أحدث الأخبار
السبت 09 أيار/مايو 2026
ضيوف ثقلاء!!
بقلم : سهيل كيوان ... 19.03.2026

تشهد الأمم للعرب بأنهم يحسنون الاستضافة، وللضيف عند العرب مكانة خاصة. فالتعامل يتبدّل مع الشخص نفسه حين يتحوّل من زميل عمل أو تجارة إلى ضيف. حتى الخلافات والانتقادات تؤجل حتى تنتهي فترة الضيافة. كثيراً ما نسمعها مع ابتسامة «على كل حال الآن أنت ضيف، الحسابات والخلافات خليها لبعدين».
تُقاس مكانة المضيف بقدرته على أن «يبيّض وجهه» أمام ضيوفه، خصوصاً في المجتمعات القروية، ويا ويله إن تذمّر أو عبس أو بخِل، فذلك عيبٌ لا يُغتفر، ووصمة قد تلازمه طيلة عمره.
وقد خص الجاحظ البخلاء بواحد من أجمل كتب العربية.
يقول المثل الشعبي «لاقيني ولا تغدّيني»، فحسن الاستقبال يغني عن وفرة الطعام والشراب، فالمسألة ليست في كثرة ما تُقدّم بل في الروح التي تقدم. فإذا قدّمت الكثير بوجهٍ عابس، أو تذمّر، تحوّلت الضيافة إلى تكلّف، وأصبحت مجرّد استعراض لصفةٍ ليست أصيلة فيك.
ومثلما أن على المضيف واجبات، فعلى الضيف واجبات. عليه أن يُحسن التصرّف، وألا يُحرج مضيفه، فلا يتذمّر من ضيق المكان مثلاً، أو يعطي ملاحظات محرجة لصاحب البيت، ولا من نوع الطعام الذي يقدم أو كميته، فإذا لم يعجبه الطعام وجد له مخرجاً مقنعاً من غير أن يحرج المضيف، ولا يفرغ الطبق كأنه في وليمة لا نهاية لها، بل من الذوق أن يترك الطعام قبل أن ينهي الأُدم. وقيل إن نفاد الخبز يعتبر تقصيراً من المضيف أما نفاد الأدم فمن جشع الضيف. وقد رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيت فقير قال إنه صائم، كي لا يحرج صاحبه. وقد يدّعي الضيف العابر أنه شبعان وتناول طعامه قبل قليل، ولا مكان لإضافة. فالأدب في الضيافة ليس من طرف واحد، بل هو توازن دقيق بين كرم المضيف ولباقة الضيف الذي من واجبه أن يُشعر المضيف بأنه قام بواجبه على أكمل وجه.
كذلك يفترض أن ضيف اليوم سيكون مضيفاً في المستقبل، وكأنه دين عليه، فقالوا «ملح الرجال على الرجال دين»، وإلا اعتبر هذا نقصاً في الرجل وبخلاً، إلا إذا كان فقيراً وعاجزاً فيُعذر.
ومع ذلك، ظلّت الثقافة الشعبية تحتفظ بمخزون ساخر عن «الضيوف الثقلاء». حتى يُقال «إن فلاناً مؤخرته ثقيلة». ويحذّرك بعضهم: إياك أن تقول لفلان «تفضل»، لأنه إن قعد ينسى أن يقوم. ويقال أيضاً: «عزّ الزيارة غارة»، فأجمل الزيارات هي الخفيفة السريعة، «غِب وزُر غِبا تزدد حبّاً».
وقد التقط الجاحظ هذه المفارقة بذكائه الساخر، حين وصف حال المضيف مع الضيف الذي لا يفهم الإشارة:
“كان الرجل إذا رأى الضيف قد أطال الجلوس، جعل يذكر حاجاته، ويعدّد أشغاله، ويقوم ويقعد، رجاء أن يفطن الضيف، فلا يفطن».
و»ومنهم من إذا حضر الطعام حضر معه، وإذا رُفع لم يُرفع»، «وقد يكون من الضيف من يأنس بالمكان حتى كأنّه من أهله، فلا يستأذن في دخول ولا خروج».
وفي المثل الفلاحي: «ركّبناه على الحمار مدّ إيده في الخُرج»، فهو لم يكتفِ بما قُدّم له، بل صار يعبث بمحتويات ليست ملكه. وهنالك الضيف الوقح الذي يفتح النوافذ أو يقف على الشرفة ويراقب بيوت الجيران.
يقال أيضًا «ضيف الحارة بطفي المرارة»، لما يحدثه من إرباكٍ لأهلها، من يستضيفه على الغداء؟ ومن على العشاء؟ وقد يؤدي إلى زعل أحدهم أو إلى تظاهره بالزعل لأن الضيف قبل دعوة فلان واعتذر عن عدم تلبية دعوته! ويعتبرها البعض انتقاصاً من قدره «يعني نحن مش قد المقام»؟
وكان المضيف يدعو أقرباءه كي يعينوه في تقديم الواجب، ويفخر بأنّهم عزوة له، وبعضهم يستأذن من قريبه «بدّك تسمح لنا بالضيف على الغداء بكرا»، وذلك لتوزيع عبء الاستضافة على الجميع. أما الضيف الخفيف، فهو الذي يكتفي بفنجان قهوة أو لقيمات ثم ينهض معتذراً، فيبقى محبوباً، خفيف الظلّ، مرحّباً به دائماً.
في التاريخ، لم يكن الضيف الثقيل مجرّد حالة اجتماعية، بل تحوّل أحيانًا إلى نموذجٍ من نماذج السّيطرة. بعض الغزاة كانوا يفرضون على الناس أن يقيموا لهم الولائم، وتتحول الضيافة من كرمٍ وشهامة إلى واجبٍ مفروض ومُذل.
يروى أن أحمد باشا الجزار، حين تسلم السلطة على (سُنجق) أو لواء عكا عام 1775، خرج إلى قرى المنطقة ومنها مجد الكروم كي يحصل من أهلها على الولاء والمبايعة، فاستُقبل مع حاشيته بوليمة أقامها أهل القرية خشية بطشه، لكنه وقبل أن يتناول الطعام أمر بقطع رؤوس رجال عائلة تدعى (المريدات) لأن رجالها كانوا ناشطين إلى جانب ظاهر العمر الزيداني في عصيانه على الدولة العثمانية.
كما يروي بعض كبار السن أن بعض الحكّام العسكريين بعد النكبة كانوا يفرضون على سكان القرى الفلسطينية إعداد الولائم لهم، وبعضهم كان وقحاً ويحدد نوع الطعام الذي يريده.
يُذكر أن الحاكم العسكري لقرية كفر قاسم عام 1956 أقام خيمة في وسط القرية بعد المجزرة التي راح ضحيتها 49 إنساناً بحوالي عام، ودعا كبار القرية إلى «صلح عشائري» حضره وزير الشرطة والحاكم العسكري للقرية وقائد المنطقة، ذُبح فيه 15 خروفاً و100 دجاجة حسب الشريعة اليهودية على حساب وزارة الدفاع. وذلك قبل المحاكمة لتمهيد العفو عن المجرمين.
وكم من «ضيف» دخل بلاداً أخرى بحجة التجارة أو الحماية أو الترتيب المؤقت وإعادة النظام، ثم ما لبث أن صار صاحب القرار فيها. في الهند، بدأت شركة الهند الشرقية البريطانية كتاجرٍ وضيف، يطلب امتيازاتٍ محدودة، ثم انتهى بها الأمر إلى حكم البلاد. وفي أماكن أخرى كثيرة من العالم، نزلت قوات احتلال تحت عناوين مؤقتة، ثم أعادت رسم الخرائط، وتركت وراءها واقعاً جديداً، لا يشبه ما كان.
الضيف الأزعر والعربيد والجشع لا يكتفي بما يقدّم له، بل يفتح النوافذ على الخارج للتدخّل في ترتيب الحي، ويتحرّك من داخل البيت نحو بيوت الجيران، يقرّر ويخطط وينطلق، دون أن يرى ضرورة لاستشارة صاحب البيت.
المعضلة في جوهرها، ليست في الضيف وحده، بل في العلاقة التي تتشكّل حوله، في تلك المسافة الدقيقة بين الكَرم والتنازل، بين الاستضافة والتخلّي، بين فتح الباب وفقدان المفاتيح.
فالبيوت لا تُسلب فجأة بل تتآكل ببطء، والأدوار لا تنقلب بقرارٍ واحد بل عبر سلسلة من «الترتيبات المؤقتة» التي لا تنتهي.
وفي كل مرة، يُقال إن الأمر عابر، وإن الظروف تفرض ذلك، وإن التوازنات معقّدة. وفي كل مرة، يتأقلم صاحب البيت أكثر قليلا ويؤجّل السؤال، إلى أن يصبح السؤال نفسه عبئاً ومجازفة.

1