«أسوأ صيف»، «لأننا لم نكتف لشهرين، جاءتنا حرائق جيجل!»، «متى ستنتهي هذه النوائب؟» تعليقات كثيرة سيسمعها من يتجول في الشارع الجزائري هذه الأيام، تختتم غالبا بمناجاة، تعكس مزاجا عاما يمتزج فيه الحزن بقلة الحيلة. مواطنون من مختلف الفئات، لم تكفهم حرارة صيف لم يعهدوها، ليضاعفها ثقل عواجل، صور ومقاطع مصورة لـ«قيامة» عايش أهوالها إخوة لهم في الوطن. قيامة سيكون من التهور قراءتها في عجالة، في ظل كثرة المعطيات وضبابية بعضها، ثم امتداد ارتداداتها، مجحف أيضا تجاوز بعض محطاتها.
من الشعب وإلى الشعب
هو شعار الجمهورية الجزائرية، الذي يرفع أعلى بوابات المؤسسات الرسمية، وهو أيضا عنوان «ترند» من بين كثير رافقت مظاهر التكافل الوطني عقب الحرائق غير المسبوقة التي أتت على مساحات كبيرة من غابات المنطقة الشرقية للبلاد، وعاثت بولاية جيجل تحديدا.
كان العقد الأخير مرحلة تحول في نماذج الاستهلاك وطنيا، وفي تعذر انفتاح سريع على السياحة الخارجية، عوضها اقبال وطني على السياحة الداخلية، خاصة الصيفية منها، تحولت ولاية جيجل معها إلى اكتشاف الجزائريين الحقيقي (نحن الذين قضى أجدادنا زمنا ممجدين أجدادا لهم، قبل أن ننعم نحن الأجيال الأحدث بالجامعات وفرص العمل التي جعلت كل شبر من هذه الأرض متاحا لنا جميعا، ونكتشف معها كم نحن متساوون ومتشابهون كجزائريين) بعيدا على الكليشيهات التي سيق لها طيلة العقود الثلاثة الماضية، وربطتها لدى جزائريين كثر بالتطرف. كليشيهات قد تُفكك بعد الصور المرعبة التي اختصرت محنة المنطقة، وصدمة الجزائريين، الذين اكتفوا كعادتهم بغمها، «صلاة الصمت» التي يكون قد سنها الجزائريون منذ زمن، ترافق كل آلامهم، ينخرطون بعد الفراغ منها في فصول لغو لا تنتهي، لغو ينصب هذه الأيام في رصد مساعدات وإيجاد حلول فورية للمنكوبين من أبناء جلدتهم، ولكن بلا وسائط!
هكذا ستتكرر لدى متابع المستجدات على مواقع التواصل الاجتماعي قصص قوافل مساعدات (سيسميها اللسان الشعبي بالتضامنية) لا عد لها انطلقت من كل بلدات البلاد الشاسعة حجا للمناطق المنكوبة، بحضور ضعيف للمجتمع المدني، وتأطير صفري تقريبا.
صور الهبة الشعبية وإن كانت أكثر المشاهد تأثيرا، وقبس النور الذي يخذ دياجير التراب والنفوس فإنها تخلف تعليقات وأسئلة. البعض وجد في الأمر بعضا من الشخصية الجزائرية اليومية، حيث تتحول «الفوضى المنظمة» إلى شعار، فوضى يكون الجزائري مبدعها، ومتعايشا معها بسلام، لا أهمية لتفسيرها أمام الحلول التي تنتهي إليها، هكذا سيتبرع جميع الجزائريين لجميع الجزائريين، نقاط جمع مساعدات عند كل شارع، ستمتلئ سريعا، لا أحد يعلم من المسؤول عنها، ولا متى ستصل ولا حتى كيف ستصل، وحدها النوايا الطيبة سيدة المرحلة.
لكنها في المقابل تطرح أكثرمن سؤال حول أزمة الثقة الشديدة بين المواطن الجزائري وطوائف المجتمع المدني من جمعيات وغيرها والتي بإمكانها أن تلعب دورا كبيرا في تنظيم الحياة العامة، وتسيير الحالات الطارئة كالتي يواجهها الجزائريون هذه الأيام، والتي كانت إلى غاية وقت قريب فاعلة!
مفردات ظلامية
«ذنب الأطفال الذين ماتوا حرقا الشهر الماضي هو ما يحرقنا اليوم» تكرر سيدة تعيش بعيدا عن مناطق الحرائق، عين حاسدة يعلق آخرون تكون قد أصابت جيجل الساحرة بعد أن زارها الآلاف وأعجبوا بطبيعتها، بل ذنوب من استحلوا الفرح يعلق آخرون! كلام يتردد هذه الأيام، مزيج من الانتماء للأرض الواسعة والعقل الغيبي، مؤشرات صدمة جمعية قد يبرر البعض.
كلمات وإن بدت متواترة، فقد عوضت خطابا ممنهجا انتشر عبر «السوشيال ميديا» البلاد خلال الشهرين الأخيرين ضد كل مظاهر الاحتفال التي تميز الصيف الجزائري تقليدا، على المستويين الشعبي والرسمي، وأخذ يستدعي شياطين الأمس القريب التي قدر كثر أنها دفنت. إن الإيمان بالدولة، هو إيمان بمؤسساتها، وإن قضى الجزائريون صيف جدالات يتشكى فيه بعضهم من بعضهم، مستدعين قوانين الجمهورية، ومستحضرين الشرطة الإلكترونية، كممارسات مواطنتية بالأساس، فقد بدت خطابات «التحريم والتجريم» تهديدا وجوديا حيا تحت الرماد.
«الهيت» هو صنيع الصناعات الموسيقية الضخمة، التي يقف اليوم عمالقتها عاجزين أمام إتيان وصفات أصيلة له، كذلك تفعل الساحة الموسيقية الجزائرية منذ عقود، وتتحول بتحولاته وتحولات سوق الموسيقى في البلاد، إلا أن موسم صيف 2026 قد جعل من الحداد عنوانا حتى قبل يتحول إلى جمع لا مرادف لغوي له، والحداد التقليدي في الجزائر هو اضراب عن مظاهر الفرح.
لا موسيقى وغناء
لم يسبق للجزائريين أن عاشوا صيفا خاليا من النجاحات الموسيقية والأغاني التي «تضرب» في ذلك اللون أو الآخر، موسيقات إثنية وشعبية، تحولت مختلف المنصات الرقمية في السنوات الأخيرة إلى فضاء لتقدير نجاحاتها، ذاتها المنصات التي تؤكد ألا «هيت» في الجزائر هذا الصيف، غير مقطع بسيط من أغنية راي انتشر على منصة تيك توك، عرف بالأغنية التي اقتطع منها، ثم تسبب في جدل واسع.
أفرز العقد الأخير من حكم الرئيس الجزائري الأسبق «عبد العزيز بوتفليقة» نوعا من التدين الظاهري، لم يكن معروفا لدى الجزائريين، مواطنون يزاوجون في أذهانهم بين قوانين الجمهورية وتعاليم الدين، وأعراف القبيلة، وإن تعارضت. محاولات للنجاة بالجمهورية في ظل وضع جيو-استراتيجي معقد يبرر البعض، بل إجهاز على مستقبل المجتمع يرد تيار آخر. في هذا السياق برز مغن راي شاب مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة يكنى بـ»الشاب بلال الصغير»، أهم ما يميزه خجله، زبيبة تزين رأسه وأغاني بكلمات قيل إنها «نقية»، وصفة كاملة لتطهير اللون المغضوب عليه، والمنتشر جدا بالمناسبة، ومحاولة لاستحداث جغرافيا فرح بالمكونات المتاحة، حتى جاء من يريد أن يحور خريطته.
عقدان تقريبا ومقطع أغنية ناجح صيف 2026، من بين أغاني كثيرة يعدها رصيد المغني، كانت كافية ليتحول من كان «ينشد» في إحدى أغانيه القديمة أن «يجتمع بحبيبته وتصلي خلفه» إلى «الابن الضال، والمغضوب عليه» في آن، ومستمعوه إلى مادة للجدل الواسع. تحولت صور ومقاطع الحفل الذي نشطه واختُتم به موسم ثقافي في الجزائر العاصمة، إلى «تشجيع على الانحلال» حكم كثر، «لا يحترم خصوصيتهم الثقافية» (في بلد يتغنى سكانه بأنهم أبناء قارة)، «يشجع على الاختلاط» (تماما كما وسائل النقل والمدارس والجامعات وأماكن العمل في بلد تتساوى فيه حظوظ الإناث والذكور في الدراسة والعمل والسفر وغيرها)، وحدث ثقافي ترعاه مؤسسات الدولة الرسمية، وثقافة بلد تسيرها امرأة، إلى فعل مذموم، وجب حشد الحشود «الرقمية» لمنعه، باستخدام مفردات خطاب يعتمد الغيبي لتحريك الوضعي والموضوعي، يستعرض عضلاته يقول متابع، مهدد رأى كثر، لم يمنع لؤمه سوى توليفة الألم والأمل الشعبيين، وقد استحضرت في أسبوع واحد «عشرية الدم» والنشور الذي تلاه!
*كاتبة من الجزائر









