أحدث الأخبار
السبت 16 أيار/مايو 2026
ترامب وعقدة كارتر في إيران!!
بقلم : محمد نون ... 07.04.2026

كثيرا من يستحضر الرئيس الأمريكي الجمهوري دونالد ترامب التجربة العسكرية الفاشلة التي لاقاها الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر عام 1980خلال محاولة تحرير الرهائن الأمريكيين الذين كانوا محتجزين في السفارة الأمريكية في طهران على مدى 444 يوما اعتبار من تشرين الثاني/ نوفمبر 1979 وحتى كانون الثاني/ يناير 1981.
فقد كانت أزمة الرهائن السبب الأبرز الذي أدى إلى خسارة جيمي كارتر الانتخابات الرئاسية لدورة ثانية، ليحل مكانه الرئيس الجمهوري رونالد ريغان حين فاز بالرئاسة في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 1980 على حساب جيمي كارتر، وتولى منصبه في 20 يناير/ كانون الثاني 1981، ثم استطاع الفوز لولاية ثانية بتاريخ 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 1984 ليظل في السلطة حتى العام 1989 كرئيس للولايات المتحدة.
ترامب الذي يقضي الآن ولايته الثانية كرئيس للولايات المتحدة، يخشى من حصول أي إخفاق في حربه التي يشنها مع إسرائيل ضد إيران، لأن تأثيراتها ستكون كارثية على انتخابات التجديد النصفية للكونغرس الأمريكي المقررة بعد أشهر أي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، حيث سيتم انتخاب كامل أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ.
وفي حال استطاع الحزب الديمقراطي انتزاع الغالبية من الحزب الجمهوري فإن رئاسة ترامب برمتها أو الفترة المتبقية من ولايته الثانية ستكون على المحك، حيث إن هناك مشروعا لدى الديمقراطيين لعزل ترامب وهم ينتظرون انتزاع الكونغرس من أي الجمهوريين للمضي فيه.
كابوس كارتر 1980 في طبس
تعرضت قوات النخبة الأمريكية « الدلتا» لانتكاسة كبيرة في الصحراء الإيرانية المعروفة بصحراء طبس، الممتدة على مساحة تفوق 56 ألف كيلومتر مربع، والواقعة في محافظة خراسان الجنوبية في شرق إيران.
وتبعد مدينة طبس عن طهران مسافة 953 كيلومترا، وتقع المدينة في منتصف الطريق بين مدينتي يزد ومشهد، وتعتبر واحدة من أكبر مدن البلاد من حيث المساحة، وتُلقّب بـ «عروس الصحراء الإيرانية» نظراً لطبيعتها الصحراوية المميزة.
لكن تلك الأرض شهدت أكبر انتكاسة للجيش الأمريكي في عهد الرئيس جيمي كارتر، بعدما أصدر أمراً في 24 نيسان/ أبريل 1980 بتنفيذ عملية مخلب النسر لاختراق إيران عبر الصحراء والوصول إلى مبنى السفارة الأمريكية في العاصمة طهران واستنقاذ 53 من الدبلوماسيين الأمريكيين المحتجزين فيها.
انطلقت ست طائرات نقل عسكرية من طراز «سي-130»، بالتزامن مع إقلاع 8 مروحيات من على متن حاملة الطائرات نيميتز المتمركزة في بحر العرب. وكان من المخطط أن تلتقي الطائرات والمروحيات في نقطة هبوط صحراوية تم تحديدها قبل ذلك بثلاثة أسابيع. وهناك كان من المفترض تزويد المروحيات بالوقود ونقل عناصر «قوة دلتا» من طائرات النقل إلى المروحيات، قبل أن تتجه هذه الأخيرة إلى موقع اختباء جبلي قريب من طهران، تمهيدا لعملية الاقتحام بمشاركة غطاء جوي.
لكن خللا أصاب ثلاث مروحيات ولم تصل سوى 5 مروحيات إلى نقطة الهبوط من أصل 8 مروحيات، فرفض العقيد تشارلي بيكويث، قائد قوة الاقتحام، تقليص حجم القوة المهاجمة وطلب إلغاء المهمة فوافق الرئيس كارتر وأمر القوة بالانسحاب فورًا.
لكن أثناء الانسحاب تسببت سحابة الغبار الكثيفة التي أثارتها محركات إحدى المروحيات في حجب الرؤية عن الطيار، ما أدى إلى اصطدامه بطائرة تزود بالوقود من طراز «إيه سي-130″، وهو ما أسفر عن انفجار أدى إلى مقتل ثمانية عسكريين أميركيين، بينهم خمسة من القوات الجوية وثلاثة من مشاة البحرية (المارينز). وتحت هذا الضغط، بادرت القوة بالانسحاب على عجل، تاركة خلفها جثث زملائهم.
وهكذا انكشف سر العملية، وفي اليوم التالي زار كبار القادة الإيرانيين مكان تحطم الطائرات، واعتبروا ذلك تدخلا إلهيا أدى إلى إفشال الهجوم الأمريكي. وخيمت أجواء الفشل على البيت الأبيض وأدت لاحقا إلى خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية.
هاجس ترامب
وتشاء الأقدار عام 2026 أن تسقط طائرة أمريكية مقاتلة من طراز إف – 15 داخل الأراضي الإيرانية في محافظة كهكلوية وبوير أحمد (جنوب غرب) عبر قوات الدفاع الجوي التي كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن أنها مدمرة.
سقوط الطائرة صار أيضا في شهر نيسان /أبريل وتحديدا يوم الجمعة في الثالث منه، وهو ما من شأنه إعادة التذكير بفشل عملية مخلب النسر لكارتر في ذات الشهر من عام 1980. لذلك، قام الرئيس ترامب بتجنيد قوات كبيرة تمكنت في اليوم الأول من استنقاذ الطيار الأول، ثم تمكنت يوم الأحد في 5 نيسان من استنقاذ الطيار الثاني.
ولمعرفة مدى خشية ترامب من آثار تلك الواقعة فقد عقد يوم الاثنين الماضي مؤتمرا صحافيا مطولا بمشاركة كبار المسؤولين في إدارته الأمنية والعسكرية ومنهم مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف ووزير الدفاع بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان ‌كين.
وقدم ترامب تفاصيل عن مهمة إنقاذ معقدة اعترف بأن الحظ ساهم في نجاحها. وتحدث ترامب عن ضابط ينزف دما تمكن من تجنب الأسر في إيران لمدة يومين، وفرق البحث والإنقاذ التي تسلقت الجبال وحاولت رفع طائرات من الرمال المبللة قبل تدمير معدات حتى لا ‌تقع في أيدي العدو. وقال ترامب للصحفيين: «كان من الممكن أن يقتل المئات من الأشخاص»، مشيرا إلى أن بعض المسؤولين العسكريين نصحوه بعدم تنفيذ العملية.وسأل ترامب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان ‌كين الذي كان يقف بالقرب منه «كم عدد الرجال الذين أرسلتهم إجمالا؟» ورد كين «أود أن أبقي ذلك سرا». فقال ترامب «سأبقيه سرا، لكنهم كانوا بالمئات».
لكن ما لم يستطع الرئيس ترامب إخفاءه هو صورة الحطام المتناثر لعدد من الطائرات الأمريكية التي قال الإيرانيون إنهم اسقطوها خلال معركة الانزال الأمريكية، بينما قال ترامب إن تلك الطائرات علقت في الرمال المبللة فتم الاستغناء عنها وقصفها وتدميرها حتى لا تقع أسرارها بأيدي الإيرانيين.
وقام التلفزيون الإيراني بعرض صور لهويات بعض الجنود الذين شاركوا في عملية الانزال، فيما تكتم الجانب الأمريكي عن عدد الإصابات التي وقعت في صفوفه خلال الاشتباكات، بينما قال الحرس الثوري الإيراني، في بيان صادر عن العلاقات العامة، إن «القوات الإيرانية تمكنت، بعد الإجراءات اليائسة للعدو الأمريكي لإنقاذ طيار المقاتلة التي أُسقطت، ودخول طائراته إلى عمق البلاد، من تدمير هذه الطائرات خلال عملية مشتركة شاركت فيها القوة الجوية الفضائية والقوات البرية والوحدات الشعبية والباسيج والشرطة». وأضاف أن الولايات المتحدة «تكبدت مرة أخرى هزيمة مخزية مثل عملية طبس»، كما اتهم البيان دونالد ترامب بمحاولة «التغطية على هزيمته الثقيلة» عبر حديثه عن تنفيذ عملية خاصة لإنقاذ الطيار، قبل أن يختتم بالإشارة إلى أن «ربّ طبس ما زال موجودًا».
وغاب الحديث قليلا عن الهجوم البري الأمريكي على الجزر الإيرانية في الخليج وخاصة جزيرة خارك النفطية، بعد حوادث اسقاط وتدمير الطائرات الأمريكية التي بلغت خلال أيام أكثر من خمس طائرات ما بين مقاتلة ومروحية ونقل جنود، وكان لافتا أن ترامب لجأ إلى نوع جديد من التكتيك حيث اتبع مؤتمره الصحافي بالتهديد بمحو الحضارة الإيرانية من الوجود، وضرب كل منشآت الطاقة المدنية والجسور، إذا لم تستسلم إيران وتقوم بفتح مضيق هرمز الاستراتيجي ، معلنا أنه لا يكترث بأن يتم اعتبار أعماله تلك جرائم حرب ضد الإنسانية.
ورغم كل هذا التهديد لم تعلن إيران الاستسلام، وقالت إنها سترد بالمثل على إسرائيل والمصالح الأمريكية الحيوية في المنطقة. وأثارت تصريحات الرئيس الأمريكي صدمة في الولايات المتحدة حيث وصف زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر الرئيس دونالد ترامب بانه «شخص مريض للغاية». كما وصفت السناتور الديمقراطية باتي موراي تصريحات الرئيس بأنها «هذيان مجنون متعطش للدماء».
وجاء في منشور لها على منصة إكس «إن التهديد بالقضاء على حضارة بكاملها يتجاوز حدّ إثارة الاشمئزاز. ليس هذا ما يريده الشعب الأمريكي»، وحضّت الأعضاء الجمهوريين في الكونغرس على التصويت إلى جانب الديموقراطيين لوضع حدّ للحرب.
كما انتقدت مارجوري تايلور غرين، المؤيدة السابقة لترامب والمعارضة الشرسة له حاليا، رسالته على «تروث سوشال». وقالت «لم تسقط قنبلة(إيرانية) على أمريكا. لا يمكننا إبادة حضارة بكاملها. إنه شر وجنون».

*المصدر : القدس العربي
1