أحدث الأخبار
الثلاثاء 21 نيسان/أبريل 2026
في يوم المرأة العالمي: نساء غزة يواجهن حرب الإبادة متمسّكات بالحياة!!
بقلم : وردة الشنطي ... 08.03.2026

غزة: في قلب الحرب التي أثقلت حياة الناس في غزة، تحكي النساء شهادة مختلفة عن الصمود، حكاية لا تشبه التقارير العسكرية ولا لغة الأرقام. هنا تتحول الحياة إلى اختبار يومي للإرادة، حيث تحمل المرأة مسؤوليات مضاعفة بين الأمومة والعمل والبقاء وسط واقع قاسٍ لا يمنحها رفاهية الحلم. ففي يوم المرأة العالمي يبدو صوت المرأة في غزة أكثر حضورًا من أي وقت مضى، فهو صوت يتجاوز الألم ليعلن أن الحياة ما زالت ممكنة حتى داخل الخيام والدمار.
رواء الخالدي:
أحاول أن أستعيد نفسي وسط كل هذا الضجيج. ثلاث سنوات مرّت على الحرب، وثلاث سنوات وأنا أحاول أن أثبت أن المرأة يمكن أن تبقى قوية حتى عندما تفقد أبسط أحلامها. كنت أظن أن الجامعة هي الطريق إلى مستقبلي، وأن شهادتي ستكون جواز عبوري إلى حياة أفضل، لكن الحرب أخذت مني فرصة إكمال تعليمي وتركت في داخلي فراغًا كبيرًا.
لم يكن الفقد نهاية الحكاية. ففي الخيمة الصغيرة التي أعيش فيها اليوم وجدت طريقة أخرى لأعيش حلمي بطريقة مختلفة. قررت ألا يبقى التعليم بعيدًا عن الأطفال الذين يعيشون حولي، فجمعت بعض الكتب البسيطة وبدأت أعلّم الصغار القراءة والكتابة والحساب الأساسي. لم أكن معلمة محترفة، لكنني كنت أشعر أنني أزرع الأمل في عيونهم الصغيرة.
عندما يدخل الأطفال إلى الخيمة أشعر أن العالم يصبح أصغر وأبسط وأكثر دفئًا. نضحك أحيانًا ونحاول أن ننسى صوت الحرب خارج الجدران القماشية الضعيفة، وأرى في وجوههم طفولتي التي ضاعت بين القلق والخوف، وأحاول أن أعيد لهم شيئًا من الأمان الذي افتقدناه جميعًا.
لا أقول إنني قوية لأنني اخترت ذلك، بل لأن الحياة أجبرتني على أن أكون كذلك. المرأة في غزة لا تحمل فقط مسؤولية نفسها، بل تحمل بيتها وأطفالها وأحلامها الصغيرة التي لا تريد أن تموت.
في يوم المرأة العالمي لا أطلب شيئًا كبيرًا. أريد فقط أن يعود التعليم إلى مكانه الطبيعي، أن يكبر الأطفال دون خوف، وأن أستطيع يومًا أن أكمل دراستي الجامعية. فنحن النساء هنا لا نحارب من أجل البطولة، بل نحارب من أجل الحياة فقط، الحياة التي تستحق أن تُعاش بسلام.
ولدت بإعاقة حركية، لكنني لم أسمح لذلك أن يحدد معنى حياتي أو قدرتي على العطاء. في يوم من الأيام كنت أعمل على تنفيذ ورشات توعوية حول المرأة ذات الإعاقة، أحاول أن أشرح للمجتمع أن الإعاقة ليست ضعفًا، وأن المرأة يمكن أن تكون منتجة ومؤثرة مهما كانت ظروفها. كنت أشعر أن دوري هو أن أرفع صوت النساء ذوات الإعاقة وأن أساعد في نشر الوعي حول حقوقهن واحتياجاتهن.
مع بداية الحرب على غزة تغير كل شيء. لم يعد أكبر همي هو التوعية أو الورشات أو العمل المجتمعي كما كان قبل الحرب، فأصبح تفكيري اليومي يتركز حول شيء أبسط وأعمق في الوقت نفسه: كيف أحافظ على كرامتي وبقائي في ظل هذا الواقع القاسي. الحرب بالنسبة لي لم تكن فقط صوت القصف أو الخوف من المجهول، بل كانت تحديًا مضاعفًا بسبب الإعاقة وصعوبة الحركة والبحث عن الأمان في أماكن غير مجهزة. أصبحت أخشى أن أفقد أبسط حقوقي في الحياة الكريمة: الماء والطعام والدواء والشعور بالأمان.
أحاول أن أتمسك بالقوة التي عرفني بها الناس سابقًا، لكن القوة اليوم تعني أن أستطيع الاستمرار يومًا بعد يوم دون أن أنكسر. أحيانًا أشعر أن المرأة ذات الإعاقة في غزة تتحمل عبئًا مزدوجًا، فهي تواجه تحديات المجتمع أولًا ثم تحديات الحرب ثانيًا.
في يوم المرأة العالمي لا أطلب سوى أن يُنظر إلى المرأة ذات الإعاقة كإنسانة لها الحق في الحياة الكريمة، في الأمان وفي المستقبل. أريد أن أعيش دون خوف، وأن أرى العالم يفهم أن الكرامة ليست رفاهية بل هي حق أساسي لكل إنسان مهما كانت ظروفه.
حليمة عيسى:
عمري خمسة وستون عامًا، لكن الحرب على غزة جعلتني أشعر أنني كبرت ضعف عمري الحقيقي. السنوات لم تعد تعني لي الأرقام، بل أصبحت تعني حجم الألم الذي حملته في قلبي منذ بدأت هذه الحرب. كنت أتمنى أن أعيش شيخوختي بهدوء، لكن الحياة اختارت لي طريقًا آخر مليئًا بالقلق والخوف.
اليوم أعيش في خيمتي الصغيرة، لا أملك سوى مساحة ضيقة أشاركها مع أولادي وأحفادي. الخيمة ليست بيتًا حقيقيًا، لكنها أصبحت عالمي الصغير الذي أحاول داخله أن أصنع شيئًا من الأمان. أستيقظ كل صباح لأتفقد أحفادي، أطمئن عليهم وأحاول أن أكون السند الذي يحتاجونه في هذه الظروف القاسية.
أرى الخوف في عيونهم عندما يسمعون أصوات القصف أو عندما ينقص الطعام أو الدواء، لذلك أحاول أن أكون قوية أمامهم. أخفي دموعي وأبتسم رغم التعب. أقول لهم إن الحياة ستعود أجمل، وإن الأيام الصعبة لن تبقى إلى الأبد. ربما لا أملك الكثير لأقدمه، لكنني أملك الصبر والدعاء والحنان.
في يوم المرأة العالمي لا أطلب تكريمًا ولا كلمات مدح. كل ما أريده هو أن تنتهي هذه الحرب، أن يعود الأمان إلى غزة، وأن يكبر أحفادي دون أن يعرفوا معنى الخوف. فالمرأة هنا ليست فقط أمًا أو جدة، بل هي حارسة للحياة داخل الخيمة، تحاول أن تحمي العائلة من قسوة الواقع.
نحن النساء في غزة نحمل وجعنا بصمت، لكننا لا نفقد الأمل. قد تتعب أجسادنا، لكن قلوبنا ما زالت تؤمن أن الفجر سيأتي يومًا، وأن الأطفال سيضحكون دون خوف، وأن الخيمة ستبقى فقط ذكرى لوقت مرّ بصعوبة ثم انتهى.
وتبقى نساء غزة مثالًا حيًا على القدرة على التمسك بالحياة رغم القسوة التي تحيط بهن من كل جانب. بين الخيام والذكريات والوجع اليومي تواصل المرأة صناعة الأمل بصمت، تحمي أسرتها وتعلم أطفالها وتحافظ على كرامتها في أصعب الظروف. فإن قصة المرأة هنا ليست مجرد شهادة على الحرب، بل رسالة إنسانية تؤكد أن القوة قد تولد من الألم، وأن الأمل يمكن أن يعيش حتى في أكثر الأماكن تعبًا. ففي يوم المرأة العالمي يبقى الصوت الأصدق هو صوت النساء اللواتي يواصلن الحياة رغم كل شيء، منتظرات فجرًا يحمل السلام والطمأنينة.

1