في قلب عمّان، حيث تختلط الوجوه بالحكايات، وتمشي الذاكرة على أرصفةٍ متعبة، يمتدّ سوق السكر كنبضٍ قديم، لا يهدأ… ولا يشفى.
أنظر من شرفة مقهى كوكب الشرق، قهوتي وسط مثل وسط البلد… المدينة هنا لا تُرى فقط، بل تُحسّ. يمرّ أبوطه، صاحب المقهى، يبتسم كعادته، ويمنحني سيجارة من الصنف الجيد… قيل لي إنها صناعة وطنية. أضعها بين أصابعي، وكأنها طقسٌ صغير من طقوس هذا المكان، فيما تنساب من الداخل أغنية لـ أم كلثوم:
“أطفيء لظى القلب بشهد الرضاب…”
تمرّ من سماء عمّان طائرة مدنية، تشقّ الغيم بخفّةٍ لا تشبه ثقل هذه الأرض. أرفع رأسي قليلًا، وأقول في سرّي: “لكل مسافر وجهته…” ثم أعيده إلى السوق، حيث الوجوه تعرف وجهتها جيدًا… لكنها لا تصل.
في المقابل، يجلس أبو نجيب على طرف الرصيف، يحتسي شايه ببطء، ويتحدّث عن السياسة، عن الإصلاح، عن الفلاح الذي ينتظر ما لا يأتي. يتكلّم بثقة العارف، ثم يبتسم… ابتسامةً خفيفة، كأنه يدرك أن الكلام، مهما طال، لا يغيّر سوى مزاج قائله.
الناس هنا، لا يرفعون أصواتهم حين يقترب الحديث من الخوف. يتحدثون همسًا… عن الحرب، عن الأخبار التي تأتي من بعيد وتجلس فجأةً على صدورهم. يذكرون ذلك المضيق الذي تصدّر الشاشات دون موعد، مضيق هرمز، وكأنه صار جارًا ثقيلاً لا يُرى.
“إذا سكروه… شو بصير؟”
“الله يستر…”
وتنتهي الجمل كما تبدأ… ناقصة، ومحمّلة بما لا يُقال.
هناك، عند زاويةٍ لا تلتفت إليها الخرائط، كان أبو يوسف يجلس على كرسيه الخشبي العتيق، كأنه جزءٌ من المكان، أو كأن المكان خُلق ليحتمله. دكّانه الصغير، الذي يبيع فيه الحلوى والسكاكر، لم يكن متجرًا بقدر ما كان ملاذًا… لمن بقي لديهم شيءٌ من طفولةٍ لم تكتمل.
كان يفتح باب دكانه كل صباح، لا على زبائن، بل على احتمال الحياة.
يقول بصوتٍ خافت، وكأنه يخشى أن يسمعه أحد: “الرزق على الله… بس الناس صارت تخاف حتى من الأمل.”
يمرّ العابرون أمامه، بعضهم يسلّم، وبعضهم يكتفي بنظرةٍ طويلة… كأنها اعتذارٌ صامت عن زمنٍ لم يعد يسمح بالكلام.
وعلى مقربةٍ من المسجد الحسيني الكبير، كانت الأرصفة تنبض بحياةٍ أخرى… حياة لا تُكتب في التقارير، لكنها تُحفر في القلب.
أصوات الباعة ترتفع، لا لتُعلن عن بضائعهم فقط، بل لتُثبت أنهم ما زالوا هنا:
“بندورة يا حمرا!”
“خيار بلدي… الله يرزق!”
“على كيفك… بس لا تنسى تدعي!”
تختلط هذه الأصوات بوقع الأقدام، وصوت الحافلات، ورائحة القهوة المرة… وفوق ذلك كله، يعلو صوت التلاوة من داخل المسجد، بصوت عبد الباسط عبد الصمد، وهو يرتل قصار السور.
ذلك الصوت… كان كافيًا ليجعل الزمن يتباطأ.
لحظة سكونٍ قصيرة، ينصت فيها الباعة، ولو لثوانٍ، وكأنهم يسلّمون تعبهم لذلك الصوت، ويستعيدون شيئًا من الطمأنينة التي ضاعت في زحام الأيام.
أم أحمد، التي تفترش الأرض منذ سنوات، لم تعد تعدّ الأيام… بل تعدّ الخيبات. تضع بضاعتها بعناية، وكأنها ترتّب حياتها التي لم تعد تُرتّب.
تسألها امرأة عن السعر، فتجيب بابتسامةٍ باهتة: “الغلا مش من عندي… إحنا بس نتحمّل.”
ولا تضيف شيئًا، لأن في الصمت أحيانًا ما يكفي.
في الجهة الأخرى، كان حسام يقف داخل محل أحذية قديمة، ينظر إلى الشارع أكثر مما ينظر إلى الزبائن. شاب في منتصف العشرينات، يحمل شهادة جامعية، لكن الشهادة لا تُطعم خبزًا.
يسند رأسه إلى الجدار، ويتمتم: “درسنا… تعبنا… وبالآخر؟”
لا يكمل الجملة، لأن الجواب واضح… حدّ الألم.
تمرّ دورية، فيتحرّك الباعة بسرعةٍ مدروسة، يلمّون بضاعتهم كأنهم يخفون ذنبًا لم يرتكبوه. لا أحد يحتج، ولا أحد يصرخ… فالصوت هنا تعلّم أن يعيش منخفضًا، كي لا يُمحى.
وفي الزوايا، يقف رجالٌ ببدلاتٍ أنيقة، يتحدثون عن السوق بلغةٍ لا يفهمها السوق: “الوضع مستقر.”
“الأمور تحت السيطرة.”
لكن السوق… كان يقول شيئًا آخر.
كان يقول إن الاستقرار لا يُقاس بالكلام، بل بوجوه الناس. وإن السيطرة، إن وُجدت، فهي على صبر الفقراء فقط.
مع اقتراب المساء، تبدأ المحلات بإغلاق أبوابها، كأنها تتعب هي الأخرى. ينسحب الضوء ببطء، وتبقى الأرصفة شاهدةً على يومٍ آخر من المحاولة.
يمرّ طفلٌ صغير، يحمل كيس خبز أكبر من يديه. يتوقّف أمام دكان أبو يوسف، ينظر إلى الحلوى بعينين تلمعان… لا بالجوع، بل بشيءٍ يشبه الحلم.
يناديه أبو يوسف: “تعال يا بطل.”
يقترب الطفل بخجل، فيعطيه قطعة حلوى: “هاي مش للبيع… هاي عشان تضل الدنيا بخير.”
يبتسم الطفل، ويمضي.
يبقى أبو يوسف ينظر إليه طويلًا، ثم يقول لنفسه: “لسه في أمل… طول ما في حدا بفرح بحبة سكر.”
في سوق السكر، لا أحد يكتب التاريخ… لكن الجميع يعيش نتائجه.
هنا، السسة لا تُقال، بل تُفهم: في الأسعار التي ترتفع بلا مبرر،
في الوظائف التي لا تأتي،
في التعب الذي يُطلب منه أن يصبر أكثر.
وهنا، الناس… طيبون.
طيبون حدّ التعب،
وصابرون حدّ الغياب،
ويحبّون هذا الوطن… رغم كل ما لا يُقال.
وفي الليل، حين يهدأ كل شيء، ويغلق السوق عينيه، يبقى صدى الأصوات عالقًا في الهواء…
صوت بائعٍ ينادي،
وصوت مقرئٍ يتلو،
وصوت قلبٍ يقول:
“سنعيش… لأننا لا نملك إلا أن نعيش.”
*قاص وصحفي أردني
*راي اليوم

