواية «إسعيدة» للأردني محمد عبد الكريم الزيود عملا سرديا يزاوج بين التوثيق والتخييل، وبين الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية، حيث تستعيد الرواية تاريخ بلدة «إسعيدة» بوصفها كائنا حيا عاش ونما وتحوّل وتغيّر، دون أن يفقد جذوره تماما. تبدأ الرواية من صورة القرية البسيطة، بعلاقاتها الاجتماعية الحميمية وبيئتها الريفية المستقرة، ثم تنتقل تدريجيا لتوثيق التحولات الكبرى التي أحدثها إنشاء مصفاة البترول على مشارف القرية، على المستوى الاقتصادي وفي البنية الاجتماعية والنفسية والعمرانية، وصولا إلى تغير الاسم ذاته من «إسعيدة» إلى «الهاشمية» كعلامة على التحول الرمزي للهوية.
الرواية ليست سردا خطيا للأحداث، بقدر ما هي استدعاء للذاكرة، ومحاولة للإمساك بروح المكان قبل أن يضيع في زحام التحولات، لذلك يلمس القارئ طاقة وجدانية حاضرة بقوة، وشعورا بالعاطفة والالتصاق بالمكان، يعبران عن ارتباط الكاتب ببلدته وأهلها وذاكرتها العميقة.
يقول الكاتب في نهاية الرواية على لسان قاسم: «جلستُ مع صالح الصغير على طرف جسور إسعيدة.. ناديتُ بأعلى صوتي: إسعيدة… إسعيدة.. لم أسمعْ حتى صدى صوتي.. غاب في الزحام وضجيج الطريق.. من يعرف إسعيدة اليوم.. لا أحد.. لا أحد».
بلدة «إسعيدة» التي غدت «الهاشمية» تقع شمال مدينة الزرقاء الأردنية، وتبعد عنها أقل من 10 كم، وهي تجمع سكاني كبير، ومركز تجاري نشيط، وهمزة وصل بين عمان والزرقاء من جهة، ومدن الشمال إربد والمفرق والرمثا من جهة أخرى، وهي أكثر مناطق الأردن تلوثا بسبب مصفاة البترول ومحطة توليد الكهرباء ومصانع الحديد ومحطة التنقية وغيرها.
المكان بوصفه بطل الرواية
في «إسعيدة» لا يظهر المكان بوصفه خلفية للأحداث فقط، وإنما باعتباره بطلا متحركا يملك صوتا وذاكرة وأثرا في كل تفاصيل السرد، حيث المكان في الرواية كيان إنساني يشعر ويتألم ويفرح ويتحوّل، وتتجلى صور الحقول والبساتين والبيوت البسيطة في لغة الرواية بشكل حي، وتمتزج رائحة التراب والطين بصوت الحياة اليومية، لتكوّن مشهدا واقعيا شديد الحيوية. يُجيد الكاتب تصوير المكان بوصفه حامل الهوية وروح المجتمع، وهو الذي يمنح الشخصيات معناها وانتماءها، لذلك حين يتعرض المكان للتحول تشعر الشخصيات بأنَّ جزءا من وجودها يهتز معها؛ لأنَّ المكان ذاكرة جمعية تختزن القيم والعادات والعلاقات الإنسانية التي شكّلت روح البلدة عبر عقود طويلة.
التحولات الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية
تشكل التحولات الاجتماعية والاقتصادية محورا أساسيا في الرواية؛ ففي حين كانت «إسعيدة» تقوم على اقتصاد زراعي بسيط قائم على الجهد اليدوي والتعاون بين الأهالي، جاءت مرحلة الصناعة بإنشاء مصفاة البترول؛ نقطة التحول المحورية، التي نقلت البلدة من مرحلة إلى مرحلة أخرى مختلفة تماما، وتعيد تشكيل كل شيء: طبيعة العمل، مصادر الرزق، العلاقات داخل المجتمع، أنماط الحياة، جغرافيا المكان، وحتى طبيعة الأحلام التي يحملها الناس.
ورصدت الرواية هذه التحولات بدقة وعمق، فلا تقدم التغيير بوصفه مكسبا مطلقا أو خسارة مطلقة، بل بوصفه حدثا مركبا متعدد الأبعاد والأوجه؛ فقد خلق التطور فرصا جديدة، وأدى إلى تحسن المستوى المعيشي، ونقل القرية إلى آفاق أوسع وأرحب، لكنه جاء على حساب الخصوصية القديمة، والحميمية الاجتماعية، وصوت القرية الداخلي الذي بدأ يتراجع شيئا فشيئا، وأدخل مشكلات اجتماعية واقتصادية ونفسية، وخلق حالة من القلق بين الانفتاح على العصر والتمسك بالجذور. ومن بين أبرز التحولات التي تبرزها الرواية، بتأثير مصفاة البترول وما تلاها، التحول العمراني الكبير الذي طال البلدة، من فضاء ريفي مفتوح إلى مدينة تنمو وتتسع، وتتغير ملامح البيوت والشوارع، وتتشكل بنية حضرية جديدة، ومعها يتبدل روح المكان.
هذا التطور العمراني لا يظهر بوصفه مجرد تغيير شكلي محايد، بل كتحول في بنية الوعي أيضا؛ فالعمارة الجديدة تقود إلى علاقات جديدة، وإلى إعادة تشكيل مفهوم الحي والجوار والبيت، بما يجعل التحوّل العمراني مرآة للتحول الإنساني والاجتماعي الذي تعيشه البلدة. كما أنّ التغير شمل البيئة وعناصرها في «إسعيدة»، فحلَّ التلوث والضوضاء، وهجرت الطيور المكان، وجفّ وادي «إسعيدة»، وتلاشت الزراعة والمساحات الخضراء والمراعي، لحساب التسارع الصناعي والتجاري والعمراني، وهذا يُلقي بظلاله المقلقة على الصحة الجسدية والنفسية.
وتشكل «إسعيدة» نموذجا للتحولات التي حدثت للقرية الأردنية بشكل عام، وإن كانت في «إسعيدة» أكثر تسارعا، وأعمق أثرا، وشملت مجالات أوسع، بتأثير من مصفاة البترول المجاورة لها، التي نقلتها نقلة واسعة وسريعة بإيجابياتها وسلبياتها.
دور المرأة
تحضر المرأة بقوة وتوازن في الرواية؛ فهي تتكامل مع الرجل كعنصر فاعل في تكوين المجتمع وإدارته، حيث تمارس دورها الطبيعي في إدارة شؤون البيت على أكمل وجه، ورعاية الماشية وحلبها، بالإضافة إلى مشاركتها الفاعلة في الحصاد والزراعة والرعي، فالمرأة عاملة ومربية وشريكة في مواجهة أعباء الحياة اليومية، وتصبر على شظف الحياة وتقلباتها، وتراعي ظروف زوجها ولا تحمّله فوق طاقته وتسانده وتدعمه، وتتحمل مع الرجل أعباء التحول والتبدّل.
يمنح الكاتب المرأة خصوصيتها الإنسانية، فيكشف عن قوتها وحساسيتها وصبرها وقدرتها على الصمود، فهي عماد الأسرة وركيزة المجتمع، ووجودها عنصر لثبات الهوية وحماية الذاكرة في مواجهة التحولات المتسارعة التي تعصف بالمكان.
دلالة تغيير الاسم من «إسعيدة» إلى «الهاشمية»
من أعمق الدلالات الرمزية في الرواية، مسألة تغيير الاسم؛ فالاسم القديم «إسعيدة» كان ذا دلالة وجدانية عميقة، يحمل تاريخ البلدة وروحها المحلية الدافئة، بينما الاسم الجديد «الهاشمية» يحمل صبغة رسمية وطنية حداثية الطابع. هذا التغيير في الاسم يعكس صراع الهوية بين الماضي والحاضر، بين الانتماء المحلي الحميم والانتماء الوطني الأوسع، إذ أنّ الاسم، أي اسم لمكان، ذاكرة كاملة وتاريخ ممتد، وتغييره يمثل تحوّلا في علاقة الناس بمكانهم وبأنفسهم، وهو يعكس كذلك الانتقال من مرحلة القرية التقليدية البسيطة محدودة الإمكانيات إلى مرحلة المدينة الحديثة ذات الطابع المؤسسي بما يتطلبه ذلك من خدمات ومتطلبات ومؤسسات.
الموروث الشعبي
ستحضرت الرواية العديد من مفردات الموروث الشعبي الأردني كجزء من بنية السرد، ويظهر ذلك في تصوير العادات الاجتماعية، وطقوس الحياة والزواج والولادة والعزاء، والحصاد والرعي والحراثة وورود الماء والتحطيب، والعلاقات التكافلية بين الأهالي، والأغاني الشعبية والشعر الشعبي، والتعاليل والدخالة وغيرها. ولم يأت الموروث الشعبي في الرواية عنصرا تزيينيا، ولا إضافة هامشية، ولا حشوا لا معنى له، وإنما ليشكّل وجدان البلدة وروحها، ويحمل قيمها الأخلاقية والثقافية؛ إذ عبر هذا الموروث تنعكس صورة المجتمع المتماسك، الذي يصنع حياته بإرادته، ويواجه الفقر والتعب والاختلاف، بروح الألفة والمحبة، ويعيش بفلسفة البساطة والرضا. إنّ حضور هذا الإرث يمنح النص بعدا إنسانيا عميقا، ويضع القارئ أمام لوحة اجتماعية نابضة بالحياة.
وبعد؛ فإنَّ «إسعيدة» التي صدرت عام 2025 في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، رواية تقدم نصا غنيا بالبعد الإنساني والتاريخي، يجمع بين التوثيق والخيال، وبين الحنين والنقد، وبين الوفاء للماضي والانتباه لمقتضيات الحاضر. إنها رواية عن المكان بوصفه هوية، وعن التحول بوصفه قدرا لا مهرب منه، وعن الإنسان الذي يحاول أن يظل وفيا لذاته وهو يعبر هذه التحولات، وقد نجح الكاتب في صياغة عمل أدبي مشبع بالروح، محكم البناء، ومشحون بالحميمية والمعرفة والصدق الفني.
رواية «إسعيدة» في جوهرها سيرة قرية بكل ما تحمله كلمة السيرة من معنى إنساني وثقافي. إنها رواية لحياة كاملة: للطفولة، للشباب، للكبر، للتحولات التي لا ترحم، وللذاكرة التي تحاول ألا تُمحى، حيث تتحول القرية إلى نص سردي نابض، فيه الحنين والألم والفخر، وفيه إحساسٌ بأنّ المكان ليس جغرافيا فقط، بل حياة كاملة عاشت في قلوب الناس وما تزال تعيش في ذاكرتهم.
تجدر الإشارة إلى أنّ رواية «إسعيدة» هي الثانية للزيود بعد «فاطمة.. حكاية البارود والسنابل»، وتتقاطع معها زمانيا ومكانيا، إذ تتحدث الروايتان عن قرى قبيلة بني حسن العريقة في محافظة الزرقاء الأردنية، في زمن يمتد من بداية الخمسينيات إلى بداية الثمانينيات من القرن العشرين، وإن كانت رواية «فاطمة» تبدأ قبل رواية «إسعيدة» بعدة سنوات.
*كاتب أردني
www.deyaralnagab.com
|