أحدث الأخبار
صنعاء..اليمن : عشرات الضحايا بقصف صاروخي استهدف مطعماً في المخا!!صنعاء..اليمن : أكثر من 80 قتيلا في اشتباكات بين القوات الحكومية والحوثيين في اليمن منذ الخميس!!لندن..بريطانيا : حرب إيران وأوكرانيا تتشابك.. هل تتسع المواجهة إلى ما وراء الشرق الأوسط؟!!بعد استشهاد الشاب إبراهيم الهندي: 17 شهيدا في القدس منذ بداية العام!!الأمم المتحدة: عدوان إسرائيل على مخيمات الضفة يهدف إلى تهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين!!من حلم العائلة إلى "السجن".. إرهاب المستوطنين يحرم بشير نعيم من بيته!!صنعاء..اليمن : عشرات الضحايا بقصف صاروخي استهدف مطعماً في المخا!!صنعاء..اليمن : أكثر من 80 قتيلا في اشتباكات بين القوات الحكومية والحوثيين في اليمن منذ الخميس!!لندن..بريطانيا : حرب إيران وأوكرانيا تتشابك.. هل تتسع المواجهة إلى ما وراء الشرق الأوسط؟!!بعد استشهاد الشاب إبراهيم الهندي: 17 شهيدا في القدس منذ بداية العام!!الأمم المتحدة: عدوان إسرائيل على مخيمات الضفة يهدف إلى تهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين!!من حلم العائلة إلى "السجن".. إرهاب المستوطنين يحرم بشير نعيم من بيته!!صنعاء..اليمن : عشرات الضحايا بقصف صاروخي استهدف مطعماً في المخا!!صنعاء..اليمن : أكثر من 80 قتيلا في اشتباكات بين القوات الحكومية والحوثيين في اليمن منذ الخميس!!لندن..بريطانيا : حرب إيران وأوكرانيا تتشابك.. هل تتسع المواجهة إلى ما وراء الشرق الأوسط؟!!بعد استشهاد الشاب إبراهيم الهندي: 17 شهيدا في القدس منذ بداية العام!!الأمم المتحدة: عدوان إسرائيل على مخيمات الضفة يهدف إلى تهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين!!من حلم العائلة إلى "السجن".. إرهاب المستوطنين يحرم بشير نعيم من بيته!!
📅 السبت / 05 سبتمبر 2026 | 🌙 22 ربيع الأول 1448 هـ

في السليمانية.. عسل بطعم الذاكرة وحكايات الأجيال!!

في السليمانية.. عسل بطعم الذاكرة وحكايات الأجيال!!
السليمانية (إقليم كردستان العراق)- في أحد أركان السليمانية، لا تبدو تجارة العسل مجرد نشاط اقتصادي عابر، فخلف الجرار المصطفة على رفوف المحال تختبئ حكاية مهنة انتقلت من جيل إلى آخر، وظلت مرتبطة بصورة المدينة وأسواقها القديمة. وبين رائحة العسل ومذاقه، يجد الزائر نفسه أمام جزء من ذاكرة محلية لا تزال حاضرة رغم تغير أنماط الحياة والتجارة.
يحافظ سوق العسل في السليمانية على مكانته داخل السوق الكبير، مستفيدًا من ارتباطه بتاريخ قديم للمدينة. وتجمع المحال بين تجارة منتجات النحل والمنتجات الريفية القادمة من المناطق الجبلية المحيطة بالسليمانية، ما جعل السوق مقصدًا للسكان والزوار الباحثين عن منتجات محلية ذات صلة مباشرة بالبيئة الكردية.
ولا يقتصر حضور السوق على الحركة التجارية، إذ أصبح مع مرور الوقت جزءًا من المشهد الشعبي للمدينة، حيث تتقاطع فيه ملامح الحياة اليومية مع تقاليد قديمة ما زالت تجد طريقها إلى الحاضر.
مهنة تنتقل من الآباء إلى الأبناء
وتتوارث عائلات عدة هذه المهنة منذ عقود، في مشهد يعكس استمرار الحرف التقليدية داخل المدينة. ومن بين أصحاب المحال من أمضوا سنوات طويلة في بيع العسل بعد أن تعلموا المهنة من آبائهم، فيما يواصل بعض أفراد العائلات نفسها العمل فيها، محافظين على خبرات تراكمت عبر السنين.
ولا يتعلق الأمر بمعرفة طرق البيع فقط، إذ يمتلك أصحاب المهنة خبرة في التمييز بين أنواع العسل ومصادره وخصائص كل نوع، وهي معرفة يصعب اكتسابها في فترة قصيرة، وتنتقل غالبًا من خلال الممارسة اليومية والاحتكاك بالمربين والمنتجين.ويرتبط جزء كبير من العسل المعروض في السوق بالمناطق الجبلية المحيطة بالسليمانية، ومنها بينجوين وماوت وطويلة وبشدر، وهي مناطق تشتهر بتربية النحل وتنوع الغطاء النباتي.وتمنح الطبيعة الجبلية المنتج المحلي خصائص مختلفة، إذ يمكن أن تتغير رائحة العسل ولونه ومذاقه تبعًا للنباتات والأزهار التي يتغذى عليها النحل. ولذلك لا يتعامل الزبائن مع العسل كمنتج واحد، وإنما يجدون أمامهم أنواعًا متعددة ترتبط كل منها بمنطقة أو موسم أو مصدر مختلف.
العسل بعيون أهل المهنة
داخل السوق، لا تبدو عملية اختيار العسل مسألة عشوائية، فالبائع يعتمد على خبرته في معرفة المنتج ومصدره، بينما يأتي بعض الزبائن وهم يعرفون مسبقًا النوع الذي يبحثون عنه.
وتمنح هذه العلاقة السوق طابعًا خاصًا، إذ لا تقتصر عملية البيع على تقديم المنتج وتسديد ثمنه، وإنما تتحول أحيانًا إلى حديث عن المنطقة التي جاء منها العسل، وطريقة إنتاجه، والفرق بين أنواعه، وما يميز موسمًا عن آخر.
ومع تطور نشاط السوق، اتسعت طبيعة المنتجات المعروضة في بعض المحال لتشمل مجموعة من المواد الريفية والمحلية. وتظهر إلى جانب العسل منتجات مثل السمن الطبيعي وبعض العصائر المصنوعة من التفاح والرمان والعنب، وغيرها من المنتجات المرتبطة بالمناطق الريفية.
ويمنح هذا التنوع السوق قدرة أكبر على جذب الزوار، خصوصًا أولئك الذين يبحثون عن منتجات ترتبط بالمكان وتختلف عن السلع المتوفرة في المتاجر التجارية الحديثة.
محطة للزوار والسياح
وتساهم الحركة السياحية في إبقاء السوق حاضرًا في المشهد التجاري للسليمانية، خاصة خلال فترات ارتفاع أعداد الزوار. فالسائح لا يجد في السوق منتجًا غذائيًا فحسب، وإنما تجربة مرتبطة بالمدينة وطبيعتها وموروثها المحلي.
ويحرص بعض الزوار على اقتناء العسل والمنتجات الريفية باعتبارها هدايا تحمل شيئًا من خصوصية المنطقة، وهو ما يمنح السوق وظيفة إضافية تتجاوز البيع المباشر إلى تقديم صورة عن الحياة المحلية وثقافتها الغذائية.
وتظهر العلاقة بين المهنة والذاكرة بصورة أكثر وضوحًا لدى بعض التجار الذين يحتفظون بعينات من إنتاج العسل تعود إلى سنوات مختلفة. ولا تمثل هذه العينات مجرد منتجات قديمة، بل تتحول بالنسبة إلى أصحابها إلى سجل صغير يوثق مراحل من تاريخ المهنة وتغير الإنتاج وتنوع مصادره.
وبهذه الطريقة، يصبح المحل نفسه مساحة تختزن جزءًا من الذاكرة المهنية، حيث يمكن للمنتج الموجود على الرف أن يحمل قصة مرتبطة بموسم معين أو بمنطقة معينة أو بمرحلة عاشها صاحب المهنة.
بين الموروث وتحديات العصر
ورغم استمرار السوق، تواجه المهن التقليدية تحديات فرضتها التحولات الاقتصادية وتغير عادات المستهلكين وانتشار المنتجات التجارية الحديثة. ولم يعد الحفاظ على الحرفة مرتبطًا بالاستمرار في ممارسة النشاط فقط، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بقدرة أصحابها على الحفاظ على جودة المنتج ومصداقيته ومصدره.
وفي سوق العسل تحديدًا، تظل الثقة بين البائع والمستهلك عنصرًا أساسيًا، خصوصًا مع تنوع المنتجات المعروضة واختلاف مصادرها. ولهذا تحاول المهنة الاستناد إلى سمعتها المتراكمة وإلى معرفة أصحابها الطويلة بالمنتج.
ويبقى مستقبل السوق مرتبطًا كذلك بقدرة الجيل الجديد على مواصلة هذه المهنة. فانتقالها من الآباء إلى الأبناء لا يعني الحفاظ على الأساليب القديمة فقط، بل يفتح المجال أمام إدخال طرق جديدة في التسويق والتغليف والوصول إلى المستهلكين.
وقد تساعد وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية على تعريف جمهور أوسع بمنتجات السوق، وربط المنتجين والمربين بالزبائن بصورة مباشرة، وهو ما يمكن أن يمنح المهنة التقليدية فرصة للتكيف مع أنماط التجارة الحديثة دون فقدان هويتها.
في النهاية، لا يمكن اختزال سوق العسل في السليمانية في كونه مكانًا لبيع منتج غذائي. فالمكان يجمع بين التجارة والريف والذاكرة والسياحة، ويقدم صورة مصغرة عن علاقة المدينة بمحيطها الجبلي وبالحرف التي ظلت حاضرة رغم تغير الزمن.
وبين نحالين يواصلون العمل في المناطق الجبلية، وتجار ورثوا المهنة عن آبائهم، وزبائن يبحثون عن مذاق يعرفونه منذ سنوات، وزوار يريدون اكتشاف جانب مختلف من السليمانية، تستمر الحكاية داخل السوق.وهكذا، تتحول جرة العسل من منتج معروض للبيع إلى قطعة صغيرة من ذاكرة المكان؛ تحمل في مذاقها أثر الجبال، وفي طريقة تداولها خبرة أجيال، وفي استمرارها محاولة للحفاظ على مهنة باتت جزءًا من هوية المدينة.