logo
تفاهة تكريم الكُمْسَري!!
بقلم : سهيل كيوان ... 04.03.2021

ذكرت صُحفٌ مصرية قبل أيّام، أن أشرف رسلان رئيس هيئة السكة الحديد، كرّم أحد مراقبي القطارات (كُمسري) بمنحه شهادة تقدير، وأوصى بصرف مكافأة له، ذلك أن هذا الموظف حافظ على موارد هيئة القطارات. وقع هذا العمل البطولي، عندما أصرَّ الكُمْسري على تحصيل قيمة التَّذكرة كاملة من مسافر عمره تسع سنوات، حاول والده أن يدفع نصف قيمة التذكرة، وهي المقرّرة لمن هم بين سن أربع إلى ثماني سنوات. مثيرٌ للأسى أن يُكرَّم موظفٌ لأنه قام بواجبه وعمله بصورة طبيعية جدّا، فوظيفة الكُمسري هي أن يفحص تذاكر الركّاب، وأن يجبي ممّن لم يدفع، فعلى ماذا التكريم!
محاولة التملُّص من دفع ثمن تذكرة كاملة عن الأطفال، أو نصف تذكرة، من خلال تصغير سِنّهم، ظاهرة مُنتشرة في العالم، خصوصاً في الدول الفقيرة، وفي جميع الأماكن العامة التي تطلب تذاكر، مثل المواصلات وبرك السباحة وأمكنة الترفيه وغيرها. ويحصل هذا نتيجة لوضع مادي غير مريح، أو لفقر، وحرص المواطن الشديد على كل جنيه يصرفه، والأهم هو ضعف الانتماء والالتزام تجاه المال العام.
عندما يشعر المواطن البسيط بأن الدولة ومواردها لناس وناس، وبأنها تكيل بمكيالٍ لزيد وبآخر لعبيد، وعندما يصل المواطن إلى قناعة بأن الدولة تسرق الشعب، وتتسامح مع فساد المسؤول الكبير، بل تمنحه كل الامتيازات، وتتشاطر على المواطن الفقير، فإن انتماءه يغدو ضعيفاً. في الدول الفاسدة يشعر المواطن بأنه في حالة صراع دائمة مع مؤسسات الدولة، ويشعر بأنها تحاول سرقته دائماً من خلال القوانين، وهو يحاول استرداد ما سُرق منه، ولكن لا حماية قانونية له، ولهذا قد يورّط نفسَه في التملص من مدفوعات تافهة. أنظمة الفساد تترك كبار اللصوص يصولون ويجولون، ويتفننون في التملص من دفع المستحقات الضريبية وغيرها، وتمنحهم كل الفرص الممكنة لنهب المال العام، بصورة غالباً ما تكون مغلّفة بالقانون، من خلال التلاعب بالمناقصات، والصفقات الكبيرة، لكن وفي الوقت ذاته، تكون حازمة جداً في تعاملها مع الموظف الصغير، أو المواطن البسيط إذا ما مد يده إلى بضعة جنيهات. وكي تخفي الفساد الأكبر فهي تُضخِّم جريمة المواطن، الذي حاول التملّص من دفع بضعة جنيهات، كان تحصيلها منه ممكناً بهدوء، وبدون هذه الهالة الكاذبة من الالتزام بالقانون. الأهم من كل هذا، ماذا كان شعور الطفل، عندما رأى والده في هذا الموقف المحرج، ليوفّر على نفسه بضعة جنيهات! وكيف سيرى هذه الصورة في حياته المقبلة؟ وما هو شعور هذا المواطن المسكين، إذا ما علم بهذا التكريم التافه على حسابه وحساب ابنه.
أبرزت أفلام ومسلسلات عربية كثيرة فساد الموظفين الصغار، في نفاق غير مباشر للصوص الدولة الكبار، إذ ألقت على المواطن الضعيف وِزر الفساد وتبعاته، وبالتالي، فالشعب هو المسؤول عن فقره وعن مستوى حياته المتردّي.
هذا بالضبط ما حاولت سلطة النقل العام المصرية أن تفعله، ولكن بطريقة معكوسة، فالفاسد هنا ليس الموظف الصغير، بل هو البطل الذي كرّمته لأنه حافظ على بضعة جنيهات من المال العام، والفاسد هنا هو المواطن، الذي يمثل الشَّعب.
تصرُّف هذا المسؤول الكبير يُذكّر بقصة ذلك اللص الذي يضع سبحة طويلة في عنقه، وأجراساً في قدميه لتنبيه النّمل والهوام خشية دوسها من شدة ورعه، الأمر الذي أثار شكوك قاضي البلدة، فأمر بمراقبته، ليتّضح أنه هو اللص الذي يبحثون عنه.
تحتل مصر مكانة متقدمة مثل أكثر الدُّولِ العربية، في مؤشر الفساد في القطاع العام، وهبط تدريجها من 105 بين الدول الفاسدة في عام 2012 إلى درجة 117 في عام 2020. يذكر أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أقال في عام 2016 هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بدرجة وزير، انتقاما منه، وذلك لإعلانه بأن حجم الفساد بلغ بين الأعوام 2012 وعام 2015 ـ حوالي 600 مليار جنيه، ثم تعرَّض جنينة للضرب بافتعال حادث سير معه من قبل ثلاثة مجهولين مسلّحين، عندما كان في طريقه إلى جلسة في محكمة الطعن في قرار إعفائه من رئاسة الجهاز، ثم حُكم عليه في عام 2018 بالسَّجن الفعلي لخمس سنوات، بتهمة الإساءة إلى سمعة البلاد. المهم أن حيلة رئيس هيئة النقل في محاولة إظهار الطهارة المُطلقة للمؤسسة، لم تنطلِ على الشعب المصري، وهذا طبيعي جداً، فكانت الرُّدود على خبر التكريم ساخرة وغاضبة وبالآلاف، ومتضامنة مع الطفل أوَّلا، ثم مع والده، ثم مع الكُمْسري المسكين الذي اتخذوه كومبارس للعب دور تافه في هذه المسرحية، فالشّعوب التي تعيش نتائج الفساد على جلودها وفي مستوى معيشتها، لا تخدعها حركات تكريم تافهة تهين المواطن لتلمِّع النِّظام.


www.deyaralnagab.com