يتكرر انقطاع المياه في أغلب محافظات تونس، بينما تشهد الأسواق نقصاً في قوارير المياه المعلبة، ما اضطر التجار إلى تحديد الكميات المسموح بشرائها، والتي تصل في بعض الأحيان إلى قارورة واحدة للفرد في ذروة فصل صيف استثنائي الحرارة، وفي ظل ارتفاع الطلب على المياه.
وتكشف مؤشرات المرصد التونسي للمياه تصاعداً لافتاً في حدة الأزمة، إذ سجل شهر يوليو/تموز الماضي، 608 تبليغات مرتبطة باضطرابات المياه، وهي الحصيلة الشهرية الأعلى منذ بداية العام الحالي. ويرى الخبير في التنمية والمياه، حسين الرحيلي، أن "ما يحدث حالياً ليس أزمة مفاجئة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من أزمات العطش التي شهدتها تونس خلال السنوات الأخيرة، فمع كل تراجع في انتظام مياه الشبكة العمومية يزيد اعتماد التونسيين على القوارير، قبل أن يصبح هذا البديل نفسه مهدداً بالنقص وارتفاع الأسعار".
ويوضح الرحيلي لـ"العربي الجديد" أن "التطورات التي تشهدها أزمة المياه في تونس لم تعد مرتبطة فقط بكمية الأمطار، وإنما أصبحت نتيجة تراكم عوامل متداخلة من بينها سنوات الجفاف، وتغير المناخ، وارتفاع درجات الحرارة التي تؤدي إلى تبخر المياه السطحية في السدود، إلى جانب تهالك جزء من شبكات التوزيع، وتزايد الطلب، والفوارق الكبيرة بين المناطق في مستوى التزويد وجودة المياه. زيادة التعويل على المياه المعلبة للشرب أو الاستعمال المنزلي هو وجه من وجوه الأزمة المتعددة، ما جعل صناعة المياه المعلبة تتحول إلى قطاع اقتصادي مربح يتغذى من عطش التونسيين".
وتكشف بيانات صادرة عن ديوان المياه المعدنية والاستشفاء بالمياه الحكومي أن معدل استهلاك الفرد التونسي بلغ نحو 241 لتراً سنوياً في 2024، مقابل 225 لتراً في 2020، بينما قُدّرت كلفة استهلاك عائلة من خمسة أفراد للمياه المعلبة بما بين 130 إلى 140 ديناراً شهرياً (45 إلى 48 دولاراً) في بلد لا يتجاوز فيه معدل الأجر الأدنى 630 ديناراً (217 دولاراً)، وفق تقديرات منظمة "إرشاد المستهلك".
ووفق المصادر ذاتها، بلغ استهلاك التونسيين للمياه المعلبة في الأشهر التسعة الأولى من 2025، نحو 2.1 مليار لتر، بقيمة تناهز 790 مليون دينار، مسجلاً زيادة قدرها 8% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.
وربطت الإدارة العامة للديوان الوطني للمياه المعدنية هذا التطور بالتغيرات المناخية، وتزايد الطلب على مياه ذات جودة مضمونة. ويرى الباحث حسين الرحيلي أن "المياه المعلبة لم تعد مجرد خيار استهلاكي بالنسبة إلى الكثير من العائلات، بل تحولت تدريجياً إلى مصدر رئيسي لمياه الشرب، خصوصاً في المناطق التي تعاني من تكرار الانقطاعات، أو من مشاكل مرتبطة بجودة المياه".
ويقول الرحيلي: "يمثل الاستعمال المنزلي أكثر من 75% من إجمالي استهلاك المياه الموزعة من قبل الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، ما يعني أن كل قطع للمياه أو ارتباك في التوزيع يؤدي إلى زيادة الإقبال على المياه المعلبة. أزمة المياه في تونس لم تعد بيئية فقط، بل تتحول سريعاً إلى كونها أزمة اجتماعية واقتصادية، حيث تجبر الأسر التي تواجه انقطاعات المياه لفترات طويلة على نفقات جديدة تضاف إلى ميزانيتها المثقلة بارتفاع كلفة المعيشة. في الصيف الحالي، أدت فترات الحر الطويلة إلى ضغط استثنائي على سوق المياه المعلبة، ما فتح المجال أمام المضاربة والاحتكار، وحوّل نقص المياه من أزمة في الشبكات العمومية إلى أزمة في الأسواق أيضاً".
بدوره، يؤكد عضو قسم العدالة البيئية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رامي بن علي، أن العائلات محدودة الدخل عادة ما تتحمل العبء الأكبر لأزمة المياه، إذ لا تستطيع تخزين كميات كبيرة من المياه أو شراءها بالأسعار المرتفعة. ويوضح لـ"العربي الجديد" أن "تراجع توفر كميات المياه المعلبة في الأسواق يزيد من خطر لجوء بعض المواطنين إلى مصادر مياه مجهولة المصدر، ما يثير مخاوف صحية إضافية".
ويشير بن علي إلى أن "أزمة صيف 2026 كشفت أن العطش في تونس لم يعد مشهداً يخص مناطق بعينها، بل أصبح هاجساً وطنياً يمتد من الحنفية إلى رفوف المتاجر. عندما تصبح القارورة نادرة، أو تباع بكميات محددة، فإن أزمة المياه تكون قد تجاوزت حدود نقص الموارد لتصبح أزمة حق أساسي في الوصول إلى مياه الشرب، ما يجعل الحاجة إلى سياسة مائية طويلة المدى أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى".
وعاشت تونس خلال السنوات الأخيرة موجات جفاف متتالية أدت إلى تراجع مخزونات المياه، ودفعت السلطات إلى اعتماد إجراءات لترشيد الاستهلاك، من بينها قطع المياه ليلاً في عدد من المناطق. وشملت الاضطرابات أغلب مناطق البلاد، فيما عانت مناطق أخرى ارتفاع الملوحة أو تراجع جودة المياه.
ويؤكد خبير المياه حسين الرحيلي أن "3 ملايين مواطن تونسي متضررون من أزمة مياه الشرب، سواء لجهة ارتفاع نسب الملوحة وارتفاع تركيزات الكربونات، أو مخاطر تلوث الموارد المائية في ظل غياب قنوات الصرف الصحي. ينبغي أن تتحمل الدولة مسؤولية توفير مياه الشرب، والحرص على ضمان صحة المواطنين، والاستثمار في تحسين نوعية المياه الموزّعة من قبل الشّركة الوطنيّة لاستغلال وتوزيع المياه، والعمل على تجديد قنوات نقل الماء من السدود، والتي تجاوز تاريخ استغلالها 15 عاماً".
*العربي الجديد









