أحدث الأخبار
السبت 09 أيار/مايو 2026
عقيدة التدمير والتوقف عن التفكير!!
بقلم : بدر الشيدي ... 23.03.2026

في رواية (الجريمة والعقاب) للكاتب الروسي فيودور ديستوفسكي عاش راسكولينكوف بطل الرواية صراعا نفسيا تناوشه الأفكار وتتصارع في رأسه الرؤى، محاولا إيجاد مخرج وعذر يتيح له ارتكاب جريمته. وقد لاحت أخيرا في باله تلك الفكرة التي تتحدث عن النسبة المئوية، التي لا بد أن يضحى بها كل عام في سبيل راحة الآخرين. ويبدو أنه اقتنع بذلك وأدخل تلك العجوز المرابية، التي أراد قتلها ضمن تلك النسبة التي لا يؤثر قتلهم ولا يهم، وهكذا تسلح بذلك العذر وارتكب جريمته، لكن بمرور الوقت لم يخلصه من العقاب الذي توالد في نفسه وأصبح يؤرّقه إلى أن قرر أن يسلم نفسه وقضى عقوبة تلك الجريمة في سجون سيبيريا. تكمن تلك العبارة التي لاحت في فكر بطل الرواية في تلك الفكرة التي تقول بتدمير الأكثرية لتعيش الأقلية في سعادة وراحة الأقلية.
وهي بالضبط ما أشارت اليه حنة آراندت في وصفها ذلك بعقيدة التدمير وهي التي تتبناها الأقلية، التي تسيطر على الأكثرية، وهي أي الأكثرية هي من يشرعن ارتكاب الجريمة حتى لو أبادوا البقية في سبيل راحتهم ورفاهيتهم. أن يعيشوا هم ذلك الهدف الأسمى، أما البقية فما هم إلا وقود وحقول تجارب وصفحة تطوى ويتم رميها في سلة المهملات.
يزخر العالم اليوم ليس بالأشخاص الذين توقفوا عن التفكير كما وصف حنة آراندت، ولكن بقادة وزعماء دول ومفكرين واقتصاديين وفلاسفة توقفوا جميعهم عن التفكير وكان نتاج ذلك أن تحكمت الأقلية التي امتهنت عقيدة تدميرية تشرعن القتل والتدمير والإبادة، تقوم كما وصفتها حنة آراندت على مبدأ (كل شيء يمكن أن يدمر) مزيدا من التدمير والقتل والإبادة.
عندما ننظر إلى حولنا، إلى عالمنا الذي نعيش ولا نرى فيه إلا الدمار والقتل والإبادة، عالم يتحول الإجرام والقتل والتدمير والإبادة فيه إلى أيديولوجية وعقيدة ونسق، تتولد وتتزاحم في عقول الأقلية الأقوياء بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم ودينهم وعرقهم.
نستدعي ما ذهبت إليه حنة آرندت عندما وصفت ذلك بالعقيدة التدميرية، وهي نسق كما وصفتها تقوم على قيم مختلفة ومغايرة عن كل القيم الإنسانية والدينية والأخلاقية. وتتجلى هذه العقيدة، حسب حنة آرندت في «أن كل شيء يمكن أن يدمر».. وأن «يقضى بالضرورة على كل أثر مما تعارف الناس على تسميته بالكرامة البشرية»، وأن «نتصرف على أساس نسق من القيم، مختلف اختلافا جذريا عن كل الأنساق الأخرى». بل يمكن القول إن هذه الجرائم المتواترة في كل حروب الغرب ضد الآخر، يعتبرها حقا من حقوق الإنسان الأبيض، وذلك ما لا يمكن معرفته إلا بالنظر في ممارسات الغرب ضد الشعوب المستعمرة. يراجع بشكل واسع أن هذه الحروب التي يشعلها الأقوياء في مختلف بقاع الأرض ما هي إلا خدمة لتلك الآلة العملاقة من الصناعات والاختراعات والتقنيات التي لفظت من معاملها كميات كبيرة من الأسلحة الفتاكة وأدوات القتل الأخرى. وترجع حنة أن الجرائم التي ارتكبت في القرن العشرين لم تنتج فقط عن أنظمة قمعية، بل عن أشخاص توقفوا عن التفكير.

وما ارتكبه جيفري إبستين في جزيرته الشيطانية، ما هو إلا دليل صارخ على تلك العقيدة. تتكشف ملفات إبستن الذي أوى في جزيرته اصحاب الشهرة والسلطة والمال والمتنفذين، من اجل إسعادهم وتقديم قرابين لهم لكي يعيشوا ساعات من السعادة والفرح. كل شيء في عرف الأقوياء جائز ومباح، ولا حدود لتلك الإباحية والجواز ولا لتفكيرهم من أجل سعادتهم وإشباع غرائزهم. تتعدد رغبات الأقوياء فمنهم لديه كل شيء المال والسلطة والنفوذ، ولكن ينقصه شيء يريد إشباعه قد يكون ذلك النقص هو القتل، أو تجربة أكل لحوم البشر، أو ممارسة الشذوذ والبغاء، كل تلك نواقص يسعون إلى سد ثغراتها وملء فراغاتها. يتحولون إلى وحوش في صورة بشر، أقلية منزوعة اللجام لا تنضبط ولا ترتدع عديمة الضمير.
تلك العقيدة هي التي جعلت دونالد ترامب الرئيس الأمريكي، يطلق شعار حملته «اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» التي أصبحت (MAGA) ووجد ملايين من الأنصار والداعمين له، وتحول ذلك الشعار إلى حركة، وربما قد تتحول إلى حزب سياسي. المهم في تلك العقيدة هو أن تعيش أمريكا في رفاهية وسعادة ظاهريا، وباطنيا حتى لو تكلف ذلك تدمير الشعوب والأمم الأخرى، وترحيلهم والزج بهم في السجون. ترامب والغرب من ورائه الذي يتعامل مع العالم وكأنه جزيرة إبستين، فيمعن في القتل والتدمير والإبادة، ليس إلا لإرضاء شهوته وغطرسته. لا رادع له، ولا راد. لا يقف في وجهه لا أمم متحدة، ولا شرائع وقوانين دولية إنسانية، ولا اتفاقيات ثنائية أو جماعية، ولا يقيم هو وزنا لأي أحد، ففي شرعه هو وجماعته كل شيء مباح ومستساغ. إن ما تفعله أمريكا وإسرائيل والأكثرية من دول الغرب ليس بعيدا عن هذه السياسة، فهم يدمرون ويقتلون ملايين البشر خصوصا في الدول الفقيرة للاستيلاء على ثرواتهم لينعموا هم بحياة رغيدة. وهكذا لم يردع نتنياهو وصهاينته رادع وهو يرتكب جريمة الإبادة في أهل غزة والفلسطينيين، وكل العرب معهم لأجل أن يعيش اليهود الصهاينة منعمين سعداء. أحد عتاة العنصريين الصهاينة صرح بأنه سوف يبيد الفلسطينيين ليحل محلهم الرجال ذو البشرة البيضاء.
هذه العقيدة (عقيدة الإبادة) تعيد للأذهان تلك الأقاويل التي راجت ولا تزال تطرح أبان انتشار جائحة كورونا، وبات بشكل واضح الكلام الذي يتردد في أروقة العالم هذه الأيام، أن الرأسمالية المتوحشة والكبار الذين يديرون العالم من غرف مظلمة، يهدفون إلى تقليل أعداد سكان العالم بعدما ضاقوا ذرعا بالزيادات المتصاعدة لسكان الكوكب الذين لم تجد معهم الحروب والكوارث في التقليل منهم فعمدوا إلى حياكة الخطط الجهنمية وابتداع وسائل ناعمة لإبادة البشر ومنها، نشر الأمراض والاوبئة يضربون من خلالها عصفورين بحجر واحد كما يقال، قتل أكثر عدد من البشرية وبيع الكثير من الأدوية وجني الأموال الطائلة. وليس بالإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل بعيدة عن ذلك.
تعدد وسائل سيطرة الأقلية على الشعوب من قبل وتتنوع ويدخل في ذلك التجويع والحاجة والفقر كسلاح وصولا إلى الإبادة وهي كما يبدو ليس لهم حدود في ذلك. ليتخلصوا من الأكثرية من البشر ليعيش الأغنياء في ترف وينعموا بالثروات والمال.

*كاتب من عُمان.*القدس العربي
1